رأي

عمّان مطل كبير: الطرق على جدران القوقعة

الثلاثاء 18 تشرين الأول 2016
تصوير خالد بشير

عندما كنّا طالبات في المدرسة، اعتدنا، صديقاتي وأنا، أن نجول شوارع جبل عمّان نهاية كل أسبوع. نبدأ من حرم مدرستنا، المدرسة الأهليّة للبنات، وننتهي مُستلقيات فوق بيوت قديمة أو مُتدليات من أدراج طويلة ننظر منها إلى عمّان القديمة.

وهناك نسترق النظر إلى داخل نوافذ البيوت، لنُخمّن قصص القاطنين: هذا يأكل لوحده لأنّه على خصام مع زوجته، وهذه ترشف قهوتها بتوتّر مُنتظرة ابنها الذي تأخر على غير عادة. نسمع صوت الأذان عن قُرب ونتّأمّل الحمام المُتكئ على المنازل، وإن كان الربيع قد حلّ، نتتبّع الطائرات الورقية وهي ترفرف فوق الجبال الإسمنتية.

لقد عنى لي هذا التقليد الكثير، إلى أن لاحظت استشراقه المُبطّن.

كبرنا وكبرت المدينة، لكنها بقيت مطلًّا، لا غير. أستمتع به عن بُعد بينما أتناول طبقًا فاخرًا، وأريه للأجانب ليلتقطوا على سفح جباله «سيلفي» ينشرونها على السنابتشات.

اليوم، لم أعد أفهم المغزى من مشاوير كهذه، لأنني أينما ذهبت أشعر بأنني غريبة عن هذه المدينة التي لا أستطيع قراءتها، لا أعرف ماذا تريد منّي ولا ما الذي أريده منها.

في بيروت، التي درست فيها الصحافة واصطدمت على شواطئها بحبي الأوّل، كان الأمر واضحًا، أردت أن تلهمني بكل ما فيها من جمال، وأرادت أن أُربّت على أمواجها الكهلة، وأرسم على جبالها قصيدة أو أغنية تبّث فيها الحياة من جديد. هكذا هي بيروت تستقي من مشاعر الناس لتكبر، وتعيدها مُضاعفة إلى قلوب الناس.

أمّا القدس، ففي زيارتي لها كل ثلاث سنوات، تُحاول جاهدة أن تجعلني أراها أكثر من مجرد ظلال مُتخفيّة في مقل أمّي وجدّتي المقدسيتين. تُحاول أن تبرز كل ما لها من أوراق تخصني علّها تريني أصولي التي سمعت عنها ولم ألمسها، فتريني صيدلية جدّي في سوق الدّباغة، وتعيرني بعضًا من عطره المُعتّق في بخور كنيسة القيامة، ومن ثمّ تصطحبني  إلى حديقة فندق «الأميريكان كولوني» حيث تجرّأ أبي بالبوح عن حبّه لأمّي وصَنَعَ التاريخ. نشرب هناك أنا وحبيبتي نخب الذكرى السعيدة وأسترسل بأسئلتي عن الماضي وعن أيّ أثرٍ قد تكون جدّتي نسيته مُعلّقًّا على الأشجار.

أمّا عمّان، لا شيء. لا أراها ولا أسمعها رغم استقراري فيها لأكثر من عشرين عامًا. فنحن كسجينين لا يعرف أحدهما الآخر، ولا يجمعهما إلّا الزنزانة. يحاولان التعايش، أو أن يقضيا حديثًا جانبيًّا يمرّر الملل على الأقلّ، ولكن عبثًا: واحد أصمّ والثاني أخرس!

ولأنني لا أشعر بعمّان، أحاول أن أجرّدها إلى أشياء أستطيع السيطرة عليها، أستطيع لمسها والتفاعل معها، أي استهلاكها. أرتدي قميصًا عليه رسمة منسف ودحنون وأتحلى بجواهر مُزخرفة بخط عربي، ومن ثمّ أنتظر أن يحلّ عليّ الانتماء. أحتسي قهوة مُرّة تدلف إلى أعماقي أحاول أن أرشّح العروبة منها لاستبدالها بدمي.

أنا أعرف ما بي: إنّني مُصابة، كالكثير من العمانيين، خصوصًا الذين يعيشون غرب المدينة، بـ«الأنومي» أو اللامعياريّة. وهي حالة شخصّها إميل دوركهايم تنّم عن اختلال التوازن بين الشخص ومُحيطه بسبب غياب قواعد ترتكز عليها القيم المُجتمعيّة والثقافية مّما يؤدي إلى ارتباك الفرد وعزلته عن المجتمع.

وأعتقد أنّ حالتي نجمت عن تراكمات لتناقضات وفوضى يوميّة أعيشها كعربيّة «مُتأجنبة» تُحاول الحفاظ على عناصر هويّتها وسط عولمة خانقة. فمثلًا أفكّر بالإنجليزيّة كم أحبّ اللغة العربيّة. وهمّي الأوّل توفير حضانات مؤسسية، في دولة تُشجّع الاغتصاب. أحافظ على صحتّي وأواظب على الذهاب إلى «الإفطارات» العضوية، بينما يغرق المزارع الأردني في الدّيون.

أدرك تمامًا أنّني أعيش داخل قوقعة لا تتعدّى الخمسة أمتار، وأنّني ألهو في رفاهية برجوازية. ولذلك أحاول أن أحطّم  هذه القوقعة، أنزل إلى الشوارع، أذهب إلى سوق الجمعة وأركب السرافيس، فحديث السرفيس كان عاملًا مهمًّا شدّني إلى بيروت. ولكن كل هذا زيف، وكلّه باطل.

أقول هذا لأنّ محاولاتي بالتقرّب من عمان كلها باءت بالفشل. يبدو أنّ الانتماء ليس مهارة يمكن أن تُنمّيها: إمّا تنتمي بالفطرة او لا تنتمي، إمّا أن تكون خيطًا مُحاكًا في نسيج المدينة أو لا تكون.

  • جبل القلعة

    توقفي عن حضور الافطارات العضوية وفكري باللغة العربية. واعطيها شوية تواضع عنجد، مش بركوب السرفيس والمشي بسوق الجمعة