ديمة طهبوب وشرعنة أدوات القمع

ديمة طهبوب تحت قبة مجلس النواب.

رأي

ديمة طهبوب وشرعنة أدوات القمع

الأحد 01 تشرين الأول 2017

بـ«تطييب الخواطر» و«كظم الغيظ»، انتهت القضية التي أثارتها النائب في كتلة الإصلاح النيابية والمتحدثة باسمها، ديمة طهبوب، حين اشتكت على ستة شبان وشابات إثر نشرهم صورة ساخرة لها، ليتم توقيف الناشط راكان الحياصات خمسة أيام، قبل أن «تعفو» طهبوب عنه أمام جاهة من آل الحياصات.

الصورة المركبة التي أظهرت طهبوب على صهوة حصان، حاملةً سيفًا، جاءت لتنتقد رسالة وجهتها طهبوب في حزيران الماضي لوزير الداخلية ومدير الأمن العام دعتهما فيها للدفاع عن «حرمة رمضان» أمام «ممارسات دخيلة على حياة مجتمعنا الأردني تستهدف قوة نسيجه الاجتماعي»، وإلى «تعزير» المجاهرين بالإفطار فيه «تعزيرًا يقرب من الحق لا يؤدي إلى التمادي في الباطل».

هذا التعليق الساخر تحول إلى دليل استندت إليه شكوى طهبوب بموجب المادة 11 من قانون الجرائم الإلكترونية، باعتباره يدخل في باب الذم والقدح والتحقير، لتتطور القضية منذ ذلك الحين وتصل إلى التوقيف ثم الجاهة في الأيام الأخيرة. ورغم أن النائب واجهت العديد من الانتقادات بسبب متابعتها للقضية، من باب وجوب تقبلها للنقد بصفتها شخصية اعتبارية عامة، وترفعها عن ملاحقة منتقديها أو الساخرين منها بصفة شخصية، إلا أن ما تثيره هذه الحادثة من إشكاليات يتعدى فكرة قبول النقد من عدمه، وسعة الصدر المتوقعة من نائب في البرلمان.

بجرّها لهذه الاختلافات السياسية التي تم التعبير عنها بصورة ساخرة إلى ساحة المحاكم، في مسألة تتعلق بحرية التعبير التي لا يوجد اتفاق مجتمعي على تعريفها، نقلت طهبوب هذا النقاش من الشارع أو المجال العام إلى ساحة تضع السلطة وحدها فيها التعريفات القانونية للحريات. وبدلًا من توسيع المساحة العامة التي يمكن فيها خوض نقاش حول ما تشمله أو تستثنيه حرية التعبير، سعيًا للخروج بتوافق عام بين القوى السياسية والاجتماعية على ذلك، فإن ترحيل هذا النقاش للمحاكم يضيّق هذه المساحة أكثر، ويمنح السلطة السياسية صلاحية وضع أسس النقاش وتعريف حرية التعبير بشكل يمكن توظيفه بسهولة لملاحقة معارضي السلطة نفسها.

في ظل حياة سياسية خاضعة للرقابة والضبط المستمر، فإن استخدام أدوات قانونية مثل تهم الذم والقدح والتحقير -وغيرها من التهم التي قد تلاحق الآراء والتي تعد تعريفاتها الفضفاضة إشكالية أصلًا- يشرعن استخدام السلطة لها بشكل قمعي في سياقات أخرى، سبق أن كان الإسلاميون المتهمين فيها، كما حدث في قضية زكي بني ارشيد، الأمين العام السابق لحزب جبهة العمل الإسلامي، الذي أدين بتهمة «تعكير صفو العلاقات مع دول أجنبية» على خلفية منشور على الفيسبوك وسجن لمدّة عامٍ ونصف.

اللجوء للسخرية التي تتمظهر في مقالات ساخرة أو رسوم كاريكاتيرية متوقع وشائع كردة فعل على القهر والتضييق السياسيين في الدول السلطوية وشبه السلطوية

المادة التي استندت إليها شكوى طهبوب كان الإسلاميون أنفسهم قد انتقدوها، كما أشار المحامي عمر العطعوط على صفحته على الفيسبوك. ففي آذار الماضي، اعتبر رئيس لجنة الحريات في حزب جبهة العمل الإسلامي، المحامي عبد القادر الخطيب، المادة ١١ من قانون الجرائم الإلكترونية مخالفة للدستور الأردني، ويمكن استخدامها «لتكميم الأفواه والحريات العامة». كما اعتبرها نقيب المحامين السابق، والنائب الحالي عن كتلة الإصلاح النيابية، صالح العرموطي، «حجرًا على العقل والفكر»، وطالب بإلغائها.

من ناحية أخرى، فإن اللجوء للسخرية التي تتمظهر في مقالات ساخرة أو رسوم كاريكاتيرية متوقع وشائع كردة فعل على القهر والتضييق السياسيين في الدول السلطوية وشبه السلطوية، واللجوء إلى القضاء وإخافة الناس من استخدام هذه الأدوات يزيد من التضييق على مساحات غير محمية أصلًا، تشكلت كبديل آمن إلى حد ما عن التعبير السياسي المباشر.

انتقاد لمن؟

نحّت النائب طهبوب نفسها عن جميع هذه الإشكاليات بالقول إنها تقدمت بالشكوى بصفتها «مواطنة أردنية وليست نائب برلمان»، وإن منتقديها أساؤوا لها شخصيًا، وأن فعلهم يخرج عن إطار حرية التعبير والانتقاد السياسي لأدائها النيابي، ويدخل في باب التحقير. كما ربطت طهبوب بين الصورة التي قدمت شكواها على أساسها، وبين اتهامات سابقة وجهها لها الحياصات بعدم التعاطف مع ضحايا الإرهاب في سوريا ومصر بعد تفجيرات كنيسة طنطا، نفتها في حينه.

إلا أن ذلك يغفل أن فحوى الانتقادات، سواء جاءت في صورة أو نص، وسواء كانت ساخرة أم جدية، هو موقف يعترض على خطاب طهبوب السياسي وآرائها المعلنة. فالقضية في جوهرها سياسية لأنها تدور حول مواقف طهبوب من مسائل سياسية واجتماعية عامة، من تفجير الكنائس إلى الإفطار في رمضان إلى السهر على المطلات إلى الحفلات الموسيقية. كما أن العودة إلى اتهامات سابقة لتبرير تقديم الشكوى يؤشر إلى أنها كانت أقرب لعقوبة للتعرض لطهبوب بشكل عام، أكثر من كونها اعتراضًا قانونيًا على محتوى الصورة التي نشرها بحد ذاتها.

بذلك، تسنّ طهبوب سنة جديدة في الحياة السياسية الأردنية يمكن في إطارها لنائب في البرلمان أن يقاضي مواطنًا على خلفية صورة ساخرة تناولته، رغم أن المجلس السابق شهد الكثير من الحالات المشابهة التي تعرض لها نواب آخرون، مثل يحيى السعود وهند الفايز، كانت أكثر حدة في بعض الأحيان، دون أن يلجأ أحدهم للقضاء على إثرها.

لكن في جميع الأحوال، لم تلتزم طهبوب بخطابها المتمسك بحقها في اللجوء إلى القضاء، وبكون المسألة تتعلق بشخصها لا بصفتها نائبًا في البرلمان. فقد تحولت الصورة من إساءة شخصية لها إلى هجوم على «تيار وفكر»، أي على خط سياسي تمثله طهبوب، كما كان واضحًا في كلمة النائب تامر بينو الذي صُدّر من قبل آل طهبوب للرد على جاهة الحياصات. بل أكثر من ذلك، إذ تم تصوير القضية على أنه هجوم على الإسلام نفسه وجزء من حملة تشنّ عليه، و«تعدٍّ على مبادئ الدين»، و«تلويث للوحدة»، كما أشار النائبان عن كتلة الإصلاح، بينو ومصطفى العساف. وحضرت، كما جرت العادة، مفاهيم الحرص على الوحدة الوطنية وتجنب إثارة النعرات والحفاظ على «فسيفساء الأردن، بشماله ووسطه وجنوبه وضفتيه»، كما قال النائب معتز أبو رمان الذي تحدث باسم آل الحياصات، لتستخدم هذه التعابير الوحدوية كبساط تُخفى تحته إشكالات لا تتعلق بها أصلًا.

إذا كان الأمر بالفعل هجومًا على تيار سياسي، فلماذا لجأ هذا التيار إلى المحاكم بصفة شخصية؟ وهل هذه الأداة التي يعتمدها هذا التيار الإسلامي في حل خصوماته السياسية؟ وهل يمكن اعتبار الحادثة معبّرة عن طريقة تعامل الحركة الإسلامية مع مسائل من هذا النوع؟

تمت معاملة الحياصات على أنه «جانٍ» مدان، وتم «العفو والصفح» عنه، لا بكونه موقوفًا فحسب في قضية لم يُبت فيها، باستخدام لغة أبوية وصائية تتناقض أساسًا مع خطاب المواطنة وسيادة القانون الذي ساقته طهبوب

الأهم من ذلك، هو أن طهبوب التي دافعت عن شكواها بالقول إنها احتكمت للقانون و«ترفعت» عن مقابلة الإساءة بالإساءة، عادت وتخلت عن تمسكها بهذه الأداة القانونية في حل الخصومات حين سنحت فرصة للحل مجتمعيًا، وأصبح من الممكن أن يغلق الملف بجاهة دون أن يفصل القضاء في الأمر. ثم تمت معاملة الحياصات على أنه «جانٍ» مدان، وتم «العفو والصفح» عنه، لا بكونه موقوفًا فحسب في قضية لم يُبت فيها، باستخدام لغة أبوية وصائية تتناقض أساسًا مع خطاب المواطنة وسيادة القانون الذي ساقته طهبوب، كما كان واضحًا حين قالت في بيانها الأخير عقب استقبال الجاهة إن «شعوري تجاه الأخ الذي تم إيقافه لم يختلف لحظة حتى عن شعور أمه تجاهه، لا يسرني أن يغيب إنسان عن بيته وأهله وأمه، وهذا الأمر له اعتبار كبير في نظرتي للأمور»، أو حين قالت لإحدى الذين اشتكت عليهم «إنت زي بناتي وأنا ما بقبل بناتي يتبهدلوا بالمحاكم».

النطق باسم «الثقافة الواحدة»

تعكس هذه الحادثة والكثير من الملفات التي تناولتها وأبرزتها النائب طهبوب في الأشهر الأخيرة اتجاه الحركة الإسلامية نحو صب طاقتها في «المعارك» الثقافية، مقابل ملفات سياسية ومعيشية أخرى كانت الحركة الإسلامية في السابق تعنى بها بشكل أوضح ضمن برنامج سياسي شامل. والأهم من ذلك هو أن تناول هذه المسائل الثقافية بات مفصولًا عن جوانب سياسية واقتصادية أخرى، ومحملًا بخطاب إقصائي يخلق «آخر» يتم تصويره وكأنه خارج عن «جماعة أصلية متماثلة» ذات ثقافة واحدة تتحدث طهبوب باسمها.

التركيز المفرط على هذه القضايا يفرغ العمل السياسي من محتواه، ويسحبه إلى معارك زائفة تأخذ شكل صراع علماني-إسلامي، يحاول طرفاه احتكار الأخلاق وتعريف المجتمع بشكل أحادي جوهراني، وكلاهما يريدان بناء صورة «أصيلة» للمجتمع على مقاييسهما، أحدهما يرى الأردن من زاوية «تنانير الستينيات»، والآخر يراه «تقيًا» و«محتشمًا»، وكلاهما يريانه من زاوية عمان فقط، ويُغفلان أن المجتمع، بحكم واقعه المعاش، يتكون من طبقات متعددة وفئات اجتماعية تتمايز على مستويات مختلفة، فرضت عليها مواقعها الاجتماعية وواقعها الاقتصادي وطبيعة أعمالها عاداتٍ وتقاليد مختلفة.

أخيرًا، حين يتعلق الأمر بحرية التعبير، فإن طرفي هذا الصراع المتخيل يتعاملان مع هذه الحرية بشكل انتقائي بوصفها تكتيكًا يستخدم فقط حين يمكن الاستفادة منه لصالح هذا الطرف أو ذاك، لا بوصفه مبدأً تم التوافق عليه بمعزل عن هوية الطرف المستفيد أو المتضرر منه. ولعل ذلك أخطر ما تعكسه هذه القضية، فدون الاتفاق على أرضية مشتركة يمكن أن تحكم النقاشات العامة، سيظل هذا النوع من المبادئ خاضعًا للمناكفات السياسية والاصطفافات الأيديولوجية، بشكل يطيل أمد تحكم السلطة وتوظيفها لصالحها.