رأي

المشكلة الأعظم من الـ450 مليون دينار

الثلاثاء 31 كانون الثاني 2017

بقلم يعقوب باسل الشوملي

في موسم الموازنة العامة للدولة لهذا العام، كان الجدل الأكبر يدور قيمة الضرائب «الأخرى» والمقدرة بـ 450 مليون دينار، والتي تمثل حصيلة «إجراءات ضريبية إصلاحية» سيتم اتخاذها وفقًا لبرنامج الإصلاح المالي.

كان هذا البند محط حديث العديد من النواب والكتاب الصحفيين والاقتصاديين، حيث كانت الرسالة المسيطرة على كل هذا الحديث هي أن تكف الحكومة عن مد يدها إلى «جيب المواطن» وأن تتخذ إجراءات أخرى مثل القضاء على الفساد والتهرب الضريبي. ورغم كل هذا الاعتراض، أُقرت الموازنة بموافقة 52% من أعضاء مجلس النواب دون أي تعديل يذكر.

للأسف الشديد، ففي كل موسمٍ نناقش فيه الموازنة العامة خصوصًا، وأي من الإجراءات الحكومية المالية عمومًا، نقع في مغالطة حول دور القطاع العام في الاقتصاد، خاصة عندما نتهم الحكومة بالجباية أو بمد يدها إلى جيب المواطن. بالإضافة إلى ذلك، فإننا نلجأ إلى غض النظر عن المشاكل الهيكلية في موازنة الدولة واقتراح حلول تجميلية لا تعالج المشكلة الأساسية.

دور القطاع العام في الدولة وعدالة النظام الضريبي

توضيحًا للمغالطة أعلاه، فإن دور القطاع العام، في النظرية الاقتصادية الكلاسيكية، يتمثل في توفير خدمات عامة للمواطنين قد لا يوفرها القطاع الخاص لوحده، أو لا يوفرها بأسعار متاحة للجميع، مثل الأمان الاجتماعي، والدفاع والسلامة العامة، والتعليم المجاني، والخدمات الصحية، إلخ… يتم تمويل هذه الخدمات من خلال ضرائب مقتطعة من المواطنين والشركات العاملة في الاقتصاد. لذلك، فإن المصدر الرئيسي لأي موازنة وأي دولة هو جيب المواطن. تتكامل تلك العلاقة مع النظام السياسي للدولة من خلال مبدأ «لا ضريبة دون تمثيل». أي أن المواطن ينتخب نائبًا ليمارس دوره بالرقابة على كيفية وجودة إنفاق القطاع العام (الجهاز التنفيذي) لهذه الأموال ويضمن إنفاقها بالسبل المثلى. بالتالي، تتكامل العلاقة الاقتصادية والسياسية بين المواطن والدولة ولا تعمل إحداهما بشكل سليم دون الأخرى.

أما وصف فرض الحكومة للضرائب «بالجباية» فينبع بشكل رئيسي من عدم وجود «ثقافة ضريبية» لدى المواطنين. وانعدام تلك الثقافة نتج عن سببين رئيسيين: أولًا، عدم قناعة المواطن بجدوى تسديد ضرائبه إلى الدولة. أي أن المواطن لن يدفع ضريبته المستحقة إن لم يرَ لها جدوى من الخدمات العامة المذكورة أعلاه. وثانيًا، عدم قناعة المواطن بعدالة السبل التي يتم فيها تمويل إيرادات الدولة وهنا يبرز أهمية مصطلح العدالة الاجتماعية والذي نص عليه الدستور الأردني في المادة 111 منه.

المادة 111 من الدستور الأردني
لا تفرض ضريبة أو رسم إلا بقانون ولا تدخل في بابهما أنواع الأجور التي تتقاضاها الخزانة المالية مقابل ما تقوم به دوائر الحكومة من الخدمات للأفراد أو مقابل انتفاعهم بأملاك الدولة وعلى الحكومة أن تأخذ في فرض الضرائب بمبدأ التكليف التصاعدي مع تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية وأن لا تتجاوز مقدرة المكلفين على الأداء وحاجة الدولة إلى المال.

لو نظرها إلى هيكلية إيرادات الدولة، نجد أن في موازنة الدولة لعام 2017 ستأتي 64% من إيراداتها من خلال سبل ضريبية. هذا يدل على أن 36% من إيرادات الدولة ستأتي من مصادر أخرى مثل الغرامات والرسوم الحكومية والمنح الخارجية. أما الإيرادات الضريبية فنرى أن غالبيتها، 61%، تأتي من الضرائب على السلع والخدمات والتي تعرف في الأدبيات الاقتصادية بأنها ضرائب غير مباشرة أثرها الأكبر يأتي على أصحاب الدخول المتدنية.

أما الضرائب على الدخل والأرباح، والتي تعتبر ضرائب مباشرة يكون عبؤها الأكبر على الشرائح الغنية (والتي تجسد الأداة الأساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية)، فتمثل 20% من الإيرادات الضريبية أو 13% من إيرادات الدولة لعام 2017. هذا يدل على أن الدولة ترتكز بشكل رئيسي على ضرائب غير مباشرة لتمويل نفقاتها والتي لا تحقق العدالة الاجتماعية.

توزيع الإيرادات الضريبية في موازنة عام 2017 (بالمليون دينار).

مواجهة المشكلة الحقيقية: هيكلية نفقات الدولة وجودتها

لماذا تلجأ الحكومة دائمًا إلى إجراءاتٍ تستهدف إيراداتها لردم عجز الموازنة؟ نظريًا، يمكن للحكومة خفض نفقاتها بمقدار قيمة عجز الموازنة. لكن عند النظر إلى هيكلية نفقات الدولة (كما في الشكل أدناه)، نرى أن حوالي 90% من نفقات الدولة لعام 2017، أو ما يعادل ثمانية مليارات دينار، تصنف تحت بنود لا يمكن المساس بها: الجهازين المدني والعسكري (49% من مجمل النفقات)، فوائد الدين العام (11%)، التقاعد والتعويضات (15%)، والنفقات الرأسمالية (15%). إن النفقات الرئيسية المذكورة سابقًا لا يمكن المساس بها لاعتبارات سياسية، اجتماعية، واقتصادية.  لذلك، فإن الحكومة قادرة على المناورة في تخفيض نفقاتها في جزء صغير جدًا من نفقاتها الأخرى (10%) وبالتالي، تخفيض النفقات لجهاز الحكومة المركزي غير ممكن دون عملية إعادة هيكلة كبرى قد لا تكون متاحة سياسيًا واجتماعيًا في الوقت الحالي على الرغم من حاجتها اقتصاديًا، نظرًا لاعتماد شريحة كبرى من الأردنيين في معيشتهم على الرواتب الحكومية.

 توزيع نفقات الدولة في موازنة عام 2017 (بالمليون دينار).

الطريق إلى الأمام: جودة الإنفاق الحكومي

من أهم التصاريح الحكومية التي قرأتها، وأكثرها شفافيةً، كانت لوزير مالية سابق في قوله أن الهدر في الموازنة العامة للدولة يتراوح ما بين 15% إلى 20%. إن طبقنا هذه النسبة إلى حجم إنفاق الدولة لعام 2017، نجد أن الهدر المتوقع يتراوح ما بين 1.3 و 1.8 مليار دينار أي ما يعادل 1.6 أو 2.2 مثيل عجز الموازنة (بعد المنح) والمقدر بحوالي 827 مليون دينار. من الممكن الاستدلال على وجود هدر كبير في الإنفاق الحكومي من ذلك التصريح، والذي لم يكن له أي تبعات تذكر على الحكومة في ذلك الوقت، إلا أنه يبقى، بتقديري اجتهاد شخصي من الوزير.

وتنشر دائرة الموازنة العامة على موقعها الإلكتروني العديد من البيانات التي يمكن تحليلها لاستنباط جودة الأداء الحكومي. قام منتدى الاستراتيجيات الأردني بتحليل تلك البيانات حيث صنف الدوائر والوزارات الحكومية (وعددها 97 دائرة ووزارة) إلى سبع فئات تمثل درجة تحقيق تلك الوزارة أو الدائرة لأهدافها والمعلنة في موازنتها. وجد المنتدى أن 71% من الدوائر الحكومية (69 دائرة أو وزارة) حققت أقل من 50% من أهدافها المعلنة في عام 2014، منها 52 دائرة ووزارة حققت 0% أو أقل من أهدافها كما يبين الشكل أدناه.

توزيع الدوائر الحكومية حسب نسبة إنجازهم لأهدافهم عام 2014.

بالنظر إلى توزيع الدوائر الحكومية في الشكل السابق، نرى أن معظم الجهات الحكومية لا تحقق أهدافها (أو جزء منها حتى) من هذا الإنفاق والذي يدل على تدني جودة الخدمات الحكومية. على الرغم من ذلك، طلبت معظم الدوائر الحكومية أن تُرصد لها مبالغ إضافية في عام 2017. لذلك، يمكن لنا أن نسأل، إن كان تحصيل الإيرادات لا يجسد مبدأ العدالة الاجتماعية والمنصوص عليه في الدستور، والجهات الحكومية التي تنفق تلك الإيرادات لا تحقق أهدافها، هل الواقع الحالي مستدام؟

المسؤولية الأخلاقية في تحصيل الإيرادات

نعود الآن إلى عنوان المقال، وحول الجدل الذي دار حول مبلغ الـ 450 مليون والذي وجدنا بأنه تجسيد لثقافة لا ترى أي فائدة في تمويل الجهاز الحكومية من خلال تحصيل الإيرادات بشكل غير عادل وانعدام جودة النفقات. تقع المسؤولية الأخلاقية هنا على كاهل الحكومة. فاستيفاء الحكومة لإيرادات جديدة، من خلال إجراءات تنتهك مبدأ العدالة الاجتماعية وتذهب إلى خنق القطاعات الرابحة، كقطاع الاتصالات، دون مبرر (نظرًا إلى أن توجيه نسبة من الضرائب للشركات لن تمنع البعض من الاستنكاف عن شراء خدماتها) قد يكون حلًا آنيًا نتيجة للظروف الراهنة، نظرًا لتوجه الأردن للتقليل من حاجته للمنح الخارجية، وتخفيض الدين العام، لكن لا يمكننا أن نصرف النظر عن السخط الاجتماعي الناجم عن تلك الإجراءات.

إن كانت الحكومة ستزيد من إيراداتها، وبالتالي من حجم تدخلها في الاقتصاد، فيجب أن يتبع ذلك إجراءات ملموسة للحد من الهدر ورفع جودة الإنفاق. استمرار الحال كما هو عليه غير مستدام: أما أن نرفع جودة الإنفاق الحكومي لكي يرى المواطن العائد الفعلي للضرائب التي يدفعها، أو نعيد هيكلة الجهاز الحكومي لتقليص النفقات، وهو ما لا يبدو محتملًا في المدى المنظور.