قطاع النقل في الأردن: خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الخلف

الخميس 29 حزيران 2017

سيتمّ نشر هذا المقال باللغة الإنجليزية في عدد شهر تموز من مجلة Venture.

تم تعيين المهندس جميل مجاهد وزيرًا للنقل في تعديل وزاري محدود على حكومة رئيس الوزراء هاني الملقي في هذا الشهر، ومجاهد هو رابع شخص يستلم حقيبة النقل في الأشهر الإثني عشر الأخيرة والتاسع خلال السنوات الخمسة الماضية.

في كتاباتي عن موضوع النقل العام، كنت قد تطرّقت مرارًا لحاجتنا لما أسميته بـ«الإرادة السياسية الحقيقية» لتحقيق التحوّل المطلوب في منظومة الحركة والنقل في الأردن. لم أخض في التفاصيل في توضيح ما قصدته بذلك المصطلح، لكن ربما تساعدنا التطورات التي حصلت خلال الأشهر الماضية على فهمه وعلى تقدير حاجتنا لتلك الإرادة. فما يحصل اليوم هو خير دليل على غياب الإرادة السياسية وعلى ضرورة إحداث تغيير جذري شامل في طريقة تعاملنا مع هذا الملف البائس.

أولًا: إن التغيير المستمر في وزراء النقل يعطي الانطباع بأن الدولة الأردنية لا تولي هذا الملف اهتمامًا كبيرًا، وأن منصب وزير النقل بات وكأنه يُمنح كـ«أعطية». أقول هذا مع احترامي للأشخاص الذين تولوا المنصب، بمن فيهم الوزير الحالي جميل مجاهد، وهو من ذوي الخبرة الطويلة في المؤسسات المختلفة التي تُعنى بقطاع النقل. إنّ المشكلة ليست في الوزراء بعينهم بل في غياب الاستمرارية.

ثانيًا: تمّ مؤخرًا بدء العمل بقانون جديد لتنظيم نقل الركاب في المملكة، وذلك بعد عدة دورات برلمانية شهدت نقاشات حادة حول القانون. كانت أهم الإنجازات التي تحقّقت في ظل القانون الجديد هي تأسيس صندوق مستقل لدعم القطاع بحيث يُرفد ذلك الصندوق جزئيًا عن طريق قرشين يقتطعان عن كل لتر بنزين وديزل يباعان في الأردن. في جلسته التي عُقدت في الرابع والعشرين من أيار، قرر مجلس الوزراء تأجيل اقتطاع القرشين «على أن يتم النظر في الموضوع لاحقًا»، وذلك بحجة انتظار خطة مشاريع وزارة النقل ووضع النظام والتعليمات لما ورد في القانون. تبيّن بعد ذلك أن للموضوع أبعادًا سياسية تتعدى تلك الحجة، وشخصيًا لا أستغرب إذا لم تكن الحكومة على علم بموضوع اقتطاع القرشين قبل صدور القانون في الجريدة الرسمية.

إن إحدى التحدّيات الكبرى التي تواجه قطاع النقل العام هي غياب التمويل، وبإيقاف العمل بأحد أهم بنود القانون الجديد، فإن الحكومة ضربت عرض الحائط بأية آمال لوجود دعم مالي مستدام للنقل العام.

ثالثًا: تحدّث تقرير صحفي في جريدة «الرأي» مؤخرًا عن وجود فراغ إداري في أمانة عمّان الكبرى، وتحديدًا في مشروع الباص السريع، بعد مغادرة مدير النقل أيمن الصمادي للعمل في الخارج في توقيت وصفه كاتب المادة بالـ«قاتل». يأتي ذلك بعد تصريحات متكررة لأمين عمّان السابق عن مخطط لبناء شبكة مترو في عمّان خلال السنوات الثمانية القادمة، تلتها تصريحات لرئيس اللجنة الحالي (القائم بأعمال أمين عمّان) بعدم وجود استراتيجية لقطاع النقل لدى أمانة عمّان في جلسة ضمّت رجال أعمال.

كيف سيستكمل الباص السريع في ظل الفراغ الإداري في أمانة عمّان؟ وكيف نتحدث، رغم ذلك الفراغ، عن شبكة مترو ثم نقول أنه لا توجد استراتيجية نقل للمدينة؟ إنّ التضارب في التصريحات والتخبّط في التعامل مع ملف النقل في أمانة عمّان مقلقٌ للغاية.

رابعًا: لا تزال قضية ترخيص كريم وأوبر تراوح مكانها، رغم صدور تعليمات مؤخرًا كان هدفها تنظيم عمل تلك التطبيقات. التعليمات التي صدرت تنمّ عن عدم فهم لآلية عمل التطبيقات بشكل خاص، وعن الاقتصاد التشاركي في قطاع النقل بشكل عام، فهي (أي التعليمات) تخلق فئة جديدة من الخدمات تحت مسمى «التكسي الذكي» بشروط تعجيزية (ومضحكة) كضرورة وجود شاشة عرض ومشغّل DVD في كل سيارة. الفئة الجديدة التي نشأت بموجب التعليمات عرضة للمشاكل ذاتها التي يعاني منها قطاع التكسي الأصفر القائم (ولن أخوض هنا في التفاصيل). فبدلًا من استغلال وجود التطبيقات لرفع سويّة الخدمة على النظام القائم بما فيها التكسي الأصفر، اختارت الدولة العكس – وهو إجبار التطبيقات على العمل ضمن “قوانين اللعبة” للنظام القائم والذي لم يلبّ احتياجات المواطن في خدمة نقل تحترم كرامته.

هذه التطورات الأربعة هي أمثلة توضّح الحال الذي وصل إليه ملف النقل العام (ونقل الركاب بشكل عام) في الأردن. إنّه حالٌ يفتقد للرؤية الشمولية وللاستمرارية في الإدارة، حالٌ يتّسم بالتردّد في أخذ القرار وتغيير الوضع القائم لأسباب عديدة منها وجود مصالح شخصية ضيّقة تسيطر على القطاع. بالمختصر، إنّه حالٌ يفتقد للقيادة القوية وللإرادة السياسية الحقيقية.

لا أريد أن أبدو متشائمًا أو انهزاميًا، فما زال لدي بعضٌ من الأمل في تغيير الوضع القائم نحو الأفضل. لعل النداء الذي أطلقه الملك مؤخرًا يعطي بعضًا من الزخم السياسي لهذا الملف، لا سيّما وأنه قد تم تعيين وزير جديد ذي خلفية ودراية بمشاكل قطاع النقل العام.