ماذا بعد العودة من الخليج؟

الثلاثاء 27 شباط 2018

بعد أن استوعبت دول مجلس التعاون الخليجي الأيدي العاملة الأردنية التي ضاق بها سوق العمل الأردني لسنواتٍ طويلة، بات على الأردن اليوم التعامل مع ضآلة فرص أبنائه وبناته الخريجين الجدد في تلك الأسواق من جهة والعودة المحتملة للمغتربين منها من جهة أخرى!

في السنوات الأخيرة، شهدت السعودية، والتي تحتضن حوالي 430 ألف أردني من أصل 945 ألف مغترب لوحدها بحسب تصريحات صحفيّة لوزارة الخارجية الأردنية، تراجعًا اقتصاديًا بسبب انخفاض أسعار النفط، وتسارعت وتيرة «السعودة» لاستبدال العمّال الوافدين بالمواطنين السعوديين. كما فرضت السعودية رسومًا على مرافقي الوافدين في شهر تموز الفائت، فباتت كل هذه الأمور مجتمعةً تؤثر على أرزاق الأردنيين الذين حلموا بالرخاء فيها أسوةً بمن سبقهم إليها.

تَعتبِر دراسةٌ نشرها منتدى الاستراتيجيات الأردني في عام 2017 بعنوان «المغتربون الأردنيون: الفرصة والتحدي» أن عودة المغتربين الأردنيين قد تشكل تحديًا في ظل استمرار الوضع الاقتصادي الراهن في البلاد. بيد أننا قادرون، بحسب الدراسة، على تحويلها إلى «نعمة» إذا ما تم «الاستعداد لها واتباع سياسات حصيفة». إذا ما نظرنا إلى الجانب الممتلئ من الكأس، سيستقبل الأردن عقوله التي هجرته، ويستفيد منها لزيادة معرفته الإنتاجية، بل وسيستغّل عودة بعضهم برؤوس أموال يمكن استثمارها لتحقيق النمو في البلاد.

هكذا يتحوّل التحدي إلى فرصة جديدة بحسب الدراسة التي عوّلت أيضًا على تراجع تحويلات المغتربين في حال عودتهم للضغط باتجاه إجراء إصلاحات طال تأخيرها. يفترض المنتدى أن الحوالات التي يستلمها الأردن هي سلاح ذو حدّين، ففي الوقت الذي تستخدم هذه الأموال لتحسين مستوى معيشة الأسر المستلمة، وتمويل الصحة والتعليم والأصول القابلة للتوريث، فإنها تؤخر على الجانب الآخر من إجراء إصلاحات على السياسات العامة، وتحسين البنية التحتية والخدمات العامة كونها «تعوّض أوجه القصور في هذا الصدد».

تحدثتُ إلى عدد الأردنيين المغتربين العائدين إلى الأردن خلال الفترة الماضية. منهم من كان قد سافر ساعيًا وراء رخاء يحلم به كل شاب، فاصطدم بواقعٍ مختلفٍ على وقع الأزمة الاقتصادية هناك. ومنهم ذاك الذي قضى سنوات طويلة مغتربًا، وظل يخطّط لعودة حتمية لبلاده كي يستثمر فيها، فعاد أخيرًا ليكتشف أن تجربة الاستثمار أصعب بكثير ممّا خُيّل إليه، وهذه بعض من قصصهم.

خالد*: المصاري كنا نلمها هيك بالخليج؟

عندما جاء قرار إنهاء خدمات عددٍ من الموظفين في شركة عالمية في الإمارات العربية المتحدة، كان خالد من بينهم، ولكنه وجد اللحظة المناسبة للعودة إلى الأردن والسير في حلمه بتأسيس معصرة زيتون في قريته بإربد بعد طول انتظار.

خالد مهندس إلكتروني سافر إلى السعودية في عام 1998، وعمل بها حتى عام 2011، حيث انتقل إلى مكتب جديد افتتحته شركته ذاتها في عمّان، وبقي موظفًا لديها يتقاضى راتبًا ممتازًا، على حد وصفه، يعينه على التغييرات التي طرأت على حياة عائلة مكونة من خمسة أبناء. لم تسِر الأمور كما يجب، واضطرت الشركة لإغلاق مكتب عمّان، ومن ثم انتقل هو إلى مكتب دبي لوحده، تاركًا عائلته في الأردن، وعاد إليهم بعد إنهاء خدماته بعد مرور عامٍ واحدٍ هناك.

طيلة سنوات الغربة، كانت فكرة العودة حاضرة دائمًا في ذهن خالد، الذي كان يستثمر مدخراته في شراء الأراضي، ومنها أرض معصرة الزيتون التي بدأ يجمع الموافقات بشأنها من وزارة الزراعة والبلدية، لتكون بداية لخط إنتاج وتصدير لزيت الزيتون «بعبوات أنيقة» بحسب قوله. بيد أنه اكتشف بعد السير في الإجراءات أنها تقع بالقرب من مدرسة، ممّا يمنع استثمارها في هذا المشروع، فتخلى عن ذلك الحلم حينها.

عاد خالد، والذي كان قد اتخذ قرارًا بعدم البحث عن وظيفة مجددًا، ليطوّر فكرة كان قد بدأ بها في السابق، وهي فكرة تطبيقٍ يساعد المستخدمين على الوصول إلى مقدمي الخدمات من نجارة وحدادة وما شابهها بسهولة. انتهى بالفعل من تطوير التطبيق وطرحه، الأمر الذي أنفق عليه جزءًا لا بأس به من مدخراته أيضًا. بيد أن إجراءات إصدار رخصة مهن منزلية، للشركة التي حملت اسم التطبيق، كانت هي الأمر الأكثر إزعاجًا، فاحتاج خالد لمخطط موقع، وكل ما يتبعه، وأخبره الموظفون في الجهة المسؤولة أنه بحاجة إلى تقديم عقد إيجار، حتى وإن كان يسكن منزلًا منحه إياه والده، ولا يدفع إيجارًا لأحد، وعليه الحصول على إذن إشغال جديد لسببٍ لم يفهمه.

بعد شهرٍ واحدٍ من المراجعات المتكررة للجهة المسؤولة، يقول: «واحد منهم هيك رب العالمين هداه والا بيحكيلي خلص، بما أنها رخصة مهن منزلية شو رأيكوا نعتمد إذن الإشغال القديم؟»، فانتهى الأمر أخيرًا، ويضيف خالد مستغربًا «أنا جاي أرخص، طب أنا فيّي التطبيق أعمله بدون ما أحكي معكم ولا حد بيدرى عني، بس يا جماعة أنا جاي بالقانون!». لم تكُن المرة الأخيرة التي يصطدم فيها بإجراءات بيروقراطية تستنزف الوقت والجهد، فقد استثمر،سابقًا، في مطعمٍ يملكه أحد أقاربه ولكنه تعثّر في تشغيله لذات الأسباب.

ما بين الكشف عن الموقع واستخراج الرخص اللازمة، تبيّن أن أحد العمال المصريين الذين يرغب بتوظيفهم مُجبر على دفع غرامات سابقة حتى يتم توظيفه بشكل قانوني، فما كان منه وشريكه إلا أن أبديا رغبة في دفع الغرامة، ولكنهما ذهبا يوم الخميس و«الصندوق سكّر»، فطمأنهما الموظف أن «شغلتكم بسيطة.. أقل من ساعة» ويمكن الانتهاء منها في يوم الأحد من الأسبوع التالي. بيد أن مفتشي مكتب العمل لم ينتظروا، وجاؤوا في مساء الخميس ذاته ليلقوا القبض على الشاب المصري، دون أن يكترثوا للأوراق التي تثبت أنهم كانوا على وشك أن يدفعوا الغرامة لولا أن الصندوق قد أغلق، ولم يُطلق سراحه إلا بعد أيام من الشد والجذب بينهم!

يقول خالد أنه يشعر «صدقًا بأنه الدولة عندنا ما في تناغم، كل مؤسسة بتشتغل لحالها»، وما يزال عاجزًا عن تفسير ما يواجهه الراغبون في الاستثمار. يفترض هو أنه يفيد البلاد فـ«عندنا أربعة أردنيين موظفين بشكل رسمي (..) وبشتري جاج وبشتري لحمة وبشتري خبز وبشتري وبشتري كله من السوق الأردني.. المحل مدفوع فيه فوق 100 ألف.. هل المصاري كنا نلمها هيك بالخليج؟»

نضال: الخبرة «حقها فلوس»

على الرغم من أنه كان يعوّل على سنة 2017 لتحقيق الكثير من الطموحات المهنية، إلا أن قرار إنهاء خدمات المهندس نضال لم يكن مفاجئًا له، إذ كان يشاهده «ينطبخ على نار هادئة»، واضطر للعودة إلى الأردن بعد أشهرٍ، من تنفيذ القرار، لوقف استنزاف مدخراته في إيجار ومصاريف لا حاجة لها في السعودية بعد أن فشل في إيجاد وظيفة أخرى وسط إلغاء مشاريع ضخمة بأكملها!

في نهاية عام 2011، غادر نضال الذي يبلغ من العمر 34 عامًا الأردن بعد أن عمل في أكثر من شركة لم تدفع رواتب موظفيها في المواعيد المحددة، فكانت أشبه ما يكون بـ«خدمة العلم» على حد تعبيره، ومن ثم قرّر أن يخوض تجربة السعودية أسوةً بمعظم خريجي قسم الهندسة، فكما يقول «دفعتي اللي بعرفهم بالسعودية أكثر من هون». وحالفه الحظ في بداية المشوار بوظيفة جيدة في وقت الـ«فورة، أسعار النفط مرتاحة، الملك عبدالله كان بيعمل مشاريع بالهبل (كثير).. كان بده يعمل مستشفى ومركز صحي ومدرسة في كل قرية».

يذكر نضال أنه عاش سنوات قليلة برخاء، فبدأ يعمل بوظيفته الأساسية وينفذ المشاريع الأخرى تحت اسم شريك سعودي، ويكسب مالًا مكّنه من دفع الدفعة الأولى لشقة في عمّان، وبدّل نمط الاستهلاك لديه بشكل ملحوظ، فأصبح يشتري «تذكرة خميس جمعة سبت عالأردن، بوصل ببوس أمي وبرجع». لو استمر ذلك الرخاء، لتمكّن من تحقيق كل ما يريد خلال ثلاث أو أربع سنوات، ولكن الأمور بدأت تسير بالاتجاه المعاكس في بداية عام 2017.

إلى جانب إنهاء خدماته من وظيفته الأساسية، يقول نضال عن المشاريع التي كان يأمل منها خيرًا «لغوا ميزانية السنة كاملة، مشروعي من بين عشرات المشاريع اللي التغت»، وأصبحت المنافسة شرسة بين الطامعين في الفرص المتبقية فتجد «حدا مقدم بأقل من سعر الكلفة»، فاتخذ قرار العودة وإن كان الظرف غير مناسب له بدون وجود وظيفة جديدة تنتظره هنا. يقول نضال أنه يتعلم من تجارب الآخرين، ويعي بأنه كلما تأخر في العودة قلّت قدرته على الاندماج في بلاده، وفقد اتصاله بالسوق المحلي وحاجاته، بل وفقد علاقاته الضرورية للعمل في الأردن بحسب رأيه.

بعد أشهر من عودته، أسّس بالشراكة مع شخص آخر متجرًا إلكترونيًا يبيعان فيه المنتجات التي يصعب إيجادها في الأسواق التقليدية، ولكن البداية لا تبشّر بالكثير، فـ«السوق ميت هون.. الناس مش كثير بتدفع»، ومن الصعب أن يعتمد على هذا الدخل كدخل أساسي، والأصعب أن يقبل بوظيفة براتب كالذي كان يتقاضاه قبل سفره إلى السعودية بعد أن اجتهد في اكتساب خبرة «حقها فلوس».

لم يلاحظ نضال الكثير من التغييرات التي حدثت أثناء غيابه، فبالنسبة لسوق العمل «كان سيء وضل سيء (..) بس برضه زاد فرص، موضوع سوريا زاد لنا كثير فرص، كثير ناس عمالهم بيشتغلوا بالمنظمات غير الحكومية..»، ويضيف أن أسواقًا جديدةً ظهرت لتستوعب المزيد من الناس مثل التسويق الإلكتروني، وتصميم المواقع وغيرها. أما الغلاء، فذاك الذي شهد فرقًا شاسعًا يلمسه كل يوم، فيسأل نفسه متى أصبحت تشتري كيسًا من الخضار بدون فواكه بـ20 دينارًا؟ متى صرت تشتري إضافات «للطبخة» فقط بعشرة دنانير؟ أين هي وجبة الشاورما التي كنت تشتريها بدينار ونصف فقط؟

أحمد: «كل الدنيا بتشتغل براني»

كل ما كسبه طبيب الأسنان أحمد من عمله في السعودية هو أنه تمكن من الزواج وشراء أثاث جديد نقله من بيته في السعودية إلى بيته المستأجر في عمّان، بعد أن خرج بلا رغبة في العودة في منتصف عام 2017.

يقول أحمد الذي تخرّج في عام 2011، وبدأ يعمل في عيادات القطاع الخاص في الأردن أنه كان يتقاضى أجره بشكل يومي، وقد يصل في بعض الأشهر لما يزيد عن ألف دينار. ولكنه كان يستبعد أن يتمكّن من شراء أو حتى استئجار بيت في الأردن بهذا الراتب، ويقول أنه «كل طلعاتي بهذاك الوقت نطلع أنا وصحابي نشرب قهوة على جنب الطريق أو بالسيارة، مع ذلك ما كان يكفي، ما كنت اطلع أسهر أو أتعشى اشي فاخر».

كان يتأمل من العمل في السعودية أن يوفر له أي راتب، حتى وإن كان يساوي راتبه في الأردن، مقابل أن يمنحه السكن ليتمكّن من الزواج والعيش مع زوجته هناك. سافر أحمد إلى واحدة من مدن جنوب السعودية في عام 2013، وعمل بها لوحده لمدة سنتين قبل أن ينتقل للرياض ليعمل هو وزوجته في مركز خاص لطب الأسنان هذه المرة. بيد أن التجربة لم تكُن كما تصوّرها، فكانت الرواتب تأتي متأخرة، وقد يقبض راتب شهر آب في شهر كانون الثاني إلى جانب سوء معاملة الكفيل على حد قوله.

يذكر أحمد أنه «أي اشي بدك إذن من الكفيل..كان الكفيل شوي متحكم فينا أنا ومرتي، وكثير سيء معنا (..) كنا إذا بدنا نغير إشي نروح نترجاه، هو مش موجود في المركز هو صاحب شركات مستثمر نضطر نروح على مكان بعيد بشركته نقعد نستنى ساعتين عشان نقابله، كان فيها نوع من الإهانة فأنا خلص مش قادر أتحمل». كل هذه الظروف مجتمعةً إضافة إلى رغبته في التخصص دفعت أحمد للبحث عن بديل في الأردن، فبدأ بتقديم الامتحانات للاختصاص، وما إن وصله خبر النجاح حتى اتخذ الخطوة التي لطالما خطّط لها، خصوصًا بعد سفر زوجته للأردن للولادة.

يقول أحمد «لما عرفت أني ناجح، سحبت العفش جبته عالأردن (..) حكيتلهم أنا بكرة مش جاي لأني مريض، وجيت عالأردن (..) ما بقدر أحكيله أنا نجحت وبكرة بدي أروح، ممكن فجأة يلغي الخروج والعودة اللي معي». بعد عودته للاستقرار في عمّان، واجه أحمد صعوبة في البداية للتأقلم على نمط جديد من الحياة، حيث يتقاضى من المستشفى الذي يداوم به حاليًا 500 دينارًا شهريًا، يدفع منها 300 دينارًا للإيجار، ويضطر للعمل في عيادات أخرى لكسب ما يكفي عائلته على الرغم من أن هذا العمل ممنوع، ولكن «كل الدنيا بتشتغل براني» والظروف الاقتصادية لا تستثني أحدًا.

بالنسبة له، تكاليف المعيشة في عمّان كانت باهظة بشكل لا يُحتمل قبل أن يسافر، وها هي تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، فـ«الأكل كثير غلي، مطاعم، بنزين أغلى كثير، حسيت الفواتير عم تجي أرقام غريبة، ما كنت بعمري متعود عليها». على الرغم من هذه الصعوبات، لا يندم أحمد على قرار العودة فـ«الكرامة أهم إشي» بالنسبة له، وإن عاد وقرّر أن يغترب، فيسختار بلادًا تحترم كرامته!

خاتمة

لا توجد إحصائيات دقيقة حول أعداد العائدين إلى الأردن، ولكن كل من التقينا بهم إما يعرفون رفاقًا لهم في الغربة عادوا في السنوات الأخيرة أيضًا أو آخرين ينتظرون خبر إنهاء خدماتهم في أي لحظة. فهل يستوعب الاقتصاد الأردني هذه العقول ويستفيد منها أم أنها ستتكدّس في صفوف العاطلين عن العمل وتُصدّر مرة أخرى إلى وجهاتٍ جديدةٍ غير تلك التي عهدناها؟

____________________________________________________________________

*تم تغيير الأسماء في التقرير بناء على طلب من أصحابها.