كيف ينذر مشروع في الشونة الوسطى بفشل اللامركزية

700 ألف دينار صُرفت على سوق خضار لم يفتتح قط

كيف ينذر مشروع في الشونة الوسطى بفشل اللامركزية

الأحد 30 آب 2015

الأسبوع الماضي، أقر مجلس النواب قانون مجالس المحافظات الذي يعرف باسم قانون اللامركزية، والذي منح صلاحيات أوسع لمجالس محلية منتخبة الغالبية، تحديدًا في ما يخص المشاريع التنموية. لكن بعض المشاريع المحلية التي سلّط تقرير ديوان المحاسبة الأخير الضوء على فشلها تضع علامات سؤال حول إمكانية الاستفادة الفعلية من هذه الصلاحيات، في ظل إخفاقات متراكمة لا يبدو أن إصلاحها سيتحقق قريبًا.

صور حسام دعنة

بموجب المادة 119 من الدستور الأردني، سلّم ديوان المحاسبة في نيسان الماضي مجلسي الأعيان والنواب ورئاسة الوزراء تقريره السنوي الذي يراجع مخالفات المؤسسات الرسمية التي تقع تحت مظلته الرقابية. التقرير فحص مدى التزام المؤسسات الحكومية بتنفيذ المشاريع التي قدمتها في خططها السابقة، كما أظهر مشاريع حكومية رأسمالية أُدرجت في الخطط والموازنات وأنشئت على أرض الواقع دون افتتاحها أو الاستفادة منها. أحد أكبر هذه المشاريع كان سوق بلدية الشونة الوسطى المركزي للخضار، الذي أنجز قبل سنتين دون أن يفتتح حتى اليوم.

دراسة جدوى اقتصادية تشير إلى نجاح المشروع، ميزانية متوفرة، خمس سنواتٍ من الوقت، مجلس بلدي وكوادر بشرية مشتركة مع مؤسسة رسمية تنموية، جميعها لم تنجح بافتتاح سوق الشونة الوسطى. الاستيضاح رقم 196 الذي وجّهه ديوان المحاسبة لبنك تنمية المدن والقرى -المؤسسة العامة الرسمية المسؤولة عن تمويل المشاريع الإنتاجية للبلديات- يشير إلى أن البنك وقّع عام 2010 اتفاقية شراكة تمويلية مع بلدية الشونة الوسطى لإنشاء سوق مركزي للخضار ضمن حدود البلدية الواقعة في منطقة تصنفها التقارير الرسمية ضمن جيوب الفقر، وافتتاحه خلال ثلاثة أعوام من توقيع الاتفاقية بتكلفة حددها تقرير الديوان بنصف مليون دينار.

شونة

كان من «المخطط» أن يكون سوق الشونة المركزي مصدرَ دخل للبلدية التي تعاني منذ سنوات من «أوضاع مالية صعبة تحول دون تقديمها الخدمات الأساسية للسكان»، إضافة إلى توفيره لمئة فرصة عمل حسب تصريحات رسمية خلال إنشاءه، وتصريحات رئيس البلدية المتتالية التي كانت تؤكد على أن المشروع يمثل نقلة نوعية للبلدية، تماشيًا مع الخطاب الرسمي حول تعزيز الحكم المحلي اللامركزي وتحويل الدور البلدي من خدماتي إلى تنموي عبر المجالس البلدية المنتخبة.

يقول مدير العلاقات والإعلام في بلدية الشونة الوسطى حسن حسونة إن البلدية حصلت وعلى دفعات على قرض بقيمة 700 ألف دينار من بنك تنمية المدن والقرى، الذراع المالي لوزارة البلديات، وذلك بعد إتمام البنك لدراسة الجدوى الاقتصادية وموافقته على تمويل المشروع، لتشكّل البلدية عام 2010 لجنة إدارة السوق، وتباشر بالتنفيذ الذي استكمل في حزيران 2013، ويظل السوق مغلقًا منذ ذلك الوقت.

لكن رئيس بلدية الشونة الوسطى، إبراهيم العدوان، يرفض وصف المشروع بالفاشل. «نحن لم نفشل، ما زلنا نحاول، ونعمل على إنجاح المشروع».

«تآمر» من المنافسين؟

العدوان، وحسونة، ومدير السوق أسامة العدوان اتفقوا على تفسيرهم لما حدث: الأسواق المنافسة التي ستتأثر سلبًا بافتتاح سوق الشونة احتوت التجار وحرصت على عدم توجههم إليه. حسونة وصف هذا الاحتواء بـ«التآمر على نجاح السوق من قبل متنفذين»، مبررًا اشتعال المنافسة بأن موقع سوق بلدية الشونة الوسطى أقرب إلى المزارعين من سوقي عمان المركزي التابع لأمانة عمان الكبرى، وسوق العارضة التابع لبلدية المعدي.

لكن الميزة الأهم التي يملكها سوق الشونة الوسطى أمام سوق عمّان المركزي هي اختلاف الرسوم المستوفاة من التجار بحسب نظامي السوقين. فالنظام الساري في سوق عمّان حدد الرسوم التي تستوفيها الأمانة بعشرة دنانير عن كل طن خضار و15 دينار عن كل طن فواكه. في المقابل، يستوجب النظام الساري في أسواق البلديات ومن بينها سوق الشونة الوسطى استيفاء ست دنانير عن كل طن خضار و12 دينارًا عن كل طن فواكه.

مدير السوق أسامة العدوان قال إن تدخل الأمانة وصل إلى حد عرض مدير سوق عمان المركزي للخضار والفواكه، عبد المجيد العدوان، أن تستأجر الأمانة سوق الشونة مقابل مبلغ يصل إلى أضعاف الأجرة المستوفاة حاليًا. ردًا على ذلك، قال مدير عبد المجيد العدوان لحبر باقتضاب «أن الموضوع لم يتم طرحه خلال الفترة الأخيرة … من الممكن أن يكون هذا العرض قد طُرِح ولكن ليس من قبلي».

ورغم عدم افتتاح السوق، إلا أن البلدية تمكنت من تأجير بعض مرافق السوق المتعثر. حسونة أوضح أن معظم من تأجروا تلك المرافق هم من صغار التجار أو المواطنين الذين يشغلون المخازن الحالية دون افتتاحها «طمعًا بالخلو المرتفع على غرار الأسواق الأخرى، آملين افتتاح السوق بداية الموسم القادم».

وبحثًا عن سبل للتحقق من رواية البلدية، اتجه حبر إلى رئيس ديوان المحاسبة مصطفى البراري، لكنه أوضح أن الديوان لا يناقش أي استيضاحات فردية مذكورة في تقريره «إلا مع المؤسسات الرسمية المختصة، وذلك لتعزيز المسائلة العامة عبر مخرجات الديوان الرقابية».

مصير المشروع أم مصير البلدية؟

بمعزل عن مدى وضوح تفسيرات بلدية الشونة الوسطى لتعثر المشروع، فإن الأضرار الناتجة عن هذا التعثر تتعدى إهدار قيمة الاستثمار وعدم الاستفادة من السوق إلى خسائر مالية كبيرة قد تلحق بالبلدية، بحسب الاتفاقية الموقعة بينها وبين بنك تنمية المدن والقرى.

يقول مدير البنك في البلقاء خالد الزعبي إن «مصير المشروع معتمد على استغلال البلدية للفرصة (الأخيرة) المقدمة من قبل بنك تنمية المدن والقرى».

فعلى الرغم من اقتراح إدارة البنك بفسخ اتفاقية الشراكة مع بلدية الشونة في هذا المشروع، يقول الزعبي إنه طلب من الإدارة إعطاء البلدية فرصة أخيرة حتى الموسم الزراعي القادم نهاية العام الجاري، وفي حال عدم افتتاح المشروع حينها سينهي البنك الشراكة بينه وبين البلدية، بالاستناد للمادة 17 من الاتفاقية والتي توضح عواقب عدم اكتمال تنفيذ المشروع بصورة تسمح بتشغيله وجلب إيرادات منه خلال ثلاث سنوات من تاريخ البدء بالتنفيذ.

المادة 14 من نفس الاتفاقية تعتبر رصيد المشروع غير المسدد ذممًا واجبة السداد فورًا بضمانة ودائع البلدية الموجودة لدى بنك تنمية المدن والقرى، مضاف إليها ما نسبته 25 بالمئة من مجمل النفقات. الزعبي أشار إلى أن بنك تنمية المدن والقرى هو صاحب السلطة على حساب البلديات، ما يمكّنه من سحب ما يترتب على البلدية بمقتضى التشريعات والقوانين، وهو ما قد يعني في حال تنفيذه إفلاسًا محققًا للبلدية.

لكن حتى في حال نجاح البلدية في افتتاح السوق، سيبقى المشروع مهددًا بالفشل، في تضارب يسلط الضوء على سوء التنسيق بين المؤسسات الرسمية. فالبرنامج التنموي للأغوار للأعوام 2012-2014، يؤكد أن وزارة الزراعة ستنشئ سوقًا مركزيًا في منطقة غور الصافي، خصص له ما يتجاوز المليوني دينار، بالإضافة إلى تكملة سوقين مركزيين في بلدية معاذ بن جبل وبلدية شرحبيل بن حسنة. تعليقًا على هذه المشاريع، يقول حسونة أن بلدية الشونة الوسطى اقترحت مشروع سوقها معتمدة على المناطق المجاورة، وأنه في حال افتتاح هذه الأسواق لن يكون لسوق الشونة الوسطى أي فائدة تذكر.

بنك تنمية المدن والقرى والبناء فوق الرمال المتحركة

يعدُّ بنك تنمية المدن والقرى المؤسسة المصرفية التنموية العامة الموجهة خصيصًا لمساعدة البلديات في تحديد أولويات المشاريع الإنتاجية في ضوء جدواها الاقتصادية، والمساهمة في رأسمال هذه المشاريع.

في حالة الشونة الوسطى، يقول حسونة إن «دور البنك اقتصر على التمويل ومن ثم التحذير من الخسائر التي ستترتب على البلدية في حال عدم نجاحها بافتتاح المشروع»، منذرًا أن ما يهدد به البنك من فض الشراكة وسحب ما أنفق على المشروع من حساب البلدية، سيؤثر سلبًا على منطقتهم التي تعاني أسوأ درجات الفقر، ومؤكدًا أن المجلس البلدي لم يتوصل إلى أي حلول لتشغيل المشروع.

IMG_3883في الوقت نفسه، ظهرت العديد من الانتقادات في تقرير إعادة هيكلة بنك تنمية المدن والقرى نفسه، تطرقت إلى «عدم جاهزية مجلس وكوادر البنك أو البلديات للتعامل مع المشاريع الاستثمارية والتنموية».

تقرير إعادة الهيكلة الذي جاء بطلب وتمويل من البنك الدولي ووكالة الإنماء الفرنسية، ذهب أيضًا إلى أنّ «النشاط الاستثماري يجب أن يتم من خلال دائرة أو جهة متخصصة وليس كما هو الوضع عليه حاليًا، حيث تم دمج النشاط الإقراضي والنشاط الاستثماري في دائرة واحدة مع ضعف المؤهلات المطلوبة، رغم اختلاف طبيعة قرارات كل منهما».

سوق الخضار ليس أول مشروع بين بلدية الشونة الوسطى وبنك تنمية المدن والقرى، ولا أول حالة فشل.

عام 2008، أنشأ بنك تنمية المدن والقرى مسلخًا تابعًا لبلدية الشونة الوسطى بكلفة بلغت 600 ألف دينار. هذا المشروع وبحسب بلدية الشونة الوسطى مغلق ولا يعمل، بل ولم يتم افتتاحه حتى يومنا هذا.

يقول حسونة إن المسلخ الذي أنشئ كمنحة من بنك تنمية المدن والقرى للبلدية لم يكن أصلًا مطلبًا للبلدية. «تفاجأنا بحجم المشروع الذي لا يتناسب مع مدينتنا الفقيرة، فمشروع كهذا لا وجود له إلا في بلديات كبلدية إربد التي يُذبح فيها أكثر من 200 رأس من الأغنام في اليوم، ولم نتوقع فائدة منه في بلدة فقيرة مثل بلدتنا، التي تستعمل حاليًا مسلخًا صغيرًا غير صحي».

وبحسب حسونة، تم تزويد مشروع المسلخ بمعدات متطورة وصفها بـ«الثمينة»، ولم يتم استخدامها بسبب كلفة التشغيل المرتفعة جدًا. لتتفاجئ بلدية الشونة الوسطى بعد ذلك بوزارة البلديات تُفرغ المشروع، ليبقى المبنى خاويًا دون استخدام.

مشروع مخازن السوق الشعبي، الذي تسلمته بلدية الشونة الوسطى عام 2008، يمثل حالة أخرى على هذه المشاريع سيئة التخطيط. إذ يظهر  تقرير مسح مناطق جيوب الفقر في البلقاء الذي نفذته وزارة التخطيط، أن الوزارة أنفقت 140 ألف دينار على المشروع، لكنه حمّل البلدية عبئًا ماديًا بدلًا من مساعدتها في تطوير نفسها. يقول حسونة: «تسلمنا السوق المركزي من الوزارة، وتفاجأنا أن المخازن صغيرة جدًا ولا يمكن أن تكفي حتى لبقالة صغيرة. لم يتقدم لإستئجارها أحد، ما اضطرنا تخفيض قيمة الأجرة إلى 25 دينارًا لكل مخزن، وإعفاء من يشغلها من كلفة التيار الكهربائي. تم تأجير نصف المخازن تقريبًا، لكن البلدية تدفع كل شهر مبالغ مالية لتشغيل السوق بشكل متواضع وضمان عدم إغلاقه».  

تحميل البلديات ما لا تحتمل

يرتبط مصير المشاريع البلدية الرأسمالية المتعثرة، بالأنظمة والقوانين التي تحدد الجهات التي تديرها وطبيعة هذه الإدارة. خلال النقاشات التي دارت حول مشروع قانون البلديات في مجلس النواب -قبل أن يقره ويرفعه لمجلس الأعيان الذي ما زال يناقشه- كانت وزارة البلديات تحرص على جلد الذات وإعلان الوضع الحقيقي للبلديات وحاجتها للتغيير، كما هو الحال في تصريحات سابقة لوزير البلديات وليد المصري بأن «96 بالمئة من الكوادر البلدية لا يحملون شهادات جامعية»، وأنّ أغلبهم لم يكمل تعليم المرحلة الثانوية. لكن بعد أن أقر النواب اشتراط الشهادة الجامعية لرؤساء البلديات والثانوية العامة للأعضاء، شطبت اللجنة المشتركة لمجلس الأعيان هذا البند، معتبرةً إياه قيدًا على حرية المواطنين في انتخاب من يمثلهم.

الباحثة سابينا جورج قدمت مؤخرًا أطروحة الدكتوراة الخاصة بها حول الحكم المحلي ومشاريع البلديات التي ينشئها أو يمولها بنك تنمية المدن والقرى. تقول جورج أن بعض المسؤولين «لم يتنبهوا أنهم وبمحاولاتهم للمساعدة، حمّلوا البلديات خسائر مالية وأضعفوها ماليًا»، الأمر الذي انعكس على مستوى الخدمات التي تقدمها تلك البلديات، لتتمخص محاولات منح البلديات دورًا تنمويًا عن إضعاف لدورها الخدماتي دون تنمية تذكر.

وترى جورج أنّ ما تم في بلدية الشونة الوسطى، هو اعتماد على المجتمع المحلي في تحديد المصير التنموي دون توفر الصلاحيات أو الخيارات التي تمكن المجتمع المحلي من النجاح في ذلك. وتضيف أنه في حال توفر الصلاحيات، يجب أن تتم الإدارة المحلية تحت رقابة جهات رسمية مختصة في إدارة المشاريع التنموية، وأن توضع قوانين تكفل توظيف الكوادر البلدية المؤهلة لأداء مهامها بشكل سليم، لأن التجربة غير المؤهلة ستعرض المال العام والواقع البلدي لخطر سوء الإدارة والتنفيذ.