«إسرائيل»: المُستعمرة لا تزال قيد الإنشاء

الثلاثاء 26 حزيران 2018
صورة من على أحد حواجز مدينة بيت لحم المحتلة. تصوير آن باك.

في مقابلة أجراها بمناسبة «استقلال إسرائيل»، في الذكرى السبعين لنكبة فلسطين، أجاب رئيس هيئة الأركان السابق في جيش الاحتلال دان حالوتس، عند سؤاله عمّا يتمنّاه في هذا اليوم قائلًا: «أن نحتفل بمُضاعفات السبعين». يشبه هذا الرد جواب كلٍ من وزير الماليّة موشيه كحلون، ورئيس هيئة الأركان الحاليّ غادي آيزنكوت، ورئيس الحكومة السابق، إيهود براك، ولو بصياغات مُختلفة وكلمات أخرى. المشترك الأهم بين هذه الإجابات هو التشكيك في استقرار وديمومة المشروع الاستعماريّ وتطبيعه.

ومن هنا، تعمل هذه المقالة على فهم قراءة «إسرائيل» لذاتها ومُحيطها، من مبدأ جوهرها كمشروع استعماريّ، وعبر النظر إلى «الجدار» بوصفه واحدًا من أكثر الأدوات استعمالًا، في السياق الإسرائيليّ، لحماية المستوطنة الكبيرة المسمّاة «إسرائيل».

جدران لحماية «الفيلا»

أعلنت الحكومة الإسرائيليّة، خلال الأشهر الماضية، الانتهاء من بناء الجدار الفاصل ما بين الأراضي الفلسطينيّة المُحتلة والأردن. يبلغ طول الجدار 34 كم محفورًا في الأرض على عمق 60 سم. وعلى الرغم من أن الادّعاء الرسميّ الإسرائيليّ هو حماية مطار «رامون» الذي بني بالقرب من الجدار، إلّا أن هذا الجدار ليس وليد اللحظة، وليس وليد المطار، وهو بعيد كُل البعد عن أن يكون جدارًا وحيدًا يُبنى لهدف وحيد كما تدّعي إسرائيل الرسميّة. وعند التدقيق، لا يمكن النظر إلى هذا الجدار إلّا باعتباره عقيدة واستراتيجيّة صهيونيّة، ويمكن الوصول لهذه القناعة عن طريق النظر إلى مسألتين؛ الأولى هي حقيقة أن الجدار جزء من عمليّة بناء السور الواقيّ الإسرائيليّ على الحدود مع مصر والجولان السوريّ المحتل بالإضافة إلى جدار الفصل العنصريّ الذي بات يقسّم الضفّة الغربيّة؛ والثانية هي تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيليّة، بنيامين نتنياهو، التي أدلى بها خلال جولة على الجدار ذاته مع الأردن، إذ قال «إنّنا نسير وفق خطّة ستمتد لسنوات وتهدف إلى إحاطة إسرائيل بالجدران الأمنيّة»، مضيفًا: «يسألونني: ماذا تفعلون؟ تدافعون عن الفيلا؟ الجواب هو نعم. سنحيط إسرائيل بالجدران. بالعوائق؟ الجواب هو نعم، غير قابل للتأويل. في محيط مثل المُحيط الذي نعيش به، علينا حماية أنفسنا من الحيوانات المُفترسة».

أمّا الاتجاه الثانيّ الذي من الممكن قراءة الجدار من خلاله، فهو الثقة في «السلام» الذي أبرمته إسرائيل مع الأردن ومصر، إذ ترى دولة الاحتلال هذه الاتفاقيّات على أنّها اتفاقيّات مع الأنظمة لا مع الشعوب، ومع أي تحوّل في الأنظمة السياسيّة واستقرارها ستسقط تلك الاتفاقيّات ويختفي ذلك الاستقرار. وهذا، ما يؤكده الهجوم الإسرائيليّ على نتنياهو بسبب عدم معارضته بيع غوّاصات من ألمانيا لمصر، وهي الغوّاصات ذاتها التي قامت الشركة الألمانيّة «تيسنكروب» ببيعها لإسرائيل. إذ ادّعى القادة الإسرائيليّون أنه وعلى الرغم من الاستقرار في العلاقات المصريّة الإسرائيليّة إلّا أن إسرائيل لا تضمن عدم تغيّر النظام السياسيّ في مصر، وبالتاليّ لا تضمن استمرار هذا الاستقرار، ضاربين المثل بأحداث السفارة المصريّة التي تلت ثورة يناير.

إسرائيل: ثلاث قراءات بوظائف مختلفة

تشكّل الصورة التي يبثّها الاستعمار عن ذاته، إحدى الأدوات الدعائيّة الأكثر فتكًا بالشعوب المستعمَرة. مثلًا، يشير المفكر الصهيوني، زئيف جابوتنسكي، في مقالته تحت عنوان «الجدار الحديدي» إلى أن «الفلسطينيّين لن يستسلموا إلّا بعد أن يفقدوا الأمل في هزيمة الصهيونيّة». والأمل في النصر، أو عدمه، ذاتيّ في نهاية المطاف، ويتعلّق إلى حد كبير في تقييم الذات والآخر وميزان القوى بين المُستعمِر والمُستعمَر. ومن هذا المبدأ، فإن الصورة التي تريد إسرائيل، للفلسطينيّ، وللعالم العربيّ أن يتصوّرها عنها، تختلف إلى حد بعيد جدًا، عن صورتها أمام ذاتها والتي تخطّط انطلاقًا منها لتضع تصوّرها للواقع والمُستقبل.

تريد إسرائيل من جهة لمُجتمعها أن يبقى في حالة عسكرة دائمة للمحافظة عليه مجتمعًا استعماريًّا، فتصف العرب على أنّهم «حيوانات مفترسة» سيستغلون أول فرصة لقتل اليهود وبالتاليّ يبقى في حالة تأهّب دائم، وفي المقابل تصف العرب على أنّهم يريدون السلام معها لصد المد الإيرانيّ كما يحصل في كُل مرّة يتحدّث فيها نتنياهو عن المحور «السنّي المعتدل» لتصوّر ذاتها على أنّها منقذ الشرق الأوسط في العالم، وتصف ذاتها مرّة أخرى على أنّها قوّة عسكريّة غير قابلة للهزيمة، ودولة متطوّرة ومستقرّة أمنيًا واقتصاديًا، لينظر العالم العربيّ إليها على أنها نموذج الدولة الناجحة فيكسر حاجز النظر إليها كعدو، خاصة وأن العالم العربيّ، أي الآخر، يعيش اقتتالًا واستقطابًا داخليًّا يرافقه انهيار اقتصاديّ واجتماعيّ.

أمّا ما تقوم به إسرائيل عمليًا بحسب القراءة التي تجريها هي لذاتها، فهو بناء الجدران، جدران في كُل مكان، وتفوّق عسكريّ جوّي وبحريّ، وشركات أمنيّة وتكنولوجيا حربيّة. ووفقًا لهذا المنطق، تريد إسرائيل من العرب والعالم أن يقرأها كما تتمنّى أن تكون. وفي الحقيقة، تقرأ هي ذاتها كما هي، أو كما عبّر رئيس حكومتها قائلًا في ندوة عقدت في إحدى المستوطنات: نحن نعيش على حد السيف.

لعل أكثر ما يعبّر عن حجم الفرق ما بين الواقع المادّي والسياسيّ، وما بين الرواية التي تبثّها إسرائيل لتحقيق مصلحتها، هو السياق الفلسطينيّ. إذ وعلى الرغم من حقيقة أن السلطة الفلسطينيّة لا تزال متمسّكة بالتنسيق الأمنيّ، وباتفاقيّات التعاون الاقتصاديّ، ولا تزال تستنكر وتمنع أي اندلاع لمواجهة واسعة مع إسرائيل تضر بالاستقرار الأمنيّ، إلّا أن إسرائيل ذاتها بمستوياتها ونخبها الأمنية والسياسيّة، لا تزال تحرّض بصورة مستمرّة على القيادة الفلسطينيّة وخاصة الرئيس محمود عبّاس. هذا التحريض، وتحميل المسؤوليّة لا يمت للواقع بأي صلة، ويستغرب البعض كثيرًا من حقيقة أن كل ما تقوم به السلطة الفلسطينيّة لا يُعدّ كافيًا بالنسبة لإسرائيل، ولا تزال تطلب المزيد. برأيي، لن تتوقف إسرائيل عن التحريض على أي قيادة فلسطينيّة حتّى تلك الناشطة في إطار المواطنة في الأراضي المحتلة عام 1948، وذلك لا علاقة له بسلوك تلك القيادة وممارساتها السياسيّة. إن لهذا علاقة بأمر واحد لا غير: من مصلحة إسرائيل الإبقاء على الفلسطينيّ بوصفه عدوًا في نظر المجتمع الصهيونيّ الداخليّ والعالم أجمع، وذلك لسببين: العداء يبرّر، أمنيًا وشعبيًا، البقاء في الأرض المُحتلة عام 1967. وثانيًا أن هذا العداء يبقي المجتمع في حالة تأهّب دائم وعسكرة. وهنا يظهر الجوهر: إسرائيل تعلم أن التحالف هو تحالف نظام سياسيّ فلسطينيّ ولكن العداء هو عداء شعبيّ، عليها أن تُبقي عليه فتبثّه بالتحريض والخوف المستمر، لتخلق في الوقت ذاته، ثقافة المجتمع الاستعماريّ، الذي يشكّل أساس الانتخاب في نظام حكم يقوم على الانتخابات، فتُفرز حكومات اليمين الواحدة تلو الأخرى مدفوعة بالخوف من «السلام»، وتدفع بالمشروع برمّته لاستيطان الضفّة وحصار غزّة والفتك بالسياسة والهويّة في الأراضيّ المحتلة عام 1948، وتخلق، في النهاية، هذا المجتمع القادر على تبرير قتل العزّل خلف جدار الحصار في غزّة.

بين الدولة والمستعمرة

لا يُمكن القول إن إسرائيل ليست دولة، وفي ذات الوقت لا يمكن القول إن إسرائيل ليست مُستعمرة. فمن جهة، تتمتّع بكافة مقوّمات الدولة المؤسساتيّة والسياديّة، ومن جهة أخرى، لا يمكن اعتبارها دولة بالمفهوم الطبيعيّ للدولة بسبب الجوهر التوسّعي الاستعماريّ والإطار الأيديولوجيّ الناظم للدولة المتمثّل بالصهيونيّة كحركة مؤسساتيّة وأيديولوجيا ناظمة. إسرائيل الأمران معًا؛ دولة بالمفهوم الحديث للدولة من حيث احتكار القوّة واكتساب الشرعيّة السياسيّة من خلال الانتخابات على بقعة محدّدة من الأرض الجغرافيّة، وفي ذات الوقت مستعمرة متقدّمة من حيث سيطرتها على شعب آخر وبحثها المستمر عن الشرعيّة في محيطها.

هذه الثنائيّة التي تصالحت في نموذج إسرائيل الاستعماريّ، لا يمكن فهمها دون فهم ميزة المرحليّة في المشروع: التمركز في الأراضيّ المحتلة عام 1948 مثلًا، ومن ثم التوسّع للأراضيّ المُحتلة. فتدعم المؤسسات في الاحتلال الأول استعمار الشق الثانيّ، وتتحوّل المؤسسات غير السياديّة مثل مؤسسات الحركة الصهيونيّة، للعمل في الأراضي حديثة الاستعمار حيث لا سيادة لمؤسسات الدولة في الوقت الذي تعمل فيه المؤسسات السياديّة ومؤسسات الرقابة في الدولة داخل أراضي 1948، حتّى يتم استكمال المشروع الاستيطانيّ في أراضي 1967 ومن ثم إعلان السيادة بوصف أمرًا واقعًا، وهو ما يتم تداوله حاليًا في فلسطين للمرحلة المُقبلة. فتُوقّع اتفاقيّات «سلام» مع مصر والأردن، وتبنيّ جدرانًا لتحميها من المصريين والأردنيين، وتقيم علاقات اقتصاديّة مع «مصر» و«الأردن» ولكنها تعتمد ارتباط الأنظمة فيها اقتصاديًا وأمنيًا كأساس للاتفاقيّات بهدف الحفاظ على اتفاقيّات السلام. وهذا ما عبّرت عنه صراحة اتفاقيّة كامب ديفيد مع مصر التي تحمّل كاهل مصر بغرامات عالية جدًا، وقطع علاقات اقتصاديّة، في حال الخروج منها. وهذا أيضًا ما عبّر عنه عضو الكنيست، أورن حزان، حين تحدّث عن الأردن قائلًا «نحن نحمي مؤخراتهم». وينطبق هذا على اتفاقيّة «أوسلو».

هذه المرحليّة التي تميّز المشروع الصهيونيّ في فلسطين؛ أي التمركز والتأسيس ومن ثم الانطلاق إلى المزيد، عبّر عنها بن غوريون صراحة في ردّه على الأب الروحيّ للتيّار التصحيحيّ في الصهيونيّة، جابوتنسكي، الذي كان ضد قبول قرار التقسيم وضد مرحليّة احتلال فلسطين، وأراد كُل فلسطين في العام 1948. قال بن غوريون حينها في مقالته تحت عنوان «نحو المستقبل»: «لن أخاطر بالحلم الصهيونيّ وراء مندفع، سنتمركز ونؤسس دولة اليهود السياديّة أولًا ومن ثم نتقدّم». وهنا تحديدًا بدأت إسرائيل تستغل التمركز سياسيًا ودعائيًا لبث الوهم وغض نظر العالم العربيّ خصوصًا والدوليّ عمومًا عن حقيقتها وجوهرها كمستعمرة متقدّمة في الشرق الأوسط. وعلى الصعيد العمليّ، لم تتوانَ لحظة عن التصرّف كمستعمرة إن كان اقتصاديًا عبر الصناعات العسكريّة، أو اجتماعيًا داخليًا عبر الاستمرار في إعادة إنتاج المجتمع الاستعماريّ، عبر احتكار النظام السياسيّ للمعلومات الأمنيّة، التي يندرج العربيّ، في إطارها وتحت بندها، أمّا علاقاتها الخارجيّة فاستندت إلى ركيزتين، أولاهما القوّة العظمى الداعمة والمحافِظة على ميزة المتفوّق عسكريًا في الشرق الأوسط، ما يمنع تشكّل أي قوّة أخرى تهدّد الهيمنة الغربيّة على المنطقة؛ وثانيهما إحاطة نفسها بالجدران التي يشكّل الجدار مع الأردن أحد أعمدتها.

المستعمرة في الغابة

لا يعرف الاستعمار الحدود، هذه حقيقة أثبتتها التجربة الاستعماريّة في العالم. وعلى الرغم من أن الجدران هي دلالة الحدود الجغرافيّة، إلّا أن التجربة الاستعماريّة وخاصة الصهيونيّة أثبتت أمرين: أولًا، الجدار لم يكن يومًا حدودًا ثابتة بالنسبة لإسرائيل، وهذا ما أثبتته التجربة في الضفّة الغربيّة، إذ تم تخطيه دومًا. وثانيًا والأهم، يشكّل الجدار حدود المُستعمرة غير الجغرافيّة، وهو ما لا يمكن التقليل من أهميّته، فهو يشكل الحدود النفسيّة والحضاريّة والعرقيّة بين من يعتقد أنّه يأتي لينير الغابة وينشر فيها المعرفة والرقيّ، وبين «الحيوانات المفترسة» التي لا تزال تعيش في الزمن الغابر. هذه نظرة إسرائيل لذاتها ومُستعمرتها، ولعلّ نتنياهو كان صريحًا فوق العادّة عندما قال «نحمي الفيلّا من الحيوانات المفترسة» ويده مستندة إلى الجدار المبنيّ حديثًا مع الأردن، التي وقّعت معها إسرائيل اتفاقيّة «سلام». إنّه الجدار الأيديولوجيّ والنفسيّ والتعبويّ والمعرفيّ الذي يحكم الاستعمار؛ وجود البريطانيين في أمريكا ونظرتهم إلى سكّانها الأصليين، تحضير الهند من قبل بريطانيا، التنميّة الأمريكيّة في الشرق الأوسط حديثًا، وفيلا اليهود الأوروبيّة في الغابة التي تحكمها وتسيطر عليها «الحيوانات المفترسة».

وهنا تحديدًا، وعلى الرغم من حقيقة وتمايز الهويّة الفلسطينيّة في صراعها مع المستعمر نسبة للهويّة العربيّة عمومًا التي لا تعيش بشكل دائم وملاصق ومباشر مع الاستعمار الإسرائيليّ، إلّا أن إسرائيل مُستعمرة لا تزال قيد الإنشاء، ليس في فلسطين فقط، بل في الشرق الأوسط برمّته.