التطرف الإسلامي ليس السبب الأول وراء مشكلة الإرهاب في أوروبا

الإثنين 18 نيسان 2016

بقلم جوشوا هولاند، ترجمة نضال كمال

نشر هذا المقال في جريدة ذا نايشين بتاريخ 30 آذار 2016.

«لو أخبرتَ رجلًا فرنسيًا عاديًا أن مهاجري الجيل الثالث الذين يعيشون في الضواحي الفرنسية (banlieues) لا تصل المياه بيوتهم، وأنّ العديد منهم أمّيّ يفقد الأمل في الحصول على وظيفة أو في أن يكون عضوًا فعالًا في المجتمع الفرنسي، فبكل بساطة لن يصدّقك. وسوف يُصرّ على أنهم مواطنون فرنسيّون يحصلون على الفرص التي تتاح للجميع» يقول أكبر أحمد، سفير باكستان السابق في المملكة المتحدة، وبروفيسور الدراسات الإسلامية حاليًا في الجامعة الأميركية في العاصمة واشنطن.

يعمل أحمد وفريقه على أول مشروع شامل لدراسة المجتمعات الإسلامية في القارة الأوروبية. يقول أحمد إنّ «ثلاثين بالمئة من سكان مارسيليا هم من المهاجرين. لا يوجد لديهم مسجد مركزي، ومعظمهم عاطلون عن العمل ويعيشون في جيتوهات لا تتوفر فيها مدارس جيّدة. يحصل الأمر نفسه تمامًا في بلجيكا، حيث أنّ التعليم هناك رديءٌ والفرص ضئيلة. يسودُ هناك أيضًا الرفض الاجتماعي للمهاجرين، حيث أنّهم لا يعتبرون جزءًا من المجتمع، وهذا كاف لدفع أي مجموعة للشعور بالحنق»، وبالبعض نحو التطرف الإسلامي.

 إنّ التباين بين المجتمعات الإسلامية في أوروبا والولايات المتحدة واضح جدًا، حيث أن المسلمين الأميركيين منخرطون في بلدهم ويتمتعون بحالة اقتصادية مزدهرة وتعليم جيّد. يعيش المسلمون هناك مرتاحين في مجتمع تعدّدي، ويعتبرون مجموعة نشيطة سياسيًا، فلا توجد هناك أدلة على أنهم يعتنقون آراءً سياسية متطرفة، أو أنهم يمارسون العنف بنسب أعلى من اليهود أو المسيحيين.

لكن في أوروبا، يخلق العيش على هامش المجتمع والاقتصاد أرضية خصبة للتطرف، هذا الأمر لا يعتبر جديدًا بالنسبة إلى علماء الاجتماع أو الخبراء في محاربة الإرهاب بالولايات المتحدة وأوروبا، لكنّ السياسة الأوروبية تقيّد الحوار فيما يتعلق بهذا الأمر.

تصعد الأحزاب القومية المتطرفة في القارة الأوروبية، فيما القادة السياسيّون الذين ينادون بإصلاح المشكلات الاجتماعية العميقة التي تشعل التطرف في أوروبا يتهمون من البعض بأنهم «متساهلون في التعامل مع الإرهاب» وبأنّهم «يدللون المتطرفين».

أصبح هناك، نتيجة لذلك، تركيز كبير على دراسة الأفكار الدينية المتطرفة، مع شح في الدراسات التي تبحث في الظروف التي تسمح لهذه الأفكار بالانتشار. يقول أحمد إنّ «القوى الأمنية في أوروبا تحلّل هذه الظاهرة مستخدمة عدسة الثيولوجيا، فيدرسون القرآن للوصول إلى تفسيرات. لكنّنا نرى بأن هذه الظاهرة ما هي إلا مجموعة من الشباب اليافع المحبط الساخط الأمّيّ، الذين لا يستطيعون التكيّف مع المجتمع. انظر إلى هؤلاء الحمقى الصغار الذين يدمّرون كل شيء حولهم تجدهم يشاهدون مقاطع مصورة لتنظيم الدولة الإسلامية بينما يحملون الجعة بيد، وبالأخرى سيجارة من المخدرات».

وفي حدث ذي مغزى في العام 2014 قام بريطانيان، وهما اللذان اعترفا أمام المحكمة باتهامات موجّهة ضدهم تتعلق بالإرهاب، بشراء كتاب الإسلام للأغبياء «Islam for Dummies» قبل سفرهم إلى سوريا للقتال مع تنظيم الدولة الإسلامية. يكتب أوليفيه روا، وهو البروفيسور في معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا بإيطاليا، والذي ألف كتاب «الإسلام المعولم»، أنّ ما يواجه أوروبا اليوم «لا يتعلق بالسياسة أو بالدين، بل إنّه انتفاضة شبابيّة»، ويضيف روا أنّ المشكلة «ليست في جعل الإسلام متطرفًا بل في أسلمة التطرف».

تصل معدلات البطالة بين المهاجرين المسلمين في أوروبا كحد أعلى إلى 40 بالمئة، حيث تختلف النسب في كل دولة. قام مركز الأبحاث البريطاني ديموس السنة الماضية بإعداد تقرير وجد فيه أن المسلمين في بريطانيا «معرّضون للفقر بشكل لا يتناسب مع نسبتهم في المجتمع»، وبأنهم «يفتقرون إلى الشبكات والرصيد الاجتماعي والمهارات التي قد تسهل وصولهم إلى الطبقة الوسطى»، وبأنّهم يواجهون «تمييزًا سلبيًا في عملية التوظيف».

أجرى ديفيد لايتين عالم السياسة في جامعة ستانفورد في عام 2010 دراسة قام فيها بتقديم سير ذاتية وهمية لشركات فرنسية. هذه السير تحمل أسماء توحي بأن المتقدم إما مهاجرٌ مسلم أو مسيحيٌّ من السنغال. كانت السير الذاتية على القدر نفسه من المؤهلات العلمية، لكن السير التي تحمل أسماء مسيحيّة كتب فيها أن المتقدم قد عمل قبل ذلك بجمعية إغاثة كاثوليكية، والسير التي تحمل أسماء مسلمة كتب فيها أن المتقدم قد عمل سابقًا في جمعية إسلامية خيرية. رغم أن المتقدمين الافتراضيين كانوا مهاجرين من البلد نفسه، إلا أن الأسماء الذي تظهر بأنها مسيحية تم اختيارها أكثر بمرتين ونصف لإجراء مقابلة. وفي تقرير صحفي جاء فيه أن فريق لايتين وجد أيضًا «أن العائلات المسلمة من الجيل الثاني تتقاضى 400 يورو أقل من العائلات المسيحية التي تتشابه في الإثنيّات والمراتب الاجتماعية والاقتصادية».

يستطيع جزء صغير للغاية من هذه المجتمعات أن يعيث الفوضى. يقول جان تشارلز بريسارد، الخبير الفرنسي في الإرهاب، ومؤلف كتاب «الوجه الجديد للقاعدة»، مخبرًا مجلة ذا نايشن أن أوروبا الغربية تواجه 6500 متطرف محليّ من عدد سكان يقدره مركز أبحاث بيو (Pew) بتسعة عشر مليونًا. أصبحت السجون في العديد من الدول الأوروبية مصانع لإنتاج المتطرفين، حيث أن هناك خط إمداد يبدأ بالجرائم البسيطة في أحياء المهاجرين الفقيرة، ليمتد إلى النظام القضائي، ليصل أخيرًا إلى الجماعات الإسلامية المتطرفة، وهذه تعتبر مشكلة خطيرة منذ فترة طويلة من الزمن.

لكن مايكل بيرنباوم أخبر صحيفة الواشنطن بوست السنة الماضية أن السلطات في فرنسا قد بدأت للتو بالتعامل مع مشكلة كون النزلاء يضعون صور بن لادن على الحيطان، ، ويضيف بأن «جهودها ما زالت ضئيلة مقارنة بحجم المشكلة».

«ثلاثين بالمئة من سكان مارسيليا هم من المهاجرين. لا يوجد لديهم مسجد مركزي، ومعظمهم عاطلون عن العمل ويعيشون في جيتوهات لا تتوفر فيها مدارس جيّدة»

عملية تحديد الأفراد الذين قد يتعرضون لخطر التطرف في هذه المجتمعات ليست أمرًا سهلًا. وقد أخبر مات أبوزو صحيفة النيويورك تايمز مؤخرًا بأنه «بالرغم من الأبحاث التي ترعاها الحكومة والتي تكلف ملايين الدولارات، ما زلنا بعيدين عن الوصول إلى إجماع حول الأسباب التي تدفع شخصًا ما إلى أن يصير إرهابيًا».

ما زالت الإخفاقات الأمنية تشكل مشكلة كبيرة، فرجال الشرطة ودوائر الاستخبارات فشلوا وبشكل متكرر في إعاقة مؤامرات يحيكها أفراد كانوا تحت رقابة قوى حفظ الأمن.  يقول بريسارد إن «الأجهزة الأمنية مُربَكة» وإن «الدول الأوروبية لا تشعر كلها بنفس المستوى من الخطر، وإن الاتحاد الاوروبي لم يستطع أن يزوّد دول الاتحاد بالأدوات التي ما تزال تطلبها هذه الدول منذ سنين». أما مشاركة المعلومات بين قوى الشرطة الوطنية فما تزال مشكلة تواجه الاتحاد الأوروبي، وهناك دول أعضاء تعارض فكرة فرض رقابة حدودية أكثر صرامة بين الدول الأوروبية. كان هناك جهود لعمل قاعدة بيانات مشتركة لمعلومات المسافرين في الجو وملاحقة الاتصالات الإلكترونية للإرهابيين المحتملين، لكن هذه الجهود تمت إعاقتها لسنين بسبب القلق على الحريات المدنية.

يجب أن نعرف أنه مع كل هذا التركيز على الجانب الأمني، فإن المشكلة لن تحل عبر التطوّر في هذا الجانب وحده. إذ لن يكون هناك أفراد أمن كافين لمراقبة كل شاب ساخط قد يشكل خطرًا، وبعيدًا عن أن هذا سيحول أوروبا إلى دولة أمنية عملاقة، فإنه من الصعب توضيح كل هدف مبهم. توجد اليوم قوات تحيط بمتحف اللوفر، لكن لا يوجد عدد كافٍ من الجنود لحراسة كل مطعم أو مرقص في دول الاتحاد الأوروبي. لقد كانت بروكسل تحت أقصى حالات الحذر عندما نجح أربعة بالهجوم على مطار، والمطار يعتبر في أي بلد من أكثر الأهداف الآمنة.

لن تحل هذا المشكلة في مجتمع مفتوح كالمجتمع الأوروبي بإقرار قانون باتريوت أوروبي [لمكافحة الإرهاب]، وهو مقترح يلاقي صدى ودعمًا سياسيًا قليلًا. هذا الأمر يجعل من المنطقي معالجة هذه المشاكل من خلال كبح جماح التطرف قبل أن يبدأ. يقول بريسارد «السؤال الأساسي هو كيف نخلق ظروفًا للأفراد لكي لا يصبحوا متطرفين؟ وكيف نحدد الناس المهددين بتبني هذه الفكرة»؟

تحاول المملكة المتحدة أن تنفذ بعض المشاريع التجريبية على المستوى المحلي، ولكن في ما يتعلق بهذه القضية المهمة فللأسف لم يتم إعادة إنتاج هذه المشاريع الصغيرة على المستوى الوطني». فأغلب هذه المشاريع رمزية. كأن يقوم القادة الدينيون من مختلف الأديان بزيارة المراكز المجتمعية في المناطق المهمشة وتنظيم نشاطات رياضية للشباب اليافعين، كما يعدون أيضًا بتعظيم التعاون بين المسؤولين وقادة المجتمع المحلي، ثم يلتقطون بعض الصور ويغادرون.

يرى أحمد وآخرون أن المجتمعات المتصدعة هي مصدر المشكلة، وبأننا فقط ومن خلال علاج وإصلاح هذه المجتمعات نستطيع حل هذه المشكلة.

يخسر تنظيم الدولة الإسلامية مناطق في العراق وسوريا بشكل متواصل، ولذلك سوف يهزم، على الأغلب، في السنوات القادمة، ولكن أوروبا ستظل تعاني من هجمات إرهابية خطيرة حتى اللحظة التي تواجه النخبة فيها أسباب قيام جزء صغير خطير من مواطنيها بأعمال عنف. يقول أحمد بأنه «عندما نتحدث عن الحلول طويلة الأمد فإننا نعني هنا توفير التعليم والوظائف والاستثمار في المجتمعات، ومن دون هذه الحلول طويلة الأمد فإنني قلق بأن الوضع سيزداد سوءًا».