القناة الخلفية بين السعودية وسوريا لإنهاء الحرب

الإثنين 24 آب 2015
روسيا السعودية

ج. ماثيو مكينيس وآندرو بوين*
ترجمة دعاء علي

(نشر هذا المقال بالإنجليزية في مجلة فورين بوليسي، في 17 آب).

عقب الاتفاق النووي الذي عقدته إيران وست قوى دولية، قدمت عدة دول ذات مصالح في الحرب الأهلية السورية مبادراتٍ لإنهاء النزاع مسدود الأفق. ورغم أن المفاوضات بين تركيا وروسيا وإيران والولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي تجري سرًا منذ أشهر، إلا أن استعداد موسكو وطهران مؤخرًا للانخراط في هذه المسألة زاد من اهتمام نظام الرئيس بشار الأسد بما يُطرح على الطاولة من مقترحات.

بهدوء، زار علي مملوك، رئيس مكتب الأمن القومي السوري، كلًا من جدّة ومسقط نهاية تموز الماضي، وفقًا لمصادر في السعودية وأخرى مقرّبة من نظام الأسد. هذه الزيارة هي أول مرة تدعو فيها السعودية وعُمان مسؤولًا سوريًا رفيع المستوى إلى الخليج لمناقشة تسوية سياسية. وعقب زيارة مملوك، زار وزير الخارجية السوري وليد المعلم مسقط بصفة رسمية مطلع آب الحالي، ليلتقى بوزير الخارجية العُماني ويناقشا، وفقًا لوسائل إعلام حكومية سورية، “الجهود البنّاءة لوضع حد للأزمة في سوريا … والحفاظ على سيادة ووحدة وسلامة الأراضي السورية”.

وفق محادثات مع من كانوا على صلة بزيارتيْه، فقد وصل المملوك إلى جدّة ومسقط ليستكمل نقاش مقترحاته لإنهاء الحرب الأهلية. هذه النقاشات التي كانت سرية في السابق امتدت بضعة أشهر على الأقل. ورغم ضغوط من موسكو، لم تأخذ الرياض ولا طهران هذه المقترحات بجدية حتى اللحظة، وهما تنتظران الآن على أمل أن تجلب لهما الأحداث على الأرض تسوية أفضل.

مفاوض الأسد

سعى علي مملوك باكرًا، منذ عام 2012، لدراسة خيارات مختلفة لإنهاء الحرب الأهلية السورية. وامتدت جهوده بين استكشاف إمكانيات وقف إطلاق النار في مناطق معينة، إلى لقاء أعداد محدودة من أعضاء المعارضة بهدوء. كما بحثَ مبادرات دبلوماسية مع جيران سوريا ومجلس التعاون الخليجي، بما فيها اللقاءان الأخيران في جدّة ومسقط.

يخشى مملوك وغيره من أن يكون اعتمادهم على طهران في خوض هذه الحرب قد كلّفهم الكثير.

في مقابلات مع أشخاص عملوا مع مملوك في مواقع مختلفة في دمشق، وُصف المسؤول الاستخباراتي السوري بأنه مفكرٌ استراتيجي يمهر في إدارة عمليات الأمن القومي لنظام الأسد بما تتضمنه من شبكة معقدة من الأجهزة الأمنية المتنافسة. ورغم تكهنات صحفية بأن مملوك وُضع تحت الإقامة الجبرية لأنه تفاوض بما يتعدى صلاحياته أو بأنه قد فرّ إلى تركيا، فإنه يظل مؤتمنًا مقربًا من الأسد، كما يظل بعيدًا عن حلبة الخصومات المتعاظمة داخل الدائرة الضيقة حول الأسد.

لدى هذا المسؤول الاستخباراتي أسبابه للدفع نحو مفاوضات تنهي النزاع، وهذه الأسباب تتعدى خسائر النظام على أرض المعركة. فقد عبّر مملوك – إلى جانب مسؤولين سوريين عسكريين وأمنيين واستخباراتيين كبار – لأشخاص تمت مقابلتهم لأغراض هذا المقال عن قلقه المتزايد من الهيمنة التي تبسطها إيران على الدولة السورية. في هذه اللحظة، ما من قرار استراتيجي أو عملياتي رئيسي في أيدي هؤلاء المسؤولين، فضلًا عن أن يكون في يد الأسد. ويخشى مملوك وغيره، كما نُقل عنهم، من أن يكون اعتمادهم على طهران في خوض هذه الحرب قد كلّفهم الكثير، بتقليصه دور القيادة السورية في رسم مستقبل بلدها، وليس بوسع الأسد تجاهل هذه المخاوف.

مطلع الشهر الحالي، أقر الأسد بالإنهاك المتزايد الذي يسببه القتال للجيش السوري، ملمحًا إلى أن الجيش قد يضطر للانسحاب من مناطق معينة. وبحسب ما أشارت إليه مصادر في دمشق في الأسابيع الأخيرة، فإن جهود تركيا الأخيرة لإقامة منطقة آمنة في شمال سوريا، ومكاسب الدولة الإسلامية في البلد، وتحركات المليشيات المعارضة نحو معقل العلويين، جعلت النزاع يزداد خطرًا على النظام (رغم أنه يظل مقدورًا عليه، بتقديرات الأسد).

الرياض لا تزال قلقة

رغم أنه هذه الفورة في النشاط الدبلوماسي هامّة، علينا ألا ننجرف في التنبؤات حول تأثيرها على الحرب ذات الأعوام الأربعة.

في اجتماعه في جدّة، ناقش مملوك مع مسؤولين سعوديين رفيعي المستوى إمكانية بدء عملية سياسية، توقف السعودية على إثرها دعمها للمعارضة السورية المسلحة، وتلتزم دمشق في المقابل بعملية غير واضحة تقود إلى إنهاء الحرب الأهلية وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية برعاية الأمم المتحدة. ثم يقود حل كهذا إلى تشكيل الطرفين جبهةً موحدة لمحاربة الدولة الإسلامية. وفي المقابل، طالب المسؤولون السعوديون بأن تسحب إيران مليشياتها الوكيلة من سوريا.

لم تَخُض النقاشات في تفاصيل تنفيذ اتفاق كهذا، ولا تزال هنالك فجوات كبيرة بين الطرفين. وعلى نحو هام، لا يزال من غير المعلوم مستوى التأثير الإيراني الذي سيكون مقبولًا بالنسبة للسعودية وحلفائها، وموقع الأسد في تسوية كهذه.

مدى جدية الرياض في السعي نحو تسوية كهذه لا يزال أيضًا محل تساؤل. في مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قبل أسبوع، شدّد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير على أن الأسد لا يمكن أن يكون جزءًا من حل سياسي في سوريا.

لا يزال من غير المعلوم مستوى التأثير الإيراني الذي سيكون مقبولًا بالنسبة للسعودية وحلفائها، وموقع الأسد في تسوية كهذه.

تبدو دعوة المملوك إلى جدّة، في ضوء ذلك، أقرب إلى مؤشر على رغبة الرياض بأن ينظر إليها بوصفها شريكًا بنّاءً في جهود موسكو الدبلوماسية المستأنَفة. سافر لافروف مطلع آب إلى قطر للقاء وزير الخارجية الأمريكي جون كيري والجبير، بينما عقد المبعوث الروسي الخاص إلى الشرق الأوسط، ميخائيل بوغدانوف، اجتماعات في طهران. لكن منذ زيارة وزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان إلى موسكو الشهر الماضي، أصبح لدى الرياض أوراق لعب أفضل، خاصة مع التدخل الأمريكي-التركي الأخير في شمال سوريا ومع الجهود المتزايدة لتدريب المعارضة السورية ولقتال الدولة الإسلامية.

لا ينبغي التغاضي عن زيارة مملوك إلى عُمان أيضًا. فبحسب مصدر قريب من هذه المفاوضات المستمرة، التقى مملوك بمسؤوليْن خليجييْن رفيعَيْ المستوى مسؤوليْن عن شؤون أمنية لمناقشة علاقة السعودية والإمارات بعشائر سنية بارزة في سوريا. هذه المبادرة منفصلة عن المقترح الذي نوقش في جدّة، والمفاوضات – التي جرت لما يزيد عن ستة أشهر – شملت ممثلين عشائريين سنيين سوريين، وممثلين عن عشائر في الإمارات، ومسؤولين سعوديين وخليجيين. هذه المباحثات ركزت على التوصل إلى حل سياسي، لكنها لم تصل إلى نتائج ملموسة حتى الآن. وعبّر زعماء عشائريون سنيون سوريون سرًا عن قلقهم من دور إيران المتعاظم في شؤونهم، وعن نظرهم إلى التعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي على أنه سبيل محتمل لاحتواء تأثير إيران في الدولة.

تمثل هذه المفاوضات كذلك محاولة أخرى من الأسد لاستكشاف فرص الحل السياسي، لكن ليس للالتزام بهذا المسار بالكامل. حتى وإن كان الأسد على استعداد لقبول بعض شروط مجلس التعاون الخليجي في أي من هذه المبادرات، فليس بوسعه أن يفعل ذلك دون رضا طهران.

المشهد من طهران

لم تدعم طهران علانيةً أيًا من مبادرات مملوك. وبدلًا عن ذلك، أعلنت إيران مؤخرًا عن مبادرة موازية ستُقدم قريبًا للأمم المتحدة، تقترِح وقفًا لإطلاق النار يمهّد لحكومة وحدة وطنية. يؤشر هذا المقترح إلى أن طهران قد تكون على استعداد لدراسة اتفاق يضمن مصالحها ويقدم بعض التنازلات لمجلس التعاون الخليجي، لكن دون أن يذهب إلى حد تلبية المطالب التي عبّر عنها السعوديون لمملوك في جدّة الشهر الماضي.

إن هدف إيران الأساسي هو الحفاظ على شكل ما للدولة السورية على الأقل، بما يمكّنها من مواصلة دعمها لحزب الله وباقي شبكتها الوكيلة التي تستهدف إسرائيل.

وعلى الرغم من صعوبة موقف الأسد العسكري حاليًا، فإن الوضع ليس بالسوء الكافي لإجبار إيران على اتخاذ الخيارات الأصعب. لا تزال القوات الحكومية تسيطر على أراضٍ محورية في دمشق وفي أنحاء غرب سوريا، ولا يزال بوسعها الاعتماد على الدعم العسكري من إيران وحزب الله. وعلى الأغلب، سيمكّن تدفق المصادر الجديدة جرّاء الاتفاق النووي الأخير طهران من المماطلة أكثر، بغض النظر عن آمال واشنطن أو موسكو.

إن هدف إيران الأساسي هو الحفاظ على شكل ما للدولة السورية على الأقل، بما يمكّنها من مواصلة دعمها لحزب الله وباقي شبكتها الوكيلة التي تستهدف إسرائيل. وهذا ليس مجرد التقاء مصالح، بل هو مسألة وجودية بالنسبة لإيران. فحزب الله قد يعدّ أهم عقبة لدى إيران أمام إسرائيل والغرب، ومن شبه المستحيل أن تستطيع إيران دعم المنظمة الشيعية دون نفاذ إلى مطار دمشق و خطوط الإمداد التي تعبر الحدود السورية إلى لبنان.

ومن غير المحتمل أبدًا أن تتخلى طهران عن الجيش الشيعي متعدد الجنسيات الذي شكّلته من وحدات من حزب الله، ومجموعات محلية شبه مسلحة، ومليشات شيعية من مختلف أنحاء المنطقة. فهذه القوة ليست ضرورية لصراع طهران حفاظًا على دورها في سوريا والعراق فحسب، بل تمنحها أيضًا حاجزًا أمام ما تراه سياسة خارجية إقليمية سعودية تزداد عدوانيةً.

إلى أن تتوصل طهران والرياض إلى اتفاق يرضي مصالح الطرفين، يظل أي حل دبلوماسي للأزمة السورية بعيد المنال. ورغم هذه الطفرة الدبلوماسية، لم يصل أي من الطرفين بعد إلى نقطة تحول تجعل الحل ممكنًا.


* ج. ماثيو مكينيس هو زميل مقيم في مؤسسة أمريكان إنتربرايز، ومسؤول كبير سابق في وزارة الدفاع الإمريكية.
آندرو ج. بوين هو زميل رفيع المستوى في مركز المصلحة الوطنية الأمريكي ومدير دراسات الشرق الأوسط فيه.

الصورة أعلاه من لقاء وزير الخارجية السعودية عادل الجبير بوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في قطر مطلع الشهر الحالي.