العَلمانية: معالم نظرية لفصل الدولة عن الدين في النموذج الفرنسي

الإثنين 06 تشرين الثاني 2017

تؤكد الموسوعة العالمية الفرنسية بأن الشكل التفاعلي الذي نسميه اليوم بعَلمانية الدولة، هو ظاهرة خاصة بالغرب، وعلى وجه الخصوص هو قلق يشغل بال فرنسا، التي أنتجت النسق العلماني وطبّقته في مستعمراتها. ولمناقشة هذا التأكيد سنعمل هنا على تقديم مقاربة نظرية لمفهوم العَلمانية وتطوره من خلال المدرسة والنموذج الفرنسي؛ على أن نعود في مقالة أخرى لمناقشة أزمة هذا التصور المتجاوز حاليا، خاصة مع تحوّل المجتمع الفرنسي لمجتمع متعدد الأديان.

تطوّر المذهب العلماني تاريخيًا بشكل واضح في وجه الكنيسة الكاثوليكية، بسبب مركزيتها وصرامة عقائدها وأخلاقها وتربيتها، حيث نجد في بعض الإصلاحات غلبة إرادة ومذهبية مؤسسة على الانقياد والخضوع تجاه الدولة، ورفض الدولة لكل انقياد تجاه الكنيسة في معناه العام هو العَلمانية. ومصطلح العلمانية (laïcité) هو اختراع فرنسي وحالة خاصة بتعبير فيلسوف العلمانية، جون بيبيرو. أمّا من الناحية التاريخية فيعود الفضل إلى فرديناد بوسون في إعطاء الأهمية لهذا المصطلح الحديث عبر نشره لمعجم بيداغوجي من سنة 1882 إلى سنة 1887. في تعريف صاحب المعجم للعلمانية (laïcité) قدّم المصطلح تقديمًا مهمًّا لكون هذا اللفظ الجديد هو الوحيد المناسب لإعطاء القيمة وإعادة تأهيل التعليم الأولي، تطبيقا لشعار الجمهورية للجمهوريين. ويسجل بوسون كذلك انتقال أعمال العلمانية إلى مجالات أخرى غير المدرسة، خاصة تلك المتعلقة بتشابك الصلاحيات في جميع الميادين، وتابعية جميع السلط للسلطة الدينية.

من هنا يتضح أن هذا المسار التاريخي للعلمانية سيمنحها ازدواجية في التعريف، إذ يمكن القول أنها تلك العملية الإصلاحية التي نحّت الكنيسة والدين عن التعليم. وهي كذلك تلك العملية السياسية التي أنهت تبعية السلطة الدنيوية لسلطة الكنيسة. من جهة أخرى، يقدّم موريس باربيه تاريخًا آخر لظهور مصطلح (laïcité) يخالف ما قدمه جون بوبيرو، حيث ذهب إلى أن أول استعمال لهذا المصطلح يرجع بالضبط إلى 11 تشرين الثاني\نوفمبر 1871 بجريدة «الوطن»، حيث جاء على إثر نقاش حول علمنة التعليم، لينتقل المصطلح إلى موسوعة لاروس لسنة 1873.

وفي سنة 1877 عرّف معجم ليتري العلمانية بأنها ميزة ما هو لائكي (Laïque)، وسمات الشخصية اللائكية. ويعطي مثالًا لتقريب فهم ما يعنيه بالعلمانية (laïcité) بعلمانية التعليم (laïcité de l’enseignement). ونشير هنا إلى أن علمنة التعليم تمت منذ 1879.

أما مصطلح (Laïque) فقد عرّفه أرسن ميوني منذ سنة 1861 على الشكل الآتي: الدولة اللائكية، أو التعليم اللائكي هي/هو الخالي من كل دين يقيني، إن هذا المصطلح يدل على كوْن التعليم لادينيًا ومجرّدًا من كل دين يقيني.

يقدّم معجم لو بوتي لاروس الموسوعي اللائكية (Laïque) بكونها خاصّية للعلمانية (laïcité)، ومستقلّة وغير موالية للتصوّرات الدينية. لكنه في المعنى الثاني للعلمانية يجعل منها نسقًا يستبعد الكنائس من ممارسة السلطة السياسية أو الإدارية، وفي بناء التعليم العام. أما اللائكية فيرجعها إلى أصلها اللاتيني (laïkos) وتعني ما يمتلكه الشعب وما لا يمتلكه رجال الدين. وفي التعريف الثاني، يقول أن (Laïque) متعلقة بـ(laïcité)، كما يقدم (Ecole laïque) بأنها مدرسة منظمة للقواعد وقيم (laïcité) أي العَلمانية، مع وجوب الحياد المذهبي، لينهي التعريف بالقول، هي كل ما هو خارج عن الدين والشعور الديني، وهذا التصور الغارق في التعميم، قد يصل إلى درجة ما يطلق عليه الخرافة العلمانية.

على ضوء هذا التداخل بين العلمانية واللائكية. يقدم الفيلسوف روني كبيتان تعريفًا للعلمانية أكثر وضوحًا، حيث «يعتبرها تصورًا سياسيًا، يطبّق الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع الديني، فالدولة لا تمارس أية سلطة دينية، كما لا تمارس الكنائس أي سلطة سياسية».

يمكن القول، أن العَلمانية من خلال التجربة الفرنسية متوقفة بالضرورة على العِلمانية، بكسر العين، (Laïcité)، سواءً أكانت تصورات تجريدية أم سلطة ونظامًا سياسيًا. ومن خلال هذه الازدواجية التي وسم بها كل من لفظي اللائكية والعلمانية، نستطيع التأكيد مع جون بوبيرو أن علمانية المدرسة (la laïcité scolaire) تعني نهاية بناء الأخلاق الدينية، وتعويضها بأخلاق بدون الله وهي الأخلاق اللائكية. ومن الواضح جدًا أن هذه التعاريف لا توضّح التمايز المفترض القائم بين (Laïque) و(laïcité)، وبما أن الخلط والازدواجية واقع منذ «الآباء الأولين»، أفيمكن القول أن التمييز القائم بين العلمانية واللائكية وظيفي مجالي، أم أن الأولى احتوت الثانية، بوصفها جزءًا منها، وهل يمكن فعلًا تجاوز هذا الاضطراب والغموض في المفهوم؟

في سبيله إلى تقديم رؤية واضحة من الزاوية السوسيولوجية، يرى زبورنوف بوريكو العلمنة بصفتها معيارًا للحداثة، فهي على وجه الدقة لا تعني وجود أو غياب أي إيمان أو عدم الإيمان بصورة خاصة، إنها -يضيف المعجم النقدي لعلم الاجتماع- «الفصل القائم بين الكنيسة (وكذلك الدولة) ومن جهة أخرى مؤسسات البحث والتعليم»، ويبدو أن هذا التعريف يتجاوز الرؤية الكلاسيكية التي تُبقي الدولة في حالة حياد تجاه الحاجات الطبيعية الدينية للإنسان، يتجاوزها إلى عملية إحلال لتصور شامل يمثّل الدولة مكان سلطة الرقابة المقدّسة المرفوعة في وجه المجتمع من طرف الكنيسة.

وما يؤيد هذا الرأي، استحضار المعجم، للتاريخ المسيحي الذي عرف منذ الكنائس الرومانية صراعًا حول ممارسة الإشراف على السلطة السياسية؛ «وعلى المؤسسات التي تتكوّن فيها المعرفة وتنتشر عبرها بأشكال مختلفة». وللدفاع عن هذا التعريف، يعود بنا المعجم إلى الأساس المرجعي، ليؤكد أن فشل الدعوات الإكليركية، وممارستها على المستوى السياسي والإشراف المعرفي، تكمن في كلمة المسيح «أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله». وعطفًا على ما سبق يقدّم المعجم النقدي لعلم الاجتماع العلمانية بكونها:

  1. لا تتعلق فقط بالعلاقات بين الكنيسة والدولة، بل أيضًا بالعلاقات بين المعرفة الوضعية والكنيسة.
  2. أن قولة المسيح «أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، حالت دون مطالبة الكنيسة بإخضاع الشأن الزمني للروحي بصورة كاملة.

وهكذا تعزز التعريف الكلاسيكي للعَلمانية، بآخر يذهب إلى فصل المؤسسات التعليمية كيف ما كانت عن الكنيسة، تستعمل كلمة كنيسة (l’église) وليس الدين (Religion)، وهذا التصور المرتبط بظروف تاريخية ناصره ودافع عنه بعض علماء السياسة والقانون الدستوري، من بينهم (Olivier Duhamel et yves Mény). وهذه الصيغة من العلمنة التي تعتبر المدرسة العلمانية قنطرة أساسية في تأسيس الوحدة الوطنية وبناء الدولة. وبناء عليه نجد أن ما تميّزت به العلمانية من «توجه مناهض للإكليركية، فإن هذا التوجه سببه خاصية الآونة -الزمن- التي رفعت الكنيسة إلى قدرة خاصة مزودة بشكل أفضل من غيرها، مطالبة بحق خاص في الشأن التعليمي».

هذه القاعدة الخاصة بالعلمانية الفرنسية -قاعدة مناهضة الكنيسة- تجعل من العلمانية حركة ومدرسة محاربة للدين. في الوقت الذي أصبح فيه النموذج الفرنسي دولة علمانية تتدخل في تدبير، وتأطير ما هو ديني، من خلال تعيين الرئيس الفرنسي لرؤساء بعض الكنائس والموظفين الدينيين، «بل هي منتجة للدين»، من خلال سيطرة الدولة على التأطير الديني الإسلامي وتدخلها فيه، من جهة البرامج والمراقبة المباشرة.

وللإمساك بماهية العلمانية سنترك المعجم الدستوري الفرنسي يقدّم لنا تعريفه لها. فهو يبتدئ كغيره من الكتابات الأكاديمية الفرنسية بإرجاع العلمانية إلى أصول مسيحية، فيقول: «العلمنة نظام قيم قام شيئًا فشيئًا في منطوق الثقافة المسيحية الرومانية [يقصد قول المسيح] لكي يؤكد أولا تميز المجال الزمني بالنسبة إلى المجال الروحاني…»، بعد ذلك ينتقل المعجم إلى مرحلة يسوي فيها من حيث المصدر بين العلمنة واللاهوتية. ويتحدث عن الازدواجية التي يتمتع بها كل منهما، وهو ما يجعل النصرانية قابلة للذوبان؛ لأنه يسوسها القانون الموحى به حصريًا، أما القضايا المتعلقة بالإنسان فتعود للقانون الطبيعي.

إذا كانت الدولة الدينية تعني الحكم باسم الله، فإن الدولة العلمانية تعني الحكم باسم السلطة المعرفية الوضعية المادية.

مع القرن التاسع عشر، كانت العلمانية تعني تدبير الشأن العام مع كامل التحرر من القيود، خاصة قيود الكنيسة المناهضة للمساواة والمواطنة، وفكرة السيادة بصفة عامة. لكن المعجم  الدستوري سرعان ما ينتقل للحديث عن العلم الأخلاقي العلماني، الذي يجعل الفرد لا يخضع إلا لتبعية الدولة، رافضًا أي معتقد يجعل من الشخص كائنًا متساميًا. ومن هنا «يحذر ثقل الدين وثقل الماورائية معًا»، ليعيش الفرد في أرضه «المعقلنة». وفي إطار هذه «العلمانية الشمولية»، يتحدث المعجم عن «وجوب تحرير الإنسان وتأهيل المواطن، بأن يمارس بشكل حيادي خارج أي رقابة ذات امتياز يمارسها قسم من المجتمع».

وإذا كانت اختيارات الأفراد أو الفرد اختيارات دينية، فكيف يتحرك الفرد داخل الاجتماع البشري الذي يعيش فيه؟ جواب المعجم على هذا السؤال كان حادًا وصارمًا صرامة العلمانية الفرنسية عينها؛ بحيث ذهب المعجم إلى طرحٍ صعب التحقق إن لم نقل مستحيلًا؛ فالموظف داخل أجهزة الدولة، أو غيره يلزمه المبدأ العلماني بالحياد، تجاه المعتقدات الأخرى جميعًا، والانتماءات الوسيطة الأخرى كافة؛ والحقيقة أن فكرة الحيادية المتبناة من طرف العلمانية مثالية لأساسين:

الأول معرفي: يرجع بنا إلى صراع الكنيسة والحركة العلمانية حول التعليم ومؤسسات المعرفة، فالسلطة المعرفية في حالة قيام الدولة العلمانية هي القاعدة الخلفية لدوام المرجعية الوضعية؛ ذلك أن المؤسسة التعليمية ستكون بالضرورة أشد المدافعين والناشرين للعلمانية من خلال التنشئة السياسية، والثقافة السياسية المبثوثة وسط المناهج التعليمية. فإذا كانت الدولة الدينية تعني الحكم باسم الله، فإن الدولة العلمانية تعني الحكم باسم السلطة المعرفية الوضعية المادية.

والثاني يتعلق بالحياد المطلوب: فهو حسب المعجم حياد تجاه المعتقدات الأخرى جميعًا، والانتماءات الوسيطة الأخرى كافة، وبهذه الحمولة يفقد الحياد معناه أصلا، لأنه من جهة حياد وفق رؤية وفلسفة للحياة هي العلمانية. ومن جهة أخرى صعب التحقق خاصة عند وجود مرجعيات أخرى غير المرجعية العلمانية عند الفرد أو الجماعة.

إن الحياد هنا يعني بالضرورة الدفاع عن التصور المنطلق منه، أضف أنه من الناحية العملية، فإن العلمانية تتحول إلى معول لهدم الحرية لتضمن هذا الحياد المثالي، فالتفاعلات الاجتماعية تعطي للسياسي أهمية كبيرة. ولذا فمنع الحجاب بقرار قضائي أو قانوني كما يقع في فرنسا مثلًا يحوّل الدفاع عن العلمانية إلى حركة مرتدة عن حقوق الإنسان، ويظهرها بوصفها تصورًا مقدسًا ومرجعية فوق بشرية.


هذا هو  المقال الخامس ضمن سلسلة من المواد التي تتناول موضوع العلمانية والدين، والتي ستنشرها حبر كل يوم إثنين على مدار شهر ونصف. لقراءة المقالات السابقة: المقال الأول، المقال الثاني، المقال الثالث، المقال الرابع.

خالد يايموت: أستاذ زائر للعلوم السياسية جامعة محمد الخامس.