داعش على الإنترنت: ولاية تويتر

الإثنين 07 كانون الأول 2015

بقلم مؤيد صبح

لم يتوقع رجل الأعمال الأمريكي جاك دورسي عند تأسيسه موقع التواصل الاجتماعي تويتر عام 2006 أن يغزو موقعه آلاف المتابعين الذين سيسخرون كامل وقتهم للترويج لتنظيم انتهج سياسة إعلامية تعتمد على جلب المعجبين وإدخال الرعب على قلوب المخالفين، عبر الدماء التي تلازم دعاية تنظيم داعش بشكل شبه دائم.

لا يجد التنظيم، وعبر العديد من الإصدارات التي وجهها إلى مناصريه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حرجًا في التصريح بأن جيشه الإعلامي يخوض نصف المعركة التي يضحي جنوده بدمائهم في نصفها الآخر في ساحات القتال في عدة دول. العجيب أن مقاتلي التنظيم لا يعتبرون أنفسهم أعلى شأنًا من الأنصار خلف «الكيبورد» على غرار جلّ التنظيمات، والأحزاب والقوى الأخرى.

وكيف لا يكون لإعلام تنظيم داعش كل هذا الشأن، وهو الذي يملك الفضل في استقطاب آلاف الشباب من شتى أقطار المعمورة، وجمْعهم تحت ظل «الخليفة»، أبو بكر البغدادي، الذي يمكن القول أن الألقاب التي أغدقت عليه «كالكرّار، وهادم الأسوار» إنما كانت من  منحه هالة من القوة والمنعة، ورغبة في التأثير في المتلقين، وخصوصًا الأصغر عمرًا.

في هذا التقرير أحاول استعراض تجربة تنظيم «داعش» وأنصاره في مواقع التواصل الاجتماعي تويتر، والأسباب التي أدت إلى سطوع نجمهم، وتفوقهم، مرورًا ببعض المقارنات. ويعتمد جزء كبير من هذه المادة على متابعات يومية حثيثة لحسابات أنصار تنظيم داعش، منذ بداية العام 2013، إلى يومنا هذا.

إنتاج ضخم

أصدر تنظيم الدولة قبل عدة أيام، إحصائية أوضح من خلالها أن العام الهجري الماضي 1436 من (25 تشرين أول/ أكتوبر 2014 إلى 15 تشرين أول/ أكتوبر 2015)، شهد إنتاج 732 إصدارًا مرئيًا، و1787 تقريرًا مصورًا يحتوي على 14523 صورة، بالإضافة إلى ستة كلمات صوتية (البغدادي، والعدناني)، و58 أنشودة بثمان لغات، و28 عددًا لمجلات تابعة للتنظيم.

مجموع ما أنتجه التنظيم خلال عام واحد، عبر أذرعه المتوزعة جغرافيًّا، وصل إلى 2611 مادة إعلامية، أي بمعدل 7 مواد يوميا، وهو ما يستدعي جيشًا إعلاميًا منظمًا، ومدربًا بشكل متقن على كيفية نشر وإنتاج هذه المواد على أوسع نطاق.

اقتحام تويتر

واكب حقبة سطوع نجم الجماعات الجهادية، بداية ثمانينيات القرن الماضي، عمل إعلامي جهادي استطاع التأثير بشكل محدود على أشخاص يملكون القابلية للانخراط في صفوف تلك الجماعات. واستمر العمل الإعلامي الجهادي على نهج ثابت، يتطور بشكل محدود مع تطور العالم الخارجي، وبرز بشكل كبير في حقبة «الجهاد الشيشاني»، والقائد «خطاب»، الذي كان نجم تلك الفترة.

مجموع ما أنتجه التنظيم خلال عام واحد، عبر أذرعه المتوزعة جغرافيًّا، وصل إلى 2611 مادة إعلامية، أي بمعدل 7 مواد يوميا، وهو ما يستدعي جيشًا إعلاميًا منظمًا، ومدربًا بشكل متقن

تأسس تنظيم الدولة في العام 2006 بإمكانيات ضعيفة في العدة، والعتاد، وكان الجانب الإعلامي لديه كغيره من التنظيمات الجهادية، يعتمد على مخاطبة عواطف المسلمين، بكلمات وأناشيد صوتية، وإصدارات مرئية منتجة بجودة رديئة، ولا تستهوي «المارّين». واستمر عمل التنظيم على ذات النهج، لغاية العام 2013، وهي الفترة التي شهدت تحقيق النشطاء السعوديين النسبة الأكبر في المشاركة بموقع التواصل الاجتماعي تويتر.

كان من ضمن المهاجرين من المنتديات إلى تويتر عدد ليس بالقليل من أنصار تنظيم الدولة الذين ملكوا الخبرة في دهاليز الموقع الذي أصبح الأكثر شعبية في الخليج، وهو ما دعاهم لاتخاذه المقر الرئيسي لـ«الدولة الإسلامية»، بدلًا من الصحارى التي كان قادات وجنود التنظيم يهيمون فيها قبل سيطرتهم على الرقة والموصل.

لكن الفارق الذي انتهجه التنظيم، وكان مختلفًا عن السياسة الإعلامية التي اتبعها تنظيم القاعدة وغيره من التنظيمات، هو «الانتشار بالرعب»، وهذه السياسة الإعلامية الجديدة، يمكن ملاحظتها بجلاء في الإصدارات التي ينتجها التنظيم.

على قلب رجل واحد

أنشأ أنصار تنظيم داعش حسابات لهم بأسماء وهمية خشية الملاحقة القانونية، وبدؤوا بالعمل كموظفي شركة لهم مهام محددة، ومعينة، لا يتجاوزونها، ولا يغردون بشكل فردي وعشوائي، لذا وبإقرار جل المتابعين بشكل حثيث لهم، فإن «أنصار تنظيم الدولة هم الجيش الأكثر تنظيمًا حتى اليوم في تويتر». ويمكن رؤية هذه الجماعية بوضوح لدى المقارنة بين أسلوب التغريد الذي يتّبعه أنصار تنظيم داعش وبين ما يغرّده أنصار التنظيمات الأخرى، جهادية كانت، أو غير جهادية.

فرغم أن أعداد مناصري داعش، أقل من أنصار قضايا أخرى لها مؤيدوها على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن جماعية أداء أنصار داعش، واتفاقهم الضمني على رسالة واحدة، أعطت «جيش الخلافة الإلكتروني» زخمًا أكبر، وتأثيرًا أعظم مكّنه من التحكم بمسار اللعبة الإعلامية. وباعتراف أشد أعدائه، استطاع تنظيم الدولة توظيف قدراته الإعلامية بالشكل الصحيح، مستغلًا المآسي التي تلحق بالشعوب العربية من اضطهاد، وفشل للثورات السلمية، ما دفع بكثير من الشباب، اليائسين من التغيير السلميّ، لإبداء إعجابهم بعمليات التنظيم الانتقامية من العالم بأسره. بل أن الأمر لم يقتصر على الإعجاب بالتنظيم، فقدرات التنظيم الإعلامية عبر تويتر وغيره دفعت إلى تخلي الكثير من النشطاء الجهاديين عن ثنائية تشجيعهم، فأفردوا التنظيم بالمناصرة والمؤازرة، مع إهمال شبه تام لتنظيم القاعدة، وفرعه في سوريا «جبهة النصرة».

تفوق على الأقران

استطاع أنصار تنظيم داعش التفوق بمراحل على أقرانهم من التنظيمات الجهادية الأخرى بعدة أسلحة، يأتي على رأسها عملهم الجماعي المنظّم، بالإضافة إلى الإمكانيات الإعلامية المتطورة، التي أبهرت العالم بأسره، وأدخلت الإحباط إلى نفوس التنظيمات الأخرى.

والجيش الإلكتروني لدى داعش أشبه بأجهزة المخابرات، فقسم منه متخصص في «الرصد والمتابعة» بشكل عام، وقسم مختص برصد أشخاص بعينهم، وإيجاد التناقضات في أقوالهم، قبل أن يتم إنتاجها في إصدارات مشوقة تُسقط تلك الشخصيات الجماهيرية من أعين المتابعين، وبحجة مقنعة، ودليل واضح.

إصدارات «التناقضات» التي بثها أنصار التنظيم وطالت شخصيات سلفية، وإخوانية، وجهادية، وغيرها، ساهمت بشكل كبير في تفوق تنظيم داعش على أقرانه، الذين لم يستغلوا الفرصة بأعمال مماثلة.

أبو محمد المقدسي، ومحمد العريفي، وأيمن الظواهري، وحركة حماس، كانوا ضحايا هذا النوع من الإصدارات، حيث عمل أنصار تنظيم الدولة على إسقاطهم عبر إصدارات انتقوا من خلالها تصريحات للشخصيات المذكورة قد تساهم بشكل كبير في إسقاطهم من عيون محبّيهم، بحسب رؤية التنظيم.

الزخم الذي ملكه التنظيم لفترات طويلة في تويتر، غاب عن أقرانه من التنظيمات، وهو ما أدى لموت كامل جهودها في موضعها، بسبب عدم قدرتهم على تسويقها بأوسع نطاق ممكن مثل ما يفعله التنظيم.

منهجية العمل

في عالم تويتر، يُعرف أن في كل هاشتاغ نشط تجد من يستغل توافد الآلاف لعرض بضاعته، كمروّجي الجنس، وأصحاب الإعلانات التجارية، والدواعش. وطريقة عمل أنصار التنظيم في الهاشتاغات تقوم على أحد أمرين، الأول، هو «غزو هاشتاغ للسيطرة عليه»، وتكون في الهاشتاغات حديثة الإنشاء، لا سيما المهاجِمة في الأصل لتنظيم داعش، فيقوم أنصار التنظيم بالدخول في وقت موحد، ونشر آلاف التغريدات التي تحتوي على إصدارات رسمية، وغير رسمية للتنظيم.

والطريقة الأخرى هي تحديد «الذخيرة» والتوقيت، وغالبًا ما تقوم بها حسابات مختصة في «غزو الهاشتاغات»، حيث يحدد إحدى هذه الحسابات ساعة «الغزوة»، وأحد الإصدارات الدموية، أو الترويجية للحياة في أرض التنظيم، ومن ثم يتم الانقضاض في الساعة المحددة كما هو متفق عليه.

التقية

قد يخفى على الكثيرين أن تنظيم داعش، استخدم «التقية» للصعود، وكسب الشعبية، والتملص من التهم الموجهة إليه، ويقصد بالتقية هنا إبطان أمر، وإظهار نقيضه.

«المريقب الشامي»، اسم قد لا يكون يملك تلك الشهرة، إلا أنه أحد الأدلّة على استخدام تنظيم داعش وأنصاره لـ«التقية»، حيث أنه في العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، منتصف العام 2014، لم يكن تنظيم داعش قد أظهر معتقداته الحقيقية تجاه الفصائل، والجماعات الأخرى، فادعى أنصاره تأييدهم للمقاومة الفلسطينية التي تأتي في مقدمتها كتائب «القسام»، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية «حماس».

إلا أن «المريقب الشامي»، صدّقت أقواله معتقداته حينها، فنشر تغريدته الشهيرة التي قال فيها إن «قتال حماس أولى من قتال اليهود»، وهو ما جعل أنصار التنظيم يضحّون به، ويتبرؤون منه، خشية فقدان التأييد المتزايد لهم من فئة كبيرة من الشباب.

ولم تمض سوى عدة شهور على تغريدة «المريقب الشامي»، الذي أغلق حسابه بأمر من كبار مناصري التنظيم أمثال «أبو مالك شيبة الحمد»، وغيره، إلا وخرجت الإصدارات الرسمية، التي أكدت ما قاله «المريقب» من أن «قتال حماس الردّة واجب، وأوجب من قتال الكفار الأصليين».

«التقية» ذاتها، استخدمها التنظيم وأنصاره في تكفير الفصائل الإسلامية، وعلى رأسها جبهة النصرة، الفرع السوري لتنظيم «القاعدة»، فبالرغم من أن أمير «النصرة»، أبو محمد الجولاني رفض العودة لكنف «البغدادي» مطلع العام 2013، إلا أن التنظيم وأنصاره بقوا يصرون على أن «جبهة النصرة أخوة لنا، لا نكفرهم، ولا نعاديهم»، وبعد عام ونيّف، أصبحت «جبهة النصرة مرتدة، وتحالف الكفار، وتعمل تحت كنف أمريكا»، وفقًا للتنظيم.

التناقض الصريح، والكذب البواح الذي مارسه تنظيم الدولة، وإعلامه الرسمي، لم يكن له تأثير واضح على أنصار التنظيم الذين قام كبارهم بخلق المبررات والحجج لأفعال التنظيم، ومعتقداته التي تناقضها معتقدات تستجد يومًا بعد يوم، وشهرًا بعد شهر.

بداية التراجع

في منتصف العام 2014 فُجع أنصار تنظيم داعش بخبر مقتل السعودي عبد المجيد العتيبي المعروف باسم «قرين الكلاش»، والذي يعتبر الأكثر شعبية بين جنود التنظيم وأنصاره. وبمقتل «قرين الكلاش»، الذي حرّض مئات السعوديين على الالتحاق بالتنظيم، وأقنعهم، ونسّق لهم المجيء، غابت المركزية «الداعشية» في تويتر، وبدأت العشوائية بالبروز.

ولم تمض على مقتل «قرين الكلاش» سوى بضعة أسابيع، حتى بدأت إدارة تويتر، حربها الجدية على أنصار داعش، فأحدثت صدعًا في التواصل فيما بينهم، لكن حسابات «دعم الأنصار» استطاعت التغلب على إدارة تويتر، عبر نشر الحسابات العائدة من الحذف على أوسع نطاق ممكن.

الحذف المتكرر للحسابات استهدف بشكل خاص «ترجمان الأساورتي»، وهو أبرز مناصر للتنظيم، والأكثر شعبية بين «الأنصار» لمحتوى التغريدات الناريّة التي ينشرها، والإصدارات الهوليودية التي ينتجها.

ظهور قنوات تليجرام بالتزامن مع عزوف أنصار التنظيم عن تويتر، عطّل نشاط «الأنصار»، وحوّلهم من «متلقين ثم منتجين»، إلى «ملتقين فقط»

«ترجمان الأساورتي»، وبعدما حذفت إدارة تويتر حسابه لأكثر من مئتي مرّة، بالتزامن مع حذف حسابات شهيرة مناصرة للتنظيم عشرات المرات، لم يعد يبادر هو وغيره إلى إنشاء حسابات جديدة، حيث أن بعض حساباته لم تدم سوى دقائق معدودة قبل أن تُحذف.

حرب تويتر على داعش، سبقها وتزامن معها مقتل العديد من عناصر التنظيم الخليجيين، الذين تعلّقت قلوب «الأنصار» بهم، أمثال «عقاب المرزوقي»، و«سلطان السفري الحربي»، و«خطاب الإماراتي» وغيرهم، وأيضا عزوف المقاتلين الأكثر شعبية عن التغريد منذ عدة شهور، وأبرزهم «أبو سامي الوايلي»، و«عبد الرحمن المرزوقي» وغيرهم. ولذا، لم يعد لأنصار داعش في تويتر تلك الأسماء الرنانة التي تبث في نفوسهم روح الانتصارات، والاقتراب من روما، ودابق، وبيت المقدس، ولم يعد لأنصار داعش، سياسة موحدة واضحة في الدعاية و«إرهاب» الأعداء.

بذور الشقاق

وفي ظاهرة طرأت مؤخرًا على أنصار التنظيم، بدأت الخلافات تدب في صفوفهم، وبدأ التخوين يظهر بين الصف الثاني من «الأنصار»، وذلك بعد غياب الصف الأول الذي كان يحكم في مثل هذه القضايا، ويعطي صكوك «التزكيات» للصف الثاني، والثالث. واعتزل العديد من أنصار داعش موقع تويتر، لأسباب قد تكون من بينها: كثرة إغلاق حساباتهم، أو لازدياد الخلافات فيما بينهم، أو لخشيتهم من الاعتقال في دول الخليج، عقب إعلان وزارة الداخلية السعودية التوصل لمئات النشطاء الذين كانوا يؤيدون داعش بأسماء وهمية، واعتقالهم، وهو الأمر الذي أدى لسقوط داعش من قمة هرم تويتر، كأكبر تجمع موحد يخدم فكرة ما.

تليجرام والصدمة

في نهاية أيلول/ سبتمبر الماضي، أتاح تطبيق التواصل الاجتماعي «تليجرام»، إمكانية إنشاء «قنوات»، تبث موادها المكتوبة، والمرئية، والمسموعة على نطاق غير محدود.

ظهور قنوات تليجرام بالتزامن مع عزوف أنصار التنظيم عن تويتر، عطّل نشاط «الأنصار»، وحوّلهم من «متلقين ثم منتجين»، إلى «ملتقين فقط»، وهو ما يمكن النظر إليه على أنه انتهاء لعهد «التجنيد» بكامل خطواته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تبدأ بإيصال الدعاية إلى أكبر قدر من النشطاء، ثم إقناع المعجبين منهم، وانتهاء بالتحاقهم رسميًا في التنظيم.

لكن، ورغم محاربة تليجرام لداعش، نجد أن هناك بعض المنافذ التي استغلها أنصار داعش في تيليجرام، ومن أبرزها «القنوات المحرّضة»، وأبرز تلك القنوات، هي قناة «الذئب المنفرد»، والتي وفّرت، قبل إغلاقها من قبل إدارة التطبيق، لأنصار تنظيم الدولة، جميع ما يحتاجونه من أفكار مضمونة، وآمنة، وناجعة في سبيل القيام بهجمات انفرادية من شأنها «الإثخان في الأعداء»، تقدم عبر عناوين جذّابة.

خاتمة

يمكن القول أنه رغم طموحات داعش التي يبثها في العلن، ورغم حديثه المستمر عن «فتح» روما، ودابق، والأندلس، وغيرها، إلا أن المتتبع لمساره يمكن له استقراء تراجع سطوة التنظيم على واقع التواصل الاجتماعي.  

فمواقع التواصل الاجتماعي  المختلفة قد لفظته وأثخنت فيه، وقدرته على تجنيد الأنصار والمؤيدين باتت محدودةً جدًا، ولم يعد أنصار داعش قادرين على تجميع أنفسهم في منصة واحدة، فلا «جروبات الواتس آب، والتليجرام» آمنة، ولا «فيسبوك» و تويتر، تركوهم وشأنهم.