من هم «بحّارة» الرمثا ولماذا يحتجون؟

الأربعاء 28 آب 2019
من الاحتجاجات في مدينة الرمثا قبل أيام. لقطة من بث قناة المملكة.

خلال الأيام الماضية، وبينما وجد الإعلام والنشطاء وكثير من المهتمين، من خارج الرمثا، في عنوان «كروز الدخان» مدخلًا للاستغراب والتساؤل تجاه حجم وشدة احتجاج مواطني الرمثا، فإن الأهالي هناك أطلقوا على سبيل التهكم لقب «حكومة كروز الدخان» مستغربين من جهتهم حجمَ الانشغال الحكومي بهذه القضية، وذهبوا في تفسير ذلك مسارات شتى.

على عكس الصور والمشاهد التي نقلتها الكاميرات الشخصية والتلفزيونية مساء ثلاثة أيام متتالية ابتداء من الجمعة 20 آب، فإن زائر الرمثا في النهار يجد نفسه أمام هدوء وسكون غريب، سواءً كان ذلك في منطقة الاحتجاج (مدخل المدينة الجنوبي) أو في باقي أحيائها، وخاصة وسطها التجاري الذي يشهد ركودًا ملحوظًا.

لقد أوضح النقاش العام الذي جرى على مستوى البلد ككل خلال الأيام الماضية أن هناك خللًا في فهم الظاهرة التي صارت تعرف باسمها الشهير: «البحّارة». ونتيجة لربطها بقرارات منع التهريب، فقد ساوى كثيرون بين البحّارة والتهريب، ولهذا استغربوا أن يطالب مواطنون علنًا بالسماح بالتهريب. ومن المرجح أن شيوع هذا الانطباع بسهولة يعود إلى ما عرفت به الرمثا منذ عقود بنشاط التهريب، وهو أمر واقع، غير أن ظاهرة «البحارة» مختلفة إلى حد كبير عن التهريب.

ما هي البحارة ومتى نشأت؟

إلى عام 1995 كان معبر الرمثا-درعا هو المعبر الرئيس الوحيد للنقل الدولي والشحن إضافة إلى نقل الركاب إلى سوريا. وفي ذلك العام، اكتملت عملية نقل المعبر إلى بلدة جابر على الحدود الأردنية مقابل بلدة نصيب على الحدود السورية.

بالنسبة لأهل الرمثا، شكّل ذلك نهاية لعقود من «الاعتماد على الخط» أي «خط الشام» كما يسمى في الرمثا، للإشارة إلى الشارع الدولي الرئيسي الذي يخترق المدينة وصولًا إلى الحدود السورية، وقد انتشرت على جانبيه وفي الشوارع الفرعية المتصلة به أنشطة اقتصادية متنوعة في خدمة حركة النقل الواسعة، منها التجارية والخدمية وأنشطة الصرافة والتخليص والنقل والعتالة وغيرها. وبالطبع، كان يقابل ذلك في الجانب السوري نشاطات مماثلة في درعا.

كان قرار الدولتين، الأردن وسوريا، في البداية وقف العمل بنقطة الرمثا-درعا كليًا، ولكن بعد مفاوضات عديدة، توصل الطرفان إلى الإبقاء عليها كنقطة مرور فرعية مخصصة للنقل بالسيارت الصغيرة، بحيث اقتصر استخدامها على ركاب الرمثا وجزء من محافظة إربد ومن يرغب من المواطنين الآخرين. لكن حركة الشحن الدولي انتقلت كليًا إلى معبر جابر-نصيب إضافة إلى حركة نقل الركاب القادمين من مناطق المملكة الأخرى، حيث تَوفّر أمامهم طريق أسهل وأسرع يمر إلى الشرق من الزرقاء والمفرق.

«البحّار» في الأصل سائق سيارة نقل صغيرة، يحمل في سيارته بضائع تمر عبر نقطة الحدود بشكل رسمي يدفع الضرائب والرسوم اللازمة.

نتيجة ذلك الانتقال، خسر مئات من أبناء الرمثا فرص عملهم السابقة التي عرفوها لعقود في خدمة خط الشحن الدولي، فاتجه عدد كبير منهم إلى طرق باب التجارة البسيطة بين الرمثا ودرعا، وحصل كثيرون على رخصة خط نقل ركاب بين المدينتين. ولكن العدد أخذ يتزايد بسرعة بشكل يفوق حاجة النقل ذاتها، وأصبح معروفًا أن سيارات الخط تعمل أساسًا في التجارة، ولكنها منذ البداية كانت تجارة تمر عبر الحدود الرسمية، حيث واصلت الأجهزة المعنية من جمارك وأمن العمل فيها، ومثل ذلك على الطرف السوري الذي حصل فيه سائقون سوريون على رخص سيارات لنقل الركاب والبضائع.

هذه هي ببساطة قصة نشوء البحّارة. فـ«البحّار» في الأصل سائق سيارة نقل صغيرة، يحمل في سيارته بضائع تمر عبر نقطة الحدود بشكل رسمي يدفع الضرائب والرسوم اللازمة. ويصعب العثور على من أطلق التسمية، وربما تكون إنتاجًا شعبيًا جماعيًا غير معروف المصدر، كما يحصل عادة في مثل هذه الحالات.

وكغيرها من النشاطات الاقتصادية «الشعبية»، تشعبت ظاهرة البحّارة وتعقدت تفاصيلها مع مرور الوقت، وتحوّلت إلى قطاع واسع فيه من العناصر الرسمية إلى جانب غير الرسمية، وتحوّل إلى شبكة من العلاقات والمصالح تعدّت بكثير ما فكر به «المؤسسون».

تحول «البَحّارة» إلى أصناف ومستويات، فمنهم البحار مالك السيارة أو مالك أكثر من سيارة، ومنهم البحّار الراكب الذي يحمّل بضائعه في سيارات الآخرين، ومنهم البحّار بالصدفة أو المؤقت. إذ أن التبحير عملية سهلة، فحتى لو كنت مجرد عابر للطريق، يمكنك أن تجرب التبحير ولو لمرة واحدة، وفي بعض الأوقات، كان بمقدور الأسرة في الرمثا أن تتحرك صباحًا لتناول الفطور في درعا والغداء في مطعم على «بركة المزيريب» والعودة عصرًا، حيث سيكون بمقدور الفرد أن يحمل ما يشاء للاستهلاك أو البيع والعودة بخزان بنزين ممتلئ في السيارة، وذلك خيار مفضل نظرًا لارتفاع التكلفة محليًا، وذلك وفق ما يقوله محمد الزعبي، وهو تاجر افتتح محله في منزله في وسط المدينة.

حسب التسميات الشعبية، تميزت في هذا النشاط فئة من كبار البحارة إلى جانب بحارة أقل حجمًا في السوق وصولًا إلى البحار «السنفور» الذي يحمل بضائعه بنفسه، ثم اشتق العاملون فعل «السنفرة» للإشارة إلى نقل البضائع بالتجزئة، وخاصة عند التشديد الأمني حيث يعمل صاحب البضاعة الكثيرة إلى «سَنْفَرة» بضائعه لكي تمر بيسر.

يشكل الدخان البضاعة الأكثر ربحًا بين البضائع الدارجة، ومع مرور الزمن صار حجم الدخان المسموح به يعتمد على المرونة وعلى العلاقات وقرارات التشديد والمنع وقرارات التعامل بالمثل بين البلدين. وفي الآونة الأخيرة، أصبح من المتعارف عليه أنه يجوز للراكب أن يحمل معه سبعة كروزات من دخان. يقول الزعبي إن ابنه الذي لم يبلغ الآن الثامنة عشرة (بمعنى أنه كان في العاشرة عام 2011 مع انتهاء التبحير) استشاره بعد فتح الحدود مؤخرًا بتجريب حظه بالتبحير، فسمح له وأعطاه ثمن سبعة كروزات دخان، وذهب الفتى لأول مرة في هذه المهمة. ولكن جهاز الجمارك حجز الدخان، واضطر الفتى لدفع الرسوم وخسر بذلك رأسماله! بل إنه وجد اسمه على قائمة الممنوعين من السفر إلى سوريا لمدة ثلاثة أشهر وقد كتب أمام اسمه «الحدث» لأن عمره أقل من 18 عامًا.

سوق وطني 

بعد سنوات من بدء النشاط، أصبحت الرمثا سوقًا وطنيًا على مستوى الأردن كله للبضائع السورية، وفي الأثناء، حصل تخصص ملحوظ في العمل. فإلى ما قبل 2011، كان نشاط «التبحير» عبارة عن شبكة واسعة متنوعة التخصصات، يمكن تلخيصها كما يلي:

البحّارة، وهم حوالي 600 سائق من الرمثا، إلى جانب مئات من مناطق أخرى قريبة يعملون كناقلين للبضائع إلى السوق، ويحملون رخص لسيارات عمومية، إضافة إلى عدد غير محدد من أصحاب السيارات الخصوصية إلى جانب البحّارة الركاب.

التجار، وبلغ عددهم في الرمثا قبل 2011 حوالي 5500 تاجر يعمل عدد كبير منهم في البضائع السورية كليًا أو جزئيًا، وقد تسبب إغلاق الحدود بخروج حوالي 4500 منهم من السوق، وما تبقى منهم يفوق حاجة السوق المحلي.

البسطات، ومنها دائمة بسقوف سريعة سهلة الإزالة والتغيير، ومنها مؤقتة على شكل فرش خشبي أو عربة مكشوفة، وتنتشر البسطات على جانبي الشوارع الرئيسية في السوق الذي أطلق على جزء كبير منه سوق البحّارة وفي الأزقة والشوارع الفرعية الموصلة إليها. 

عاملون في السوق لخدمة التجار أو في محلات التجار أو لمساعدة أصحاب البسطات، وفق الحاجة ووفق حجم البسطة والوقت الذي تقام فيه. 

مالكو المباني الذين سارعوا لتحويلها إلى مخازن وإلى متاجر يؤجرونها أو يشتغلون بها للبيع المباشر، أو كمساحات تؤجر مؤقتًا للتجار الكبار من خارج الرمثا لحفظ البضائع التي جلبت لهم مقابل مبالغ مالية تسمى «أرضيات»، تدفع مقابل حفظ البضائع.

أصحاب سيارات «البيك أب» والعمال العاملون في التحميل والتنزيل والنقل داخل الرمثا وإلى خارجها. 

تجار كبار من خارج الرمثا وخارج المحافظة، يجدون في البحارة وسيلة أقل كلفة لنقل البضاعة من مصدرها في سوريا إلى حيث هم.

وهناك بالمقابل على الجانب السوري شبكة مماثلة وربما أكثر اتساعًا بحكم أن البلد هي مكان تصنيع للبضائع وليس فقط الاتجار بها.

كيف تصرف البحّارة منذ بداية الأزمة؟

عام 2011، أغلقت السلطات السورية الحدود من طرفها لفترة، ثم أعيدت لأشهر شهدت أكبر زمن تدفق للبضائع، نظرًا لأن السيطرة من الجانب السوري ضعفت رغم استمرارها بيد السلطة الرسمية، وبالمقابل سهّلت السلطات الأردنية عمليات النقل عبر معبر الرمثا-درعا، ثم انتهت هذه الفترة بعد سيطرة المجموعات المسلحة ومغادرة السلطات السورية الرسمية لنقطة الحدود، فتحولت الحركة إلى جابر وهو المعبر الذي ظل مفتوحًا حتى منتصف عام 2015 وأغلق بعد سيطرة مجموعات المسلحين عليه.

توقف نشاط البحارة نهائيًا، وتلاشى السوق في الرمثا، وأغلقت أكثر من أربعة آلاف محل أبوابها وخرجت من السوق، ودخلت المدينة في أزمة اقتصادية قاسية لأول مرة في تاريخها الحديث.

طرق البحارة «المؤسسون» من حاملي رخص السيارات العمومية، وعددهم كما أشير سابق حوالي 600 سائق، أبوابًا للعمل في مناطق أخرى، فسمح لبعضهم بتحويل خطه الى مسار داخلي أو الى خط النقل البري مع السعودية، وخلال السنوات ما بين 2012 وحتى 2018 خاضوا الكثير من النزاعات مع الحاكم الإداري ونفذوا العديد من الاعتصامات والاحتجاجات.

خلال تلك الفترة شهدت حالة المدينة الاقتصادية تراجعًا كبيرًا باعتراف رسمي إلى درجة أن مسؤولين من مختلف المستويات وصفوا الرمثا بالمدينة المنكوبة، وتفاقم الوضع مع زيادة في عدد سكان اللواء بسبب اللجوء السوري جعلت العدد يتضاعف من 130 ألفًا قبل 2010 إلى حوالي 257 ألفًا في نهاية عام 2018.

فتح معبر جابر: تنفس انفجاري

في تشرين الأول 2018، وبعد أسابيع من استعادة الدولة السورية سلطتها على الجنوب، أعيد فتح معبر جابر- نصيب رسميًا، ومباشرة ومنذ اليوم الأول انفجر الضغط الذي عانت منه الرمثا وغيرها من المدن وعبّر عن نفسه في أفواج المصطفين رغبة في الزيارة، وبالنسبة للبحارة بالذات، فقد باشروا العمل فورًا. غير أن ما لوحظ إلى جانب البحارة هو التحاق أعداد كبيرة من مجرّبي التبحير الجدد من سائقي السيارات «الخصوصي» أو الركاب العاديين، ومنهم عاطلون عن العمل وعاملون وموظفون يريدون تحقيق دخل إضافي وطلاب جامعات وغيرهم ممن تزاديت معاناتهم خلال السنوات الفائتة. هذا ما يؤكده ساري محمود، الذي يحمل درجة الماجستير ويعمل في نشاط البحارة منذ ما قبل 2011 واستأنف العمل مؤخرًا، وعندما التقيته يوم الاثنين الماضي كان قد عاد لتوه من سوريا بعد أن قيام بزيارة للاطلاع على المستجدات وعاد بكروز دخان واحد وفق التعليمات.

لكن الاندفاعة الأولى سرعان ما تعرّضت للتراجع، لقد جرى تحديد ساعات العمل حتى السادسة مساء، وتحديد أيام العمل بخمسة أيام، وبدأت الإجراءات الرسمية تتبدل وتتغير بالارتباط مع المواقف السياسية الوطنية والدولية.

رسميًا أُعلن أن الولايات المتحدة لا ترحب بإعادة العلاقات التجارية بين الأردن وسوريا، وعقد الملحق التجاري في السفارة الأمريكية اجتماعًا مع تجار أردنيين كبار في جمعية رجال الأعمال وجه فيه تحذيرًا للتجار من العمل مع الجانب السوري تحت طائلة تطبيق القانون الأمريكي المسمى قانون قيصر الذي يقضي بمعاقبة من يخرق الإرادة الأمريكية بملاحقة نشاطاته التجارية في العالم وتجميدها وملاحقة ودائعه في البنوك وتجميدها. وقد نوقشت القضية في مجلس النواب من دون رد حكومي. 

طال الرمثا وتجارها نصيب خاص من التدخل الأمريكي، فقد أفصح المحامي محمد البشابشة وهو رئيس بلدية سابق في الرمثا، في لقاء تلفزيوني أن وفدًا مشتركًا من ثلاث سفارات هي الأمريكية والفرنسية والبريطانية قدِم إلى الرمثا والتقى بكبار التجار وطلب منهم العدول عن التجارة مع سوريا، وأكّد آخرون أن الوفد عرض تسهيلات أمام التجار في حالة اختاروا دولًا أخرى بديلًا لسوريا، لكن التجار أبلغوا الوفد إنه لا يمكنهم العثور على أسواق موفرة في التكلفة. 

كان تجار الرمثا خلال سنوات الأزمة قد تحوّلوا إلى الصين وجلبوا البضائع منها خلال السنوات الأخيرة، ولكن التاجر راكان الضايع يؤكد أن صفقة التجارة الواحدة مع الصين تحتاج إلى السفر والمكوث هناك لأسبوعين (بكلفة لا تقل عن 2000 دينار) والانتظار لمدة 45 يومًا حتى وصول البضاعة إلى العقبة ثم نقلها إلى الرمثا، وهو ما يعني ارتفاعًا في التكاليف لا يقارن مع الحالة السورية حيث لا يحتاج التاجر إلّا إلى ثلاثة أيام وأحيانًا يومين ما بين الاتفاق مع المورد وحتى وصول البضائع، وتكاليف النقل داخل سوريا تقع على الجانب السوري، وتكون مهمة البحّار نقلها من درعا وتوصيلها إلى الرمثا، ويقول محمد الزعبي في بعض الأحيان كانت البضاعة تصل إلى الرمثا قبل وصولي في حالة رغبت في الاصطياف ليوم أو لتناول الغداء أو العشاء في الشام.

منذ التعديل الحكومي الأخير، عيّنت وزارة الداخلية متصرفًا خاصًا بحدود جابر، في وقت كانت فيه إجراءات التضييق على الحركة التجارية تتزايد، فقد أصبح على التاجر أو «البحار» أن ينتظر لمدة قد تصل إلى ثلاثة أيام في انتظار دوره في الجمرك في الجانب الأردني، وهو ما يعني إمكانية تلف البضائع القابلة للتلف، وتوقّف التجار عن جلبها، وفي تموز الماضي أعلنت وزارة الصناعة والتجارة قائمة بحوالي 200 سلعة يمنع استيرادها من سوريا.

ثم جاءت مشكلة اعتبرت كبيرة في الرمثا تمثلت بإعلان قائمة من حوالي 600 اسمًا من أبناء الرمثا ممنوعين من السفر إلى سوريا عبر نقطة جابر، ما دفع البحارة إلى تنفيذ اعتصام احتجاجي قبل قرار «كروز الدخان» بأربعة أيام. 

لكن قرار «كروز الدخان» كان كفيلًا بإحداث الصدمة الكبرى. يؤكد البحارة أن تكلفة نقل البضاعة من الجانب السوري ارتفعت بسبب شيوع ظاهرة الرشوة الإجبارية التي أصبحت علنية في الجانب السوري، وتطبّق على كل من يحمل بضائع، وعلى ذلك فإن الدخان يعدّ وسيلة لتعويض الخسائر، أو تحسين نسبة الربح، فالدخان هو السلعة الأكثر تحقيقًا للربح.

ليست هذه المرة الأولى التي يجري فيها تفعيل التعليمات التي تنص على عدم جواز حمل أكثر من كروز دخان للراكب الواحد، لكنها المرّة الأولى التي تجتمع فيها الظروف الصعبة معًا: فالانقطاع عن العمل استمر لسنوات بسبب إغلاق المعبر، ثم تزايد التضييق على حركة النقل وجلب البضائع، وتمرير البحارة بدرجات من التوتر والإهانات في الحدود، وتعرّض كثيرين للحجز بقرار من متصرف الحدود، كل ذلك جعل من تفعيل قرار «كروز الدخان الواحد» هذه المرة قاسيًا.

لماذا تضامن باقي أهالي الرمثا؟

حظي الاحتجاج بتعاطف واسع من قبل السكان، وفي أحاديث نواب المنطقة للتلفزيونات، بادروا جميعهم إلى التضامن العلني، مثلما فعل مسؤولون آخرون مثل رئيس البلدية ورئيس غرفة التجارة، وعقدت في المدينة عدة اجتماعات عامّة أبدت جميعها تعاطفها مع موقف البحارة باعتباره شأنًا جماعيًا.

أشرتُ فيما سبق إلى حجم شبكة العلاقات الواسعة لنشاط التبحير لدرجة شموله غالبية سكان الرمثا إذا نظرنا للأمر من زاوية المستهلكين الذي كانوا يتمكنون من الحصول على سلعة رخيصة. يشير محمد الزعبي إلى حقائب يعلقها على مدخل متجره ويقول مثل هذه الحقيبة كنا نبيعها أيام التبحير بدينارين ونصف بينما نعرضها الآن بستة دنانير، ثم يستطرد ويتحدّث عن سلع أخرى كالجبنة مثلًا التي أكد إن البحارة جلبوها بعد فتح الحدود الأخير بسعر دينار ونصف للكيلو بينما هي في السوق المحلي بأربعة دنانير ونصف، واللحم الطازج السوري الذي يباع بخمسة دنانير ويعادل في جودته اللحم البلدي.

هذا لا يعني أن نشاط التبحير يقتصر على ذوي النشاط التجاري الصغير، فهناك من طوّر أعماله وأصبح تاجرًا كبيرًا، وتتردد حكايات عن أشخاص كوّنوا ثروات كبيرة من خلال عملهم بتجارة غير مشروعة، فيما يؤكد البحارة إن مثل هذه الأنشطة ليس لها علاقة بنشاط التبحير الاعتيادي الذي يتوزّع مردوده على قطاعات واسعة من السكان كما أشير فيما سبق.

يتداول السكان في الرمثا على المستوى الشعبي تفسيرات متعددة للموقف الرسمي الذي يرونه غير مُستوعب، أبرز هذه التفسيرات يميل إلى البعد السياسي، سواء لجهة الموقف الأمريكي من حصار سوريا، أو لجهة الضغط على الأردن تمهيدًا لمطالب سياسية تتعلق بصفقة القرن، أو لجهة مصلحة أصحاب نفوذ، وأحيانًا يطرح بعضهم فكرة إنّ هناك تمييزًا خاصًا ضدهم.

إلى الآن لا يستطيع المواطنون توقع مسارات محددة للأزمة، فقد اعتقل 16 مواطنًا وبعضهم بشكل عشوائي، ورغم توقف المواجهات بعد اليوم الثالث إلّا أن قوات الدرك لاتزال موجودة بكثافة.

كما هي العادة في أزمات مماثلة، فإن المدخل الأمني يطرح للنقاش أو للاعتراض إلى جانب المدخل التنموي. فقصة البحّارة التي طرحت باعتبارها شكلًا من أشكال التهريب، هي في الواقع تندرج في سياق اقتصاديات المناطق الحدودية، ولها سيرة طويلة، ونشأت كخيار وحيد وكنتيجة لأزمة، كما إنها بالإجمال ظاهرة دولية. وتوضح التجارب أن المعالجات الأمنية غير كافية وخاصة في ظل انعدام البدائل التي تقدم للسكان. إن التجربة المحلية في التعامل مع القضايا التنموية لمدن في الأطراف، معان مثلًا، توضح أن المدخل الأمني جرّ المنطقة وسكانها إلى مسارات أخرى مُكلِفة للدولة ماليًا واقتصاديًا وليس فقط أمنيًا.