ما الذي تعنيه نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية؟

الثلاثاء 13 تشرين الثاني 2018
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال الحملة الانتخابية لأحد المرشحين الجمهوريين في مدينة كليفلاند. تصوير كارولين كاستر، أسوشييتد برس.

كما في أي مكان آخر حول العالم، تتباين قراءة نتائج الانتخابات الأميركية الأخيرة تبعًا لتباين الزاوية التي يجري النظر من خلالها لتلك الانتخابات. بالنسبة لدونالد ترمب وبقية مؤيديه من الجمهوريين المحافظين، اعتبرت الانتخابات «نصرًا كبيرًا» مكّنهم ليس فقط من الحفاظ على أغلبيتهم في الكونغرس بل وزيادتها بحفنة من المقاعد، في المرة الخامسة خلال 105 سنوات، كما قال ترمب. «ترمب لديه سحره»، غرّد الرئيس الأمريكي تعليقًا على ذلك.

بالنسبة للديمقراطيين، اعتبرت الانتخابات «موجة زرقاء» أعادت السيطرة الليبرالية على مجلس النواب عقب ثماني سنوات من الغياب، وطبعًا، مثّلت بداية النهاية لسياسات ترمب. كان «يومًا جديدًا لأميركا»، كما وصفته عضو مجلس النواب الديمقراطية، والمرشحة لرئاسة النواب، نانسي بيلوسي، عقب إعلان فوزها. لبقية العالم، لربما كانت نتائج تلك الانتخابات فرصة لالتقاط الأنفاس بعد عامين أدار فيهما ترمب منفردًا ملف السياسة الخارجية على نحو لم يميّز فيه بين حليف وعدو. تحاول هذه المطالعة إلقاء الضوء على دلالات نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، وانعكاساتها الداخلية والخارجية.

موجة زرقاء؟

بمعزل عن البروباغندا التي أعقبت إعلان النتائج وزعم كل فريق أنه حقق نصرًا سياسيًا «تاريخيًا»، لا تبدو نتائج الانتخابات الحالية مبهرة بأي مقياس. فالديمقراطيون لم يتوقعوا الفوز في كلا غرفتي المجلس، وانحصرت غالبية جهودهم وتنبؤاتهم في السيطرة على مجلس النواب، مع الأمل بالاحتفاظ بمقاعدهم في الشيوخ على الأقل تقدير. حتى لحظة كتابة هذه المادة، حيث لا يزال الفرز جاريًا في مراحله النهائية. تمكن الديمقراطيون من حصد أغلبية في النواب وصلت لنحو 30 مقعدًا مرشحة للارتفاع، كان يشغلها جمهوريون خلال العامين الماضيين. لكن الديمقراطيين فشلوا مقابل ذلك بالحفاظ على مستوى حضورهم في الشيوخ حيث انقلبت بعض مقاعدهم لصالح الجمهوريين. الأخيرون بدورهم لم يتوقعوا أكثر من المحافظة على أغلبيتهم في الكونغرس بغرفيته، فانتهوا إلى الفوز بثلاثة مقاعد إضافية على الأقل خسرها خصومهم. في محصلة الأمر، جاءت النتيجة، إلى حد بعيد، قريبة من توقعات الطرفين.

استنادًا إلى الأرقام، بالطبع لا يمكن اعتبار فوز الديمقراطيين موجة زرقاء، كما روجوا. إذ لا يمكن مقارنة هذا الفوز الديمقراطي بتجارب سابقة فاز فيها الحزب المعارض بأكثر من خمسين مقعدًا في مجلس النواب في الانتخابات النصفية، كما حصل مع الجمهوريين في عهد الديمقراطي بيل كلينتون عام 1994، أو في 2010 حين حصلوا على أكثر من ستين مقعدًا في النواب. حينها، لم يعتبر الفوز بأي مقياس موجة حمراء.

إذا جاز عزو فوز الديمقراطيين في النواب إلى عامل منفرد، فلربما جاز القول إنه النساء.

على أن ذلك لا ينفي عن فوز الديمقراطيين بالنواب أهميته في سياق اللحظة السياسية التي تعيشها البلاد في ظل حكم رئيس مثل ترمب. يبقى هذا الفوز تطورًا يستحق التوقف عنده لما له من دلالات إضافية تتصل بطبيعة الانزياحات التي تشهدها القواعد التصويتية الأميركية على امتداد العقدين الأخيرين. الأهم من لعبة الأرقام، ربما، هو دلالات تلك الأرقام اجتماعيًا وسياسيًا على مستقبل ترمب كرئيس، وربما مستقبل الحياة السياسية في البلاد.

لم يعد سرًا أن مجلسي الشيوخ والنواب باتا يمثلان انعكاسًا لطبيعة التصدعات الاجتماعية والاقتصادية الجسيمة في بنية المجتمع الأميركي بما تخلقه من انقسامات طبقية وتنموية تزداد عمقًا بين مراكز المدن والضواحي من جهة، والولايات الريفية من أخرى.

بنيويًا، بالنظر إلى الألية التي يجري فيها انتخاب أعضائه، يتطلب الفوز بمجلس النواب الأميركي ضرورة الحصول على ثقل تصويتي في مراكز المدن والضواحي حيث ترتفع مستويات التعليم، معدلات الدخل ونسب التنوع العرقي. كان ذلك واضحًا خلال الانتخابات الرئاسية الماضية حين كانت غالبية المقاطعات التي فازت بها المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون من بين الأعلى في حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.

مجلس الشيوخ هو الآخر يخضع لذات المعادلة، فالآلية التي يجري من خلالها اختيار أعضائه تحتم الحصول على ثقل تصويتي في الولايات الريفية في الجنوب والغرب الأوسط، حيث تنخفض معدلات الدخول، المستويات التعليمية ومستويات التنوع العرقي. معظم تلك المقاطعات التي فاز بها الرئيس دونالد ترمب في انتخابات 2016 كانت من بين الأقل على مستوى حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.

نتائج الانتخابات الأخيرة عكست هذا الانقسام.

فعلى امتداد العامين الماضيين، توحدت جهود الديمقراطيين سياسيًا وإعلاميًا على محاصرة ترمب والسعي لقلب قواعده التصويتية ضده. وتمامًا مثل ما يفعل ترمب مع جمهوره، لعب الديمقراطيون على مشاعر الخوف لدى مؤيديهم، وتحديدًا من الأقليات، لدفعهم نحو الخروج لصناديق الاقتراع بأعداد تكفي للفوز بإحدى غرفتي الكونغرس. التعبئة السياسية والإعلامية على امتداد العامين الماضيين لسكان المراكز وتحديدًا جماهير النساء، المثليين، والأقليات العرقية إضافة لقواعد التيار الاشتراكي الديمقراطي ممثلًا ببيرني ساندرز، نجحت فعلًا في كسب مجلس النواب.

نجح ترمب في الاحتفاظ بجمهوره في الولايات الريفية البيضاء، المتدينة والأقل تعليمًا ودخلًا، بعد تمسكه بخطابه المعادي للأقليات وتسويقه تحسن المؤشرات الاقتصادية في عهده.

خلال العامين الماضيين نظمت تجمعات نسائية مسيرتين معارضتين لترمب في قلب العاصمة واشنطن شارك فيها مئات الألاف وعكست القدرة التنظيمية والتعبوية المدهشة التي يمكن للمرأة الأميركية توظيفها على المستوى السياسي. كان لتلك التحركات أثرها في استنهاض القواعد الديمقراطية في هذه الانتخابات للفوز بالمجلس. في الواقع، إذا جاز عزو فوز الديمقراطيين في النواب إلى عامل منفرد، فلربما جاز القول إنه النساء.

وصل إلى هذا المجلس 99 سيدة على الأقل، غالبيتهن الكاسحة تنتمي للحزب الديمقراطي. وفي هامش هو الأعلى في استطلاعات ما بعد الاقتراع، تمكن الديمقراطيون من كسب 59% من أصوات النساء مقابل 40% للجمهوريين. تمثل بعض الفائزات الديمقراطيات عرقيات وأقليات جندرية ودينية تصل للمرة الأولى للكونغرس، مثل شاريس ديفدز، وديب هالان، وهما أول امرأتين من السكان الأصليين، كما أن ديفدز تعد أول مثلية تفوز بمقعد في الكابيتول. رشيدة طليب وإلهان عمر، أول مسلمتين تصلان للكونغرس، وعمر صومالية بدأت حياتها من مخيم لجوء في كينيا هربًا من الحرب الأهلية في بلادها، لتنتهي الأسبوع الفائت على مقاعد الكونغرس. فيما تعد أوكاسيو كورتيز، اللاتينية والنادلة السابقة في إحدى حانات نيويورك، أصغر عضو في الكابيتول عن عمر لم يتجاوز 29 عامًا.

بالمثل، نجح ترمب في الاحتفاظ بجمهوره في الولايات الريفية البيضاء، المتدينة والأقل تعليمًا ودخلًا، بعد تمسكه بخطابه المعادي للأقليات وتسويقه تحسن المؤشرات الاقتصادية في عهده. التزام ترمب بخطابه منذ فترة السباق الانتخابي مكنه ليس فقط من الاحتفاظ بالأغلبية في الشيوخ ولكن قلب ثلاث ولايات ديمقراطية هناك لصالحه فيما اعتبر مؤشرًا على أزمة مقابلة يعيشها الحزب الديمقراطي في علاقته بالفئات الأقل تعليمًا من سكان تلك المناطق.

الولايات المنقسمة الأميركية

حتى عام 1994 كانت الكتلة التصويتية المتعلمة (بكالوريوس فما فوق) منقسمة بالتساوي بين الحزبين، لكنها انحازت تدريجيًا نحو المعسكر الديمقراطي. خلال ثلاثة أعوام، 2015-2017، ارتفعت حصة الديمقراطيين من الطبقة المتعلمة إلى 63%، صعودًا من 54%. في المقابل، ارتفع الميل نحو الحزب الجمهوري في صفوف غير المتعلمين (الحاصلين على شهادة الثانوية فما دون) ليصل في 2017 إلى 47%، مقابل 45% للديمقراطيين. وبالنظر إلى ارتفاع نسب المتعلمين في المناطق الحضرية قياسًا بالريفية، بات واضحًا أن مكانة الحزب الديمقراطي قد تعززت في مراكز المدن الكبرى، الديمقراطية تاريخيًا، في مقابل تصاعد، وصولًا لسيادة، حضور الجمهوريين في المناطق الريفية، كما تشير أرقام مركز بيو الأميركي للأبحاث.

يقدم فوز الديمقراطيين بالنواب دلالة إضافية في سياقه الاقتصادي، فهو يأتي في خضم تحسن مؤشرات البطالة وأداء اقتصادي جيد بشكل عام. 68% من الأميركيين يعتقدون أن هذا هو الوقت الأفضل للحصول على فرص عمل نوعية، الأعلى منذ عام 2000. كما أن غالبية الأميركيين تعتقد أن الوضع الاقتصادي إما ممتاز، جيد أو مقبول، في مقابل أقلية ترى أنه سيء، كما تخبرنا استطلاعات مركز غالوب للأبحاث. ورغم كونها في اتجاه تنازلي منذ 2012، إلا أن مؤشرات البطالة سجلت هي الأخرى أدنى مستوياتها في آخر 18 عامًا، 3.9 في عهد ترمب.

ماذا يعني كل ذلك؟ يعني أن سياسات ترمب المتعلقة بالهوية، وليس أداؤه على المستوى الاقتصادي، هي التي شكلت العامل الحاسم في القرار التصويتي لملايين الجمهوريين والديمقراطيين ممن صوتوا ضده في مجلس النواب. تباعًا، سيعني ذلك أن هذه الاتجاهات التصويتية قد تعرقل مساع الرئيس في فترة رئاسية ثانية في انتخابات 2020.

لكن خسارة الديمقراطيين لأربع ولايات في مجلس الشيوخ، من بينها ميسوري، نورث داكوتا، وإنديانا، تحمل هي الأخرى مؤشرات مقلقة لمسعاهم في الوصول للبيت الأبيض في 2020 وتأتي أيضًا في إطار الانقسام الحضري/الريفي في أميركا الألفية الثالثة. ميسوري مثلًا، كانت صوتت بشكل كاسح لباراك أوباما قبل عشر سنوات، ثم ما لبثت مذاك تنزاح تدريجيًا نحو اليمين إلى أن انتهت للتصويت لصالح الجمهوريين في الانتخابات النصفية الأخيرة. هذا الانتقال نحو اليمين المحافظ في تلك المناطق الريفية بات يأخذ منحى تصاعديًا منذ عشر سنوات على الأقل، وبات الديمقراطيون، كل موسم انتخابي تقريبًا، يفقدون جزءًا من قدرتهم على الاحتفاظ بشعبيتهم هناك. كان ذلك أوضح ما يكون في خسارة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون لأهم ولايات ما يعرف بالحزام الصدئ، من الشمال الغربي وحتى الغرب الأوسط، مثل بنسلفانيا وميتشغان، عقب أن كانت سائر الترجيحات تجزم، بداهة، بانتهائها في أيدي الديمقراطيين.

سياسات ترمب المتعلقة بالهوية، هي التي شكلت العامل الحاسم في القرار التصويتي لملايين الجمهوريين والديمقراطيين ممن صوتوا ضده في مجلس النواب.

على الدوام، كانت تلك الولايات مراكز التصنيع الأميركي من صناعة الصلب إلى صناعة السيارات والتعدين، فيما درج غالبية سكانها من الياقات الزرقاء للميل نحو اليسار وطروحات الحزب الديمقراطي. على أن الأمر تغير عقب تدهور صناعة السيارات مع هجرة الرساميل نحو بلدان العمالة الرخيصة، وتراجع صناعة الفحم مع تغير شكل التصنيع وزيادة الوعي البيئي. ومع انزياح مؤسسة الحزب الديمقراطي في خطابها واهتماماتها نحو الإغراق في نقاشات الهوية التي تلقى صدى في مراكز المدن دون أن تتجاوزها للأرياف والمناطق الفقيرة حيث الهم الاقتصادي هو المسيطر على أولويات الناخبين، ضعفت الحلقات الوسيطة بين الحزب وجمهوره في تلك المناطق وتشكلت حالة من الفراغ أحسن ترمب استغلالها في الانتخابات الرئاسية الماضية.

مثلت خيارات هذه الولايات في انتخابات التجديد النصفي تصويتًا لترمب، الرئيس الذي قدم خطابًا كسر حالة التجاهل والصمت الديمقراطي/الجمهوري إزاء تدهور أوضاع سكان الريف الأميركي، كما تشير ورقة بحثية كاشفة صادرة في الجريدة البريطانية لعلم الاجتماع.

ماذا يحمل المستقبل؟

كانت مجلة النيويوركر قد تنبأت بازدياد الأوضاع السياسية الداخلية سوءًا عقب هذه الانتخابات. حسب المجلة، ستدخل البلاد، التي تعاني أصلًا من استقطاب جسيم بين مكوناتها السياسية والاجتماعية، في حالة من التباطؤ السياسي. سيعاني الكونغرس، كالعادة، من تكدس مشاريع القوانين التي تتجاذبها غرفتا مجلس تشريعي على طرفي نقيض. ورغم ما أعرب عنه طرفا المعادلة السياسية من آمال بالتعاون والتنسيق بعد إعلان النتائج، سيندفع كل فريق في مرحلة ما لتوظيف أغلبيته لشل حركة الآخر.

هذه الصورة لما ستكون عليه الحال في السنتين المقبلتين لا تبدو مبالغة بالنظر لتحذيرات ترمب فور إعلان النتائج من أن أي مسعى لتوظيف الديمقراطيين لمجلس النواب ضده سيقابله توظيف مماثل لمجلس الشيوخ. الديمقراطيون من جهتهم محصورون بين رغبة قواعدهم في المدن بتحجيم الرئيس، والتحقيق في شبهات فساده، وربما عزله أيضًا، وبين حاجتهم للتوافق مع الإدارة على ملفات تشريعية بعينها وخشيتهم أن يتعرض أعضاؤهم لتحقيق مماثل من قبل مجلس الشيوخ.

إذا ما حققتم معنا سنحقق معكم قال ترمب في تغريدة أعقبت إعلان النتائج فورًا. «كلا الفريقين يمكنه ممارسة اللعبة ذاتها».

تقنيًا، بات الديمقراطيون الآن في حلٍ من انتظار نتائج تحقيقات المستشار الخاص، روبرت مولر، في شبهات تورط الرئيس وأفراد من إدارته في التخابر مع روسيا للتلاعب بالانتخابات الرئاسية الماضية. بتحصيلهم أغلبية المقاعد في مجلس النواب، بات الديمقراطيون يمتلكون الآن السلطة اللازمة لفتح التحقيقات مع أعضاء الإدارة الأميركية ممن يشتبه بتورطهم في قضايا الفساد التي شغلت الإعلام خلال السنتين الماضيتين. كما أن لمجلس النواب أيضًا الحق بإصدار مذكرات الجلب القضائية إضافة إلى طرح مسألة عزل الرئيس. لكن استخدام هذه الأوراق، كما يدرك الديمقراطيون جيدًا، سيدفع الرئيس وحزبه إلى استخدام ما بيدهم من أوراق مشابهة أهمها التحكم في تشكيلات القضاة التي تعود سلطة تعيينهم لمجلس الشيوخ الجمهوري.

لذا، من المرجح أن يناور الديمقراطيون في استخدام تلك الورقة على نحو يضمن لهم الاتساق مع خطابهم المعادي لترمب في مسائل الهوية، لكن دون فقدانهم القدرة على عقد الصفقات لتحصيل مكاسب تشريعية أخرى لا تقل أهمية، كالتوافق حول آلية تمويل خطة ترمب لإعادة تأهيل البنية التحتية بكلفة تتجاوز التريليون دولار، أو تطوير برنامج الرعاية الصحية للرئيس السابق أوباما دون إلغائه تمامًا كما يرغب ترمب.

على مستوى العلاقات مع الخارج، لا يبدو الأمر أقل تعقيدًا.

نظريًا، يمتلك الديمقراطيون الحد الأدنى من القوة الرقابية التي تمكنهم من مساءلة ومحاسبة البيت الأبيض على طريقة إدارته للعلاقات مع العالم، بدءًا من ملف الإنفاق في وزارتي الخارجية والدفاع، الذي عبّر الديمقراطيون أكثر من مرة عن رغبتهم عقد جلسات استماع مطوّلة بخصوصه، مرورًا بشبهات تضارب المصالح في العلاقات التجارية الخاصة التي تربط الرئيس والمقربين منه بحكومات الدول النفطية، إلى الدور الأميركي في الحرب على اليمن، وطبعًا ملف إيران التي انقلب ترمب على اتفاقها النووي مع سلفه الديمقراطي أوباما.

في مسائل أخرى، مثل التجارة الخارجية، يدرك الديمقراطيون أنهم ليس بيدهم الكثير ليفعلوه، في ظل صلاحية الرئيس إصدار القرارات التنفيذية بخصوصها دون الحاجة للعودة للكونغرس من الأساس. سياسة ترمب برفع التعرفة على البضائع الصينية، أو الدعوات للانسحاب من منظمة التجارة العالمية واتفاقيات المناخ، كلها تمثل عناوين أساسية في الخطاب الديمقراطي المعادي لترمب، ولكن تناولها جميعًا محكوم بواقع امتلاك الرئيس حق إصدار القرارات التنفيذية، واستناده على أغلبية في الشيوخ، وحاجة الديمقراطيين لعقد صفقات تشريعية في ملفات بعينها من جهة أخرى.

هل تشكل هذه الانتخابات بداية الانحسار لظاهرة ترمب؟

يعتمد الأمر على قدرة الديمقراطيين تعبئة قواعدهم للحد الأقصى لضمان خروجها للتصويت في 2020 تلافيًا لما حدث في انتخابات الرئاسة الماضية، حين تشتت الصوت الديمقراطي وفقدت القواعد حماسها للتصويت على خلفية اختيار هيلاري كمرشحة تنقصها الشعبية، لا سيما في ظل وجود بيرني ساندرز. نعم تمكن الديمقراطيون من الحشد في هذه الانتخابات وغيروا تركيبة النواب، لكن أرقام فوزهم المتواضعة قد لا تخدمهم كثيرًا في الانتخابات الرئاسية المقبلة، خصوصًا إذا ما قرر ساندرز الترشح مرة أخرى في مواجهة مرشح ديمقراطي آخر أقل راديكالية. في المقابل، يعوٌل الجمهوريون على تشتت الصوت الديمقراطي مرة أخرى في انتخابات الرئاسة المقبلة، من جهة، وعلى قدرة ترمب قلب مزيد من الولايات الزرقاء في الريف لصالحه بالاتكاء على خطابه الشعوبي الذي أثبت نجاحه هناك.

إلى حينه، وكما تجري العادة بعد كل انتخابات نصفية، حتى كانون الثاني المقبل، تاريخ تنصيب الأعضاء الجدد في المجلسين، سيواصل طرفا اللعبة السياسية في الولايات المتحدة بث الرسائل في اتجاهين متعارضين: مرة للترهيب مما يمكن أن يحدث في حال وظف كل فريق سلطاته كأغلبية في مجلسه ضد الآخر، وأخرى للترغيب بإمكانية التعاون في ملفات بعينها لإرضاء القواعد التصويتية قبل حلول موعد الانتخابات العامة في 2020.