طلاب أردنيون في «إسرائيل»: الأكاديميا بابًا للتطبيع

الثلاثاء 21 حزيران 2016
bds israel تطبيع الأردن
السفارة الإسرائيلية في عمّان خلال الاحتفال بـ«عيد استقلال إسرائيل» في ذكرى النكبة.

لم تكفّ علاقة الأردن مع «إسرائيل» عن إثارة الجدل منذ توقيع معاهدة وادي عربة منذ 22 عامًا. في الأسابيع الماضية، تأجج هذا الجدل بأخبار امتدت من فتح الباب لمستثمرين إسرائيليين من خلال قانون صندوق الاستثمار الجديد، واحتفال السفارة الإسرائيلية بمرور 68 عامًا على النكبة، إلى إرسال مركز الدراسات الإسرائيلية في عمّان لبعثة من ستّة طلاب أردنيين مُختصيّن بالشأن الإسرائيلي واللغة العبرية إلى «إسرائيل»، ضمن زيارة ثقافية أعلن عنها المركز نفسه وصفحة تابعة لوزارة الخارجية الإسرائيلية.

قد لا يُعتبر المجال الأكاديمي الأكثر تأثيرًا في تطبيع العلاقات مع «إسرائيل»، إلّا أنّ أصوات أكاديمية وشعبية عديدة ترى أن استهدافه للطلّاب والشباب له مآلات كثيرة على المستوى الفكري، ويخدم مصالح سياسية.

لا مفر من السياسة

اعترف الأردن عند توقيع معاهدة وادي عربة عام 1994 «بمرغوبية التبادل الثقافي والعلمي في كافة الحقول [مع إسرائيل]، و(..) إقامة علاقات ثقافية طبيعية بينهما»، كما جاء في المادة العاشرة من المعاهدة.

ومنذ ذلك الحين بدأت البرامج والمراكز الأكاديمية والثقافية المُشتركة بالظهور، أولًا في إطار علمي بحت تنضّم إليه «إسرائيل» كمشارك، وقد يهدف إلى توطيد العلاقات بين المشاركين عن طريق التحاور، إلّا أنّ توجهه الرئيسي علمي، كما في مركز سيسامي وجمعيّة أصدقاء الأرض، ومعهد عربة للدراسات البيئية.

أمّا النوع الثاني فيركّز على التبادل الثقافي و«صناعة السّلام» بحيث يتمحور محتواه وأنشطته على مبادئ «السلام والتآخي والحوار بين العرب والإسرائيليين تحت مظلّة الإنسانيّة»، كما في مركز عمّان للتنمية والسلام أو برنامج بذور السلام الذي يسعى إلى «إلهام وتشجيع أجيال جديدة  في مجتمعات منقسمة بسبب النزاعات».

بين النوعين من البرامج المشتركة، يقع مركز الدراسات الإسرائيليّة الذي يقدم محتوى سياسيًّا-ثقافيًّا ضمن إطار أكاديمي، ويسعى على حد قول مديره عبد الله صوالحة إلى تعميق المعرفة حول «إسرائيل» عبر نظرة علميّة تساهم في خلق توصيات سياسية، من خلال ترجمة وتصنيف وتحليل البيانات الصادرة عن  وسائل الإعلام الاسرائيلية.

تدّعي معظم البرامج العلميّة البحتة وبرامج بناء السلام أنّها تتحدّى الاختلافات والصور النمطيّة عن طريق تقديم تجربة إنسانية وفردية بعيدة عن السياسة و العنصرية، إلّا أنّ علي نصر الله، عضو في مجموعة «الأردن تقاطع» – حركة مقاطعة الكيان الصهيوني وسحب الاستثمارات منه وفرض العقوبات عليه، الذي يعمل حاليًا على تصميم برنامج للمقاطعة الأكاديميّة في الأردن، يعتبر أنّ «الأكاديميا الإسرائيلية هي جزء لا يتجزأ من الاحتلال ومن المنظومة التي طالما أبدت أطماعًا استعمارية تجاه الأراضي الأردنية واحتلت بعضها وسرقت مواردها…[ولذلك] يصعب التفرقة بينها وبين الكيان الصهيوني»، مُشيرًا إلى تواطؤ المؤسسات الأكاديميّة مع الحكومة وأجهزة الأمن الإسرائيليّة.

يظهر هذا التواطؤ في استخدام الأبحاث العلميّة والاختراعات التكنولوجيّة لتطوير مُعدّات قتالية تخدم الجيش. على سبيل المثال، تُظهر دراسة صادرة عن كليّة الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن في 2009 أنّ جامعة تل أبيب تعاونت مع الجيش الإسرائيلي في أكثر من 55 مشروعًا تكنولوجيًا.

كما يظهر ذلك في مساندة الطلبة المُنخرطين في الجيش عبر توفير منح دراسية لهم ومؤازرتهم معنويًّا كما فعلت جامعة تل أبيب عام 2014 إبّان الحرب على غزة، وفي لجوء الجامعات إلى آليات مُمنهجة معنيّة بقمع النشاط السياسي للطلّاب الفلسطينيين في الجامعات الإسرائيلية.

يعي صوالحة، الذي يتعاون مركزه مع مركز موشيه دايان التابع لجامعة تل أبيب بدعم من الوزارة الخارجية الإسرائيلية ومعهد «إسرائيل»، أنّ مراكز الدراسات في «إسرائيل» لها توجهات سياسية تخدم الدولة، لكنّه في الوقت ذاته لا يعتبر أنّ التعاون مع هذه الجامعات أو المراكز يعني تأييدًا لأجنداتهم. صوالحة رفص الإفصاح عن الجهات التي تموّل المركز، واكتفى بالقول أنها جهات خاصة.

في هذا الصدد، تعتقد سامية البطمة، عضو اللجنة التوجيهية للحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديميّة والثقافية لإسرائيل أنّ فصل الإنسانية عن العلوم والتقدم الاقتصادي والصناعي ينتج عنه عواقب وخيمة كالتي شاهدناها في عصر النازية والفاشية. أمّا الاستثناء للمقاطعة الأكاديميّة، فيوجد في حال كان الإسرائيلي المُشارك في النشاط مُعترفًا ومؤمنًا بجميع حقوق الفلسطينيين في الداخل والخارج، وأن تكون مقاومة الاحتلال هي موضوع النشاط، وفق قولها.

يبرر صوالحة نشاط مركزه باستناده إلى معاهدة وادي عربة للسلام، موضحًا أنّه يعمل داخل أسس الدولة وأنّ الذي يريد أن يعترض يجب أن يعارض الدولة لا المراكز الأكاديميّة. «أنا منتمٍ إلى هذا البلد وهذا النظام، وبالتالي من الصعب أن أعمل بآليات خارج هذا الإجماع».

يوافق نصر الله أنّ معاهدة السلام قد خلقت واجهة رسميّة للتطبيع إلّا أنها ليست مُلزمة ولا تجبر المواطنين على التطبيع، ما يجعل للشعب حقًا في معارضتها ومقاومتها.  

التعاون الأكاديمي كباب «لمعرفة الطرف الآخر»

ما يُعرّف كتطبيع، هو «تحديد قواعد اشتباك جديدة مع إسرائيل» بالنسبة لصوالحة. «نحن نشتبك مع هذه المراكز [الإسرائيليّة] لنفهم وجهة نظرهم اتجاهنا . كيف يُفكرّون. كيف ينظرون إلينا. وماذا يريدون. لماذا لا يوجد دولة فلسطينيّة، لماذا لا توجد حقوق للفلسطينيين»، يقول صوالحة.

وبينما يتّفق أيمن الحنيطي، رئيس قسم اللغة العبرية ومُحرّر الشؤون الخارجيّة في وكالة الأنباء الأردنيّة بترا، مع صوالحة بأنّ معرفة «إسرائيل» سلاحٌ مهم، إلّا أنّه يحصر هذه المعرفة بالمتابعة «عن بُعد» وتعلّم اللّغة العبريّة مُبديًا حذره من التعاون المُباشر.

من جهته يعتبر صوالحة أنّه لا يمكن الحصول على هذه المعرفة من دون اختلاط، لأنّ المصادر المفتوحة التي لا تتطلّب تعاملًا مباشرًا غير كافية وعديمة الفائدة بحسب قوله، معتبرًا أنّ «المعرفة ليس لها علاقة بالتطبيع والخيانة».

ويعتقد صوالحة أنّ اتّهام «إسرائيل» بالإمبريالية وعدم الديموقراطية وما إلى ذلك مُجرّد «كليشيهات» لن تُقنع المُجتمع الغربي. ومن هذا المنطلق، يسعى صوالحة لتعزيز الحوار مع «إسرائيل» في سبيل «الضّغظ عليها سواء بالمحافل الدولية أو عن طريق الدبلوماسية أو أي وسيلة أخرى لأن تُحقق أكبر قدر ممكن من الحقوق الفلسطينيّة». أما البُطمة، فترفض هذا المنطلق بالكامل، معتبرةً أن الصراعات تنتهي عن طريق المُقاومة وليس بإقناع الظالم أنّه على خطأ.

في فيديو منشور على صفحة بذور السلام، تقول المشاركة في البرنامج رايا يوسف «الوجه الوحيد لإسرائيل الذي كنت أعرفه هو الجنود، الأسلحة، الدبابات، التفجيرات والقنص. كنت بحاجة لأن أرى أنهم ليسوا مُجرّد أسلحة فحسب، فهم بشر مثلنا». هذا المنطلق يتكرر في كثير من البرامج المشابهة.

تعتبر البُطمة أنّ هذا الفهم للسلام سطحيّ وغير واقعي. أمّا عمر*، المستفيد الفلسطيني من منحة  دراسات عليا مُنسقة بين جامعة تل أبيب والجمعية العلمية الملكيّة بالأردن وجامعة القدس، فإن هذا النوع من السلام يؤدي إلى «تمييع القضية الفلسطينية» وكأنّ الصراع ليس إلّا سوء تفاهم بين طرفين مُتنازعين.  

إضافة إلى تحصيل شهادة الماجستير، أراد عمر أن يتعلّم «بدون تقديم التنازلات والمساومات» ودون أن يتعامل «مع العدو وجه لوجه»، ولكنّه استنتج بعد التجربة أنّ المشاركة في البرنامج «تحمل اعترافًا بشرعية المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية وتجعل من [المُستفيدين] أدوات دعائية بيد الإعلام الدولي والإسرائيلي»، ممّا جعله يشعر أنه، رغم كونه خارج فلسطين، ما يزال تحت الاحتلال، بحسب قوله.

يدعو نصر الله لمقاطعة البرامج التي تشجع تطبيع علاقات الفلسطينيين والعرب بالإسرائيليين والتي تساوي بين المُستعمِر والمُستعمَر وتدّعي أن السلام يتحقق عبر التفاهم والحوار، بمعزل عن تحقيق العدالة عبر الاعتراف بالحق التاريخي للشعب الفلسطيني بكامل التراب الفلسطيني، وحق تقرير المصير وحق العودة والتعويض العادل لكل اللاجئين، وحتى تفكيك جدار الفصل العنصري وإنهاء الاحتلال على كافة الأراضي العربية المحتلة. ويعتبر أن أي برنامج غير ملتزم بتطبيق هذه الشروط يُروّج «لسلام أحادي الجانب منحاز إلى الجهة الإسرائيلية الأقوى والفارضة واقعها على الأرض».

تطلق البطمة على هذا النوع من الاحتلال «الاستعمار العقلي» وهو مُكمّل للاستعمار المكاني والشخصي. وتتفق أنّ هذه البرامج تخدم مصلحة «إسرائيل» في غسل جرائمها أمام المُجتمع الدولي بحيث تظهر وكأنّها جهة داعية للسلام والحوار مع عرب مُعترفين بشرعيّة مؤسساتها.

من جهته يعترف صوالحة بأنّ لـ«إسرائيل» مصالح سياسيّة في التعاون مع العرب أكاديميًّا أوّلها إثباتٌ للعالم أنّها جزء من المنطقة، ولكنّه لا يرى أنّ الشراكات العلميّة تحقق هذه المساعي. «نحن الطّرف الأضعف والطّرف الأضعف يجب أن يمارس طريقة دبلوماسية وسياسية وكل الأدوات التي يمكن أن يستميل إليها لكي يُحقّق حلمه الوطني»، يقول صوالحة.

إلّا أنّ ما يعتبره صوالحة ضرورة تراه البُطمة أمرًا يسهل الاستغناء عنه. «أكيد منقدر نستغني عن إسرائيل [أكاديميًّا]. العالم مفتوح لنا بشكل كبير… إسرائيل من أكثر الدول ظلمًا و قهرًا وعنصرية وفاشية وبالتالي ليس مشرفًا أن نتعامل معها، بل المشرف أن نبتعد عن التعاون معها».

أمّا عمر، فيعتب على المؤسسات العربيّة التي تتعاون مع «إسرائيل» وتستقطب الطلّاب الذين ليس لديهم بديل: «تأتي إسرائيل من خلال مؤسساتنا التعليمية وبدعم من المجتمع الدولي لتقدم لنا الفرص على طبق من ذهب مفصّل على قياس أحلامنا، لكنها مشروطة، كأي إشي آخر في حياة المواطن العربي كمواطن في دول عالم ثالث يعيش على التمويل والمنح الأجنبية».

* اسم مستعار.

  • د.ماهر الزبيدي

    اذا كانت الحكومات العربية مطبعة مع الصهاينه فهذا لايعني ان الشعوب العربية قد باعت كرامتها. اما الحكومات فربمالاسباب اقتصادية وسياسيه طبعت. ولكن لماذا يطبع الشعب؟ انا لا اعفي أي حكومة عربية تطأطئ راسها ولكن زمن القوي والضعيف