إضراب من أجل الصالح العام 

من إحدى المدارس الحكومية في عمان في أول أيام من إضراب المعلمين. تصوير بيان حبيب.

رأي

إضراب من أجل الصالح العام 

السبت 14 أيلول 2019

تتعدى أهمية إضراب المعلمين والمعلمات الأردنيين، الذي بدأ في 8 أيلول، حدود تأثيره على فئة يقارب عددها 100 ألف شخص، وأسر هؤلاء، وطلابهم، ونقابتهم، وميزانية الحكومة التي تقول إنها لا تستطيع تحمل كلفة العلاوة التي يطالب بها المعلمون، والتي تقدّرها بـ112 مليون دينار سنويًا. فأهمية هذا الإضراب، في ظل حياة سياسية راكدة ومقيّدة، تكمن أيضًا في أنه يفرض نقاشًا عامًا يخرج من إطار القضية بعينها، ويولّد حركة مجتمعية تكشف لنا وجهًا جديدًا من أوجه تغير واقعنا الاجتماعي السياسي، كنتيجة لعمليات الهندسة الاقتصادية على أيدي راسمي السياسات في الأردن خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

ليس من الحتمي أن يسبب إضراب فئة مهنية كل هذا الجدل وأن يتحول إلى قضية رأي عام شغلت الناس على مدى أسبوع وما زالت. صحيحٌ أن للمعلمين خصوصية مقارنة بغيرهم من الفئات المهنية باعتبارهم أكبر عددًا وأشد تأثيرًا بحكم خصوصية التعليم نفسه، لكن كان من الممكن ألا يقود إضرابهم إلى هذه الحالة من الاحتقان لولا أن قضيتهم تعبر عمّا هو أوسع من مصالح فئوية خاصة بهم. 

في حين تتعامل الحكومة مع الإضراب كحدث تحاول احتواءه، فإن التدقيق في حالة التضامن والاصطفاف التي خلقها، وفي السلوك المتشنج الذي تمارسه الحكومة تجاهه، عبر إعلامها ومتحدثيها ونخبها، يؤكد أن الإضراب بات تعبيرًا عن أزمة تتجاوز الحدث نفسه.

لماذا نال المعلمون تضامنًا واسعًا؟

«يا سيدي الكريم، أنا بروّح أشتغل ع تكسي بعد الدوام. ناطق إعلامي هيني قد الدنيا، راتبي 600 ليرة بعد 24 سنة خدمة. (..) أنا مش بطالبهم لأني أنا عضو نقابة، أنا بطالب لأني معلم. ولن أتراجع عن مطلبي، مش شرط ولا قساوة راس ولا تعنت. ينزل عمر الرزاز يدرّس محلّي شهر، ينزل وزير التربية وليد المعاني، وأتحداه يحط ابنه محلّ ابني [في مدرسة حكومية]».

هكذا تحدث الناطق الإعلامي باسم نقابة المعلمين الأردنيين، نور الدين النديم، خلال برنامج حواري على قناة الأردن اليوم. ليست هذه المطالبة بتبديل المواقع مجرد مناورة بلاغية أو ضربًا من الابتزاز العاطفي. فهذه المقولة التي تكررت على لسان العديد من المعلمين والمتضامنين معهم هي ببساطة احتجاجٌ على الخلل العميق في توزيع الثروة في هذا البلد؛ احتجاجٌ على استكثار العلاوة -الهزيلة في الغالب- على المعلمين، ومطالبتهم بإثبات جدارتهم من أجل نيلها، في حين تنعم طبقة صغيرة مفلتة من المحاسبة بثمار سياسات اقتصادية متقشفة. إنها مطالبة غاضبة بالعدالة الاجتماعية.

فضلًا عن الالتزام الواسع بالإضراب من المعلمين والمعلمات، فإن التضامن الذي أبداه الكثيرون من غير المعلمين كان تضامنًا مع أنفسهم بالدرجة الأولى. فالشعور بالغبن لدى شرائح واسعة جرى إفقارها في السنوات الأخيرة، وشرائح من الطبقات الوسطى باتت تتأرجح حول خط الفقر، هيّأها للتضامن مع أي خصم محلّي للحكومة، التي تتحمل المسؤولية الأكبر عن تدهور واقعهم.

أحد الدلائل على ذلك هو ارتفاع نسبة المعلمات الملتزمات بالإضراب. فمشاركتهن في الإضرابات التي خاضتها النقابة منذ تأسيسها عام 2011 كانت دومًا أقل بكثير مشاركة من زملائهن. لكن تراكم المسؤوليات والأعباء الاقتصادية عليهن، خلال السنوات العشر الماضية تحديدًا، جعلهن في أمسّ الحاجة للعلاوة التي تطالب بها نقابة المعلمين، وجعل الإضراب من مصلحتهن، ومصلحة الرجال المحيطين بهن، سواء كانوا عناصر أجهزة أمنية أو موظفين في الشرائح الدنيا من الوظائف العامة والخاصة، كونهم هم أنفسهم متضررين من ثبات أجورهم في ظل الغلاء وتآكل قدرتهم على تغطية متطلبات الحياة الأساسية.

فئة أخرى واسعة يصبّ الإضراب في مصلحتها هي الشرائح الوسطى والدنيا من الطبقات الوسطى التي تنفق جزءًا فاحشًا من دخلها لتدريس أولادها وبناتها في مدارس خاصة لا تتناسب أقساطها أبدًا مع جودة التعليم الذي تقدمه. إن إصلاح التعليم العام، الذي يبدأ من توفير الشروط المادية لتمكين معلمي المدارس الحكومية من تقديم تعليم جيد، هو مصلحة أساسية لهذه الطبقات. إذ أنها كانت ستتمكن من تحسين جودة حياتها بشكل فارق والكفّ عن العيش في قلق مزمن إزاء المستقبل لو أنها حوّلت مصروفاتها الكبيرة على التعليم إلى جهات إنفاق أخرى قادرة على منحها أمانًا ماديًا مستدامًا. 

بالتالي، فإن التضامن مع الإضراب يرجع جزئيًا إلى كون إصلاح التعليم العام مطلبًا وطنيًا، ذلك أنه سيُبعد شبح الفقر عن شرائح كبيرة من الطبقات الوسطى، وسيَسند الطبقات الفقيرة التي لا تملك خيارًا سوى تدريس أبنائها وبناتها في المدارس الحكومية، ويقدم لهذه الطبقات تعليمًا جيدًا قد يؤهّلها للخروج من الفقر.

تفاجأت الحكومة بهذا التضامن الواسع، وبالتزام المعلمين العالي، وبما أبدوه من نديّة في إصرارهم على الاعتصام ثم على الدخول في الإضراب. نَبَعت هذه الندية من الشعور بالإهانة جراء التعامل الأمني مع الاعتصام، وبالتالي الشعور بضرورة استرداد الكرامة والثبات على الموقف. لكن الشعور بالإهانة لم ينشأ يوم الخميس 5 أيلول، بل له سياق طويل من الانحدار البطيء لمكانة معلمي القطاع العام مجتمعيًا كانعكاس لهبوطهم طبقيًا. 

حتى التسعينيات، كان المعلمون والمعلمات يمثلون شرائح مختلفة من الطبقات الوسطى، وأمنّت لهم دُخولهم حينها حياة جيدة، مما رفع مكانتهم الاجتماعية، وهو ما يدل عليه موقعهم المتقدم ضمن اقتصاديات الزواج، والتباهي بهم في المناسبات الاجتماعية المختلفة. لم تتراجع هذه المكانة إلا حين تم تبخيس قيمة جهدهم، وباتوا محاصرين أكثر فأكثر بمتطلبات مادية أجبرتهم على امتهان أعمال أخرى إلى جانب التعليم، أو الاستدانة لتأمين الأساسيات، مما قلّص قدرتهم على تكوين رأس مال اجتماعي. 

بالتالي، فإن الحكومة لم تكن لتدخل في صدام حاد مع المعلمين خلال الاعتصام، سببت لهم فيه الشعور بالإهانة والإذلال، لولا مسار طويل من تبخيس قيمة المعلم، كنتيجة لتغير أولويات الدولة، بعدما تضاءلت حاجتها للاستثمار في مواردها البشرية، وأصبحت هذه الموارد في نظرها عبئًا يستنزف ميزانياتها المثقلة بالديون.

لماذا قابلت الحكومة الإضراب بالتحريض والتهديد؟

الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع اعتصام الخميس، التي وصلت إلى حد إغلاق طرق أساسية في عمّان وخارجها لمنع الوصول إلى الدوار الرابع، لا تتعلق بالإضراب نفسه فحسب، وليست الرسالة فيها موجهة للمعلمين بقدر ما هي موجهة لكل المتضررين من بين القوى العاملة. رئيس الوزراء عمر الرزاز عبّر عن ذلك بوضوح حين قال، في حوار بُث عبر التلفزيون الأردني يوم الثلاثاء: «إذا كل واحد بده يوخذ حقه بهذه الطريقة، إلى أين سنصل؟»؛ أي أن السماح للمعلمين بتحقيق أي منجز حقيقي عبر النزول إلى الشارع سيفتح بابًا تأتي منه الريح، لتطالب مختلف الفئات العاملة بتحسين أُجورها، وهو ما لا يمكن القبول به أو تحمل كلفته. كما أن الإصرار على منع تجمع المعلمين والمعلمات يعود إلى عدم قدرة الحكومة على تحمل الكلفة السياسية لتكرار تجربة مظاهرات الدوار الرابع عام 2018، حين تحول إضراب النقابات المهنية رفضًا لقانون ضريبة الدخل إلى سلسلة اعتصامات سرعان ما توسعت مطالبها، حتى رفعت شعار إسقاط الحكومة، وأسقطتها بالفعل.

سؤال «إلى أين سنصل بالبلد؟» الذي يطرحه الرزاز هو سؤالٌ يجب أن يوجه إليه، وهو الذي دفع المعلمين باتجاه الإضراب بعد تجاهل مراسلاتهم ودعواتهم له إلى الحوار على مدى شهور، وصدّر الأجهزة الأمنية للحديث عن الاعتصام، وكأنه عملية إرهابية، وحين خرج على شاشة التلفزيون الأردني متأخرًا ليتحدث عن إضرابهم، تحدث بصرامة وتصلّب، رافضًا من حيث المبدأ منح المعلمين أي علاوات إلا بربطها بالأداء، متهمًا المعلمين بالمساومة على مصلحة الطلبة، وباستخدامهم «كورقة» للضغط على الحكومة. 

يظهر لنا هذا الخطاب أمرين لافتين. أولًا، يبدو أن الحكومة استهجنت واستغربت الندّية التي تتحدث وتتصرف بها نقابة المعلمين الأردنيين. ولا عجب في ذلك، فالسلطة التي جفّت منابع شرعيتها الاجتماعية، وبات حكمها قائمًا على التسلط الفظ وعزل إرادة الناس السياسية عن مراكز صنع القرار، من الصعب أن تتقبل الندية من جسم نقابي كانت قد قبلت بتأسيسه مرغمةً، أو أن ترضخ لمطالبه وسط ترقب شعبي واسع للقضية.

ثانيًا، يظهر هذا الاستهجان أن الحياة السياسية في الأردن تعرضت لتجريف عميق جعل أبسط مفاهيم العمل الديمقراطي المنظّم محط خلاف أو تشويه. إن ما يلوم الرزاز نقابةَ المعلمين عليه هو بالتحديد أنها تتصرف كنقابة. فتصويره لها على أنها عصبة شريرة تراهن بمستقبل الأطفال الأبرياء لمجرد أنها تستخدم الإضراب من أجل تحقيق مطالبها يُظهر أن رئيس الحكومة لا يقبل أو لا يدرك أن الإضراب هو -بالتعريف- وسيلة ضغط ديمقراطية يمارسها جسم تمثيلي منظم من أجل تحقيق مطالب منتسبيه، عبر إرغام الخصم على التفاوض والوصول إلى تسوية. يحذر الرزاز من سلوك هذه الطريق «الخطرة على المجتمع»، كما يقول، في الوقت الذي يشيطن هو فيه شكلًا احتجاجيًا مقبولًا بكل المقاييس والمعايير الناظمة للصراعات المطلبية والمهنية في العالم، معتبرًا إياه طريقًا «للتصعيد والمغالبة». 

ليس الإضراب أو النقابة أو الاعتصام المفاهيم الوحيدة التي أصبحت أبسط تعاريفها محط خلاف وتشويه. إذ يبدو أن مفهوم المؤسسية أيضًا ملتبسٌ لدى الرزاز الذي يعتبر أن «المؤسسية تتطلب حين تتغير النقابات أن نبدأ من حيث انتهينا، لا أن نضع كل شيء جانبًا ونقول بدنا نبدأ من جديد. يا بتعطونا اللي بدنا إياه يا بنعمل كذا». ولا نعلم ما الآلية التي يتصور الرزاز أن التغيير الديمقراطي يجري بها إن لم يكن عبر انتخاب هيئات ممثِّلة تسعى لتحقيق مطالب منتسبيها بتغيير ما يرون تغييره ضروريًا في ما سبق من قرارات.

مقابل استهجان الرزاز لسلوك النقابة، عبّر المعلمون عن التزامهم بقرارها، ليس من خلال الاستمرار بالإضراب عن العمل فحسب، وإنما بالاحتفاء بالنقابة والتعبير عن الاعتزاز بها ودعم موقفها. ما يحرّك هذا الاعتزاز هو حقيقة أن النقابة، التي كان تأسيسها حصيلة نضال نقابي هام، رفعت خلال سنواتها الثماني صوت المعلمين والمعلمات بعد عقود من إسكاته. 

الأدوات التي حاولت الحكومة عبرها فرملة الإضراب كانت متعددة. فقد صدّرت ما يسهل استنتاج أنه احتجاجات مفتعلة شديدة المحدودية، وحرّكت أقلامًا وكاميرات لتغطية «تضرر» الطلاب، واستدعت نخبًا لم تعد تثير سوى السخرية لتلقن المعلمين دروسًا في الوطنية. لكن الكثير من هذه المحاولات لم تعدُ كونها مادة خام للتندر على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم تستطع تحقيق التأثير المأمول منها. فإلى جانب طبيعة تكوين المعلمين أنفسهم كفئة واسعة وعابرة للعشائرية والإقليمية، كان من الصعب على السلطة التحريض ضدهم في ظل معاناتها بشكل واضح من أزمة نخب وحلقات وسيطة، بعدما أصبح الدفاع عن نهجها السياسي والاقتصادي أصعب من ذي قبل، بسبب اتساع قاعدة المتضررين منه، وفجاجة شكل اللامساواة الناتجة عنه.

ما معنى «الانتصار» على المعلمين؟

تساءل كثيرون من متابعي الإضراب، وهم محقون، عن معنى أن يعود المعلمون والمعلمات إلى طلابهم خائبين في حال فك الإضراب دون تحقيق مطلبهم. لكن إفشال الإضراب، في حال وقوعه، سيعني أكثر من ذلك بكثير. إذ سيؤدي إلى دفع آلاف المعلمين والمعلمات والمتضامنين معهم إلى خانة المعارضة، غير المنظمة أو المصنفة، للنهج الاقتصادي السياسي السائد، وسيسحب من مخزون الثقة -المتآكل أصلًا- لدى قطاعات واسعة من الناس في مؤسسات الدولة وأجهزتها.

هذه الحال ستنعكس بالضرورة على العملية التعليمية. فإن كان المعلم الذي يضطر لقيادة سيارة أجرة بعد دوامه يقدم حاليًا نصف طاقته وإمكاناته في الغرفة الصفية، فإن أسبابه للعطاء ستقل حتمًا حين يُغلق الباب أمام مطالبته بالعيش الكريم. عندها، سيصعب على الحكومة التنصل من مسؤوليتها عن التدهور المقبل في جودة التعليم، وسينحصر ردها على مطالبات المعلمين إما بالقمع أو بالترويج لتصورات أخلاقوية عن وظيفة المعلم بوصفه مسيحًا بالفطرة، من واجبه أن يمارس عمله بشكل شبه تطوعي، بمعزل عن حاجته هو للعيش ولتعليم وإعالة عائلته.

إن المجازفة بهذا التدهور قد تكون أعلى كلفة من الـ112 مليونًا التي ترفض الحكومة توفيرها. ما يحقق مصلحة الطلبة وأهاليهم وعموم أبناء الطبقات الوسطى والفقيرة، فضلًا عن مصلحة المعلمين والمعلمات، هو الاستثمار في تعليم حكومي جيد، يكون المعلم في مركزه. فإن لم يكن الصالح العام هو توظيف موارد الدولة لتمكين الغالبية الكبرى من المجتمع، فما هو الصالح العام؟