الفيسبوك نظامًا عربيًا

الخميس 06 تشرين الأول 2016
مارك زوكربيرغ يتحدث في مؤتمر العالم المتنقل في برشلونة في شباط الماضي. مجلة الأتلانتيك.

بقلم جابر جابر

خلال أيّام قليلة، تحوّلت إدارة فيسبوك، بما جنته يداها، من كائن خيالي موجود في مكان ما في الولايات المتحدة إلى محور الحديث على فيسبوك، على الأقل في الدوائر التي أتحرّك بها، والصفحات التي أتابعها.

في الثامن من حزيران من العام 1972 التقط المصوّر الفيتنامي نيك أوت صورة لمجموعة من الأطفال الفيتناميين الهاربين من قنابل النابالم المتساقطة عليهم، ومن بين هؤلاء الأطفال الهاربين كانت الطفلة كيم فوك ذات الأعوام التسعة، والتي ظهرت في الصورة التي التقطها أوت عارية هاربة من الحروق التي سببتها القنابل.

منذ ذلك اليوم، جالت الصورة العالم كلّه؛ الصورة التي تسبّبت في حصول مصوّرها على جائزة البوليتزر، إضافة إلى أنها كانت عاملًا، من عوامل متعددة، أدت إلى انتهاء الحرب الفيتنامية.

في مطلع هذا الشهر، حذف فيسبوك هذه الصورة التي شاركها كاتب نرويجي على فيسبوك ضمن مجموعة من أشهر الصور في القرن العشرين. وبعد أن انتشر الموضوع، أعادت نشر الصورة صحيفة أفتنبوستن اليومية، تضامنًا مع الكاتب النرويجي، ليحذف الفيسبوك مرّة أخرى الصورة، فتشارك بعدها رئيسة الوزراء النرويجية الصورة على صفحتها لأنه لا يمكن، ولا يجب، «السماح للشركات مثل فيسبوك بالتحكم في المعلومات بهذه الطريقة». لكن فيسبوك حذفها مرّة أخرى، لتبدأ حملة تضامن كبيرة، جالت أخبارها العالم، رافضةً لسياسة الفيسبوك، الذي قال أنه يحذف الصورة بسبب سياسته التي تمنع نشر صور الاعتداء على الأطفال، أو الإساءة لهم جنسيًا.

في الشهر ذاته، حذف فيسبوك، العديد من الصفحات الفلسطينيّة على فيسبوك، مثل صفحة وكالة صفا، التي كان قد وصل عدد متابعيها لقرابة المليون متابع، فيما حذف قبلها بأيّام حسابات عدد من مدراء صفحتي «شبكة قدس» و«شهاب نيوز» واللتين يبلغ عدد المشتركين فيهما مجتمعتين 11 مليون شخص. جاء هذا الحذف بعد اتفاق بين إدارة فيسبوك وحكومة العدو الصهيوني، وبُعيد لقاء وزيرة القضاء الإسرائيلي إيليت شاكيد ووزير الأمن الداخلي جلعاد أردان بعدد من كبار المسؤولين العاملين في شبكة فيسبوك أثناء زيارة سابقة لهم لفلسطين المحتلة.

الجيد في الموضوع هو أن فيسبوك، تراجع عن هذه الخطوات بعد الحملات الإلكترونية المحتجّة، واعتذر عن هذا السلوك.

حسنًا، ربما يكون سلوك الفيسبوك نهج التعلّم من الأخطاء سلوكًا سويًا، ومطلوبًا من الدولة الأكثر تنوعًا في العالم، لكنني أفكر في الأسباب التي تدفع فيسبوك نحو اتخاذ قرارات الحذف.

يسعى فيسبوك، فيما أظن، إلى أن يكون عالمه الافتراضي مكانًا جميلًا، هادئًا، من دون أي مشاكل، مكانًا لا يشارك فيه الناس إلّا صورهم التي التقطوها في مطعمهم المفضل، أو فيديوهات مباشرة من استاد كرة القدم الذي ذهبوا إليه رفقة أصدقائهم أو عائلاتهم، أو بوستات عن الأشخاص الذين يحبّونهم، أو عن تجارب أبنائهم في ركوب الدراجة لأول مرّة. فقط.

بالطبع لا مشكلة لديّ مع هذا أبدًا، يعني من أنا لتكون عندي مشكلة مع البهجة التي يريد فيسبوك أن يراها على جدرانه؟ لكن المشكلة، برأيي، هي أن تصوّرات الفيسبوك عن العالم غير واقعية.

يسعى فيسبوك، فيما أظن، إلى أن يكون عالمه الافتراضي مكانًا جميلًا، هادئًا، من دون أي مشاكل.

العالم ليس مكانًا ورديًا، ويكفي أن تفتح أي قناة إخبارية حتى في أكثر بلدان العالم سعادة، لتعلم أن العالم مكان مليء بالموت والفقر والجوع والحروب والدم والظلم والبؤس. في العالم الكثير من الورد، وفيه شوك أكثر. لذا، حين يطلب فيسبوك منّا أن لا نتحدث إلّا في الأشياء اللطيفة والجميلة، وتجنّب الحديث عن المشاكل التي يزخر بها العالم، فإنه يتحوّل من منصة تواصل اجتماعي إلى كائن يشبه كيم كاردشيان، إلّا أنه بالتأكيد أقل منها جمالًا، وأكثر من زيفًا.

هذه هي المشكلة الأولى، أمّا المشكلة الثانية في سلوك فيسبوك، فمردّها، برأيي، إلى رغبة فيسبوك في تجنّب المشاكل.

الفيسبوك يشبه والدًا عربيًا، يعمل 15 ساعة في اليوم، يعود إلى البيت فيجد أن أولاده، وبعد يوم كامل من الشجار في المدرسة، والشجار في الحارة، ما زال لديهم طاقة للشجار في البيت. يعود هذا الأب إلى البيت، وأقصى طموحاته أن يكون الحمّام فارغًا، ونظيفًا. يعود إلى البيت متمنيًا، ألّا يكون لقدميه رائحة مقززة، حتى لا يضطر للنهوض من كرسيّه المفضل لغسلهما فقط لتجنّب تذمر زوجته.

الفيسبوك لا يريد إزعاجًا، لا يريد أي مشاكل، تريدون التشاجر؟ حسنًا، تشاجروا في الحارة، في المدرسة، لكن لا تتشاجروا في البيت، فلا طاقة بي للاستماع لشكواكم، ولا لوجع الرأس. يقول الفيسبوك في رأسه: تريدون الدخول في حروب؟ تريدون التقاتل على من هو الإله الحق؟ تريدون ذبح بعضكم البعض في شوارع بلدانكم؟ حسنًا، افعلوا ذلك بعيدًا عن بيتي، ليست بي طاقة للتعامل مع هذه الأشياء التافمة، لدي مشاكل حقيقيّة أتعامل معها، لدي مشكلة حجبي في الصين، لديّ مشكلة فقر الهنود التي لا تمكّنهم من الدخول عليّ، أما الاحتلال، الموت في طرقات حلب، قصف غزة بالفسفور الأبيض، اعتقال معارضين في بلدان العالم المتخلف، فكلّه هراء، ولا يُدخل إلى جيب مارك زوكربيرغ نقودًا حقيقية، والأهم، أنه يهدد بحجب فيسبوك في تلك البلدان، ولذا دعونا منها.

حسنًا، الفيسبوك ليس أبًا عربيًا، هو معلّم مدرسة عربي، لديه كلّ يوم سبع حصص في صفوف ممتلئة عن آخرها، وفضلًا عن هذه المتعة، فالأستاذ مضطّر لأن يدرّس دروسًا خصوصية بعد انتهاء الدوام، ولذا ينتقل على ساقيه من حيّ إلى آخر، ومن بيت إلى بيت، ليدرّس طلابًا لم يكونوا يستمعون له في الصف، ولم يكن هو يأبه بهم لأن الهدف الرئيس للأستاذ الذي يدرّس في كل فصل خمسين طالبًا محشورين في كراسي تستعمل للتعذيب، وكما نعلم جميعًا، هو أن يظلّوا صامتين لكي لا يسمعهم المدير خلال جولاته في طوابق المدرسة. ولذا، ففي كلّ مرة يشتكي فيها طالب من أن طالبًا آخر قد كسر له قلمه، أو سطا على مسطرته، سيقول هذا المعلّم للطالب الباكي: ارجع على درجك، ويا فلان رجّعله مسطرته. لكن إن كان للطالب اللص أخ قوي، أو أب واصل، يدعى أمريكا مثلًا، يقول المعلم ساعتها: ارجع يا فلان على درجك، وإذا بتزعجني مرة ثانية، بحسب الله ما خلقك.

ليس فيسبوك معنيًا بالصراع بيننا وبين العدو الصهيوني، وربما لا يعلم لمن الحق في هذا الصراع، وهو لا يريد أن يعلم أصلًا. كل ما يريده هو أن لا نزعجه بخلافاتنا. وإن أصررنا على اللعب في ساحته، إن اضطررناه لأن يكون موجودًا في معاركنا، فالموضوع بالنسبة له سهل وبسيط. من هي الجهة الأقوى؟ من هي الجهة التي يعترف بها العالم في مواجهة الجماعات التي لا يعترف بها العالم كثيرًا، إسرائيل؟ حسنًا، إذًا سأنحاز لها. هذه هي نهاية النقاش. عودوا جميعًا إلى دروجكم، ولا أريد سماع أي صوت، وبكفي وجع راس.

ليس مهمًا لمن الحق، ليس مهما لفيسبوك من الجهة التي تتعرّض للإبادة. من وجهة نظره فإن خلافنا كلّه قائم على من يملك المسطرة، والمسطرة شيء سخيف، ولا يستحق الصراع عليه، ولذا علينا جميعًا، أن نخرس، ونتوقف عن إزعاجه. أمّا الخيار الآخر فهو: حسنًا، إن أردتم إدخالي في نزاعكم، فسأنحاز للأقوى.

وإن كنّا نغض الطرف، ونتعاطف مع الأب المنهك، ومع المعلّم ذي الجدول المزدحم فإنه لا يمكننا ان نتفهم هذا السلوك من فيسبوك. ولا أن نقبله.

عزيزي فيسبوك، عندما تكون رئيسًا لدولة فيها أكثر من مليار إنسان، لا يمكن لك بحال من الأحوال أن تشتري راحة راسك، ولا أن تطلب من الناس أن تخرس. وكذلك لا يمكن لك أن تتوقع من منصة شعارها التواصل مع الناس، أن يُبقي هؤلاء الناس خلافاتهم واختلافاتهم خارجها.

عزيزي فيسبوك، من اللطيف أن يمنع الموقع المحتوى المحرّض على العنف، لكن انحيازكم للطرف الأقوى، المعتدي، يحوّلكم من منصة حيادية إلى منصّة حليفة للإرهاب، الذي من تسمياته الأكثر شيوعًا إسرائيل. ومن المهم أن تكون لك سياسة عامة، تجاه مشاركة صور الأطفال، لكن هذه السياسة تكون غبية، وغير صالحة عندما لا تفرّق بين صورة «جنس أطفال» سيستغلّها منحرفون، وبين صورة حرب ربما تكون في لاوعي العالم أشهر من فيسبوك ذاته.

هذه الحوادث يجب أن تكون دافعًا نحو بدء نقاش متأخر جدًا حول «السماح للشركات مثل فيسبوك بالتحكم في المعلومات بهذه الطريقة»، وامتلاك فيسبوك، وجوجل، وغيرها من الشركات العملاقة، لمعلومات ضخمة جدًا حولنا، حول اهتماماتنا، وأفكارنا، ومشاعرنا يجب أن يدفعنا للتفكير بشكل حقيقي حول السياسة العامة لهذه الشركات، وحول السلطوية التي تدير بها هذه الشركات العالم الذي خلقته. لا يجب على العالم أن يقبل أن تكون الدولة التي يسكنها سُبع البشر الموجودين في العالم دولة ديكتاتورية سلطوية يديرها، ويتحكّم بسياساتها، مجموعة من الأثرياء من دون أي عودة إلى ملايين البشر الذين ستؤثر عليهم قرارات تلك المجموعة. إلّا إن كنت الصين طبعًا، والتي، للمفارقة، تحجب الفيسبوك عن مواطنيها.

لا يجوز لفيسبوك أن يقرّر وحده ما هو المناسب وما هو غير المناسب، من هم الجيّدون ومن هم الأشرار، ما الذي يستحق أن يبقى على جدران فيسبوك، وما الذي يجب أن يمحى.

وكون الفيسبوك قد تأسس على يد مارك زوكربيرغ، وأصدقائه، لا يعطيهم الحق لأن يقولوا لمن يختلف معهم: مش عاجبكم اتركوا فيسبوك وروحوا على تويتر. لأنه، ورغم امتلاكهم للموقع وللمحتوى المنشور فيه، بحسب شروط الاستخدام التي لا يقرأها أحد، إلّا أنه لا يمكن أن يتعامل فيسبوك مع نفسه على أنه شركة بيبسي.

الفارق بين بيبسي وفيسبوك، هو أن الأولى تؤثر على الوعي العام للمستهلكين بطريقة غير مباشرة، أمّا فيسبوك، وعبر الألوغري، التي ما تنّفك تعبث بها، فإنه يساهم بتشكيل وعينا، وتغييره؛ يغيّره عندما لا يرينا إلّا ما يعتقد أننا سنحب رؤيته، ويغيّر نظرتنا للعالم عندما يحجب معلومات نحتاج إلى معرفتها.

كما أنه من غير الممكن إعفاء فيسبوك من مسؤولياته تجاه العالم تحت حجّة أنه شركة رأسمالية، تهدف للربح، وللربح فقط. لأن هذا المنطق يشبه المنطق الذي تبرّر به الحكومات المستبدة للدول الريعية سياستها؛ إذ تنفرد الدولة باتخاذ القرارات من دون أي حاجة للرجوع للشعب، على اعتبار أنهم لا يدفعون ضرائب. ولأنها تقدّم برامج رعاية (رشوة) واسعة تعفي هذه الدول المواطنين من المشاركة في القرار السياسي والاقتصادي إلخ إلخ.

في حالة فيسبوك تظهر هذه الريعيّة عن طريق مجّانيته المفترضة، إذ يقدّم فيسبوك لمواطنيه مساحات شبه مفتوحة وهائلة الحجم، بشكل مجّاني، في مقابل ألّا يتدخل هؤلاء المواطنون، الذين يفوق عددهم المليار، في وضع السياسات الناظمة للعلاقة بينه وبينهم، وبين المواطنين أنفسهم، وبين المواطن وبيته.

ولأن هذا المنطق مرفوض في حالة الدول، هو مرفوض كذلك في حالة الشركات العابرة للحدود والقارّات.

ما أريد قوله هو أن تواجد مليار إنسان على فيسبوك، وقضائهم للكثير من يومهم فيه، كل يوم، يحوّله من شركة إلى مجتمع. وتأثيره المباشر على حياتنا اليومية وعلى مستقبلنا ومستقبل أولادنا حوّله من عالم افتراضي إلى عالم قد يكون أكثر حقيقيّة، من العالم المادي الملموس.

إن كان فيسبوك منتجًا في العالم الأول، فإن سلوكياته، وطريقة إدارته، تشبه إلى حدٍ كبير نظامًا عربيًا مستبدًا، لا يحب وجع الراس، ويسقط القوانين التي ستنظّم حياة الشعب من فوق، ولا يعترف بحق مواطنيه بأن يحكموا أنفسهم، بأنفسهم. وإن كانت الأنظمة العربية تعد مواطنيها بالديمقراطية، ففيسبوك أكثر من هذه الأنظمة وقاحة إذ أنه أصلًا لا يعترف بحقّ مواطنيه في الديمقراطية، فلا يعدهم بها، ولا يحوي لفظها معجمه، وأي معترض على هذا الكلام مصيره الحظر.

عزيزي فيسبوك، أظن أنه قد حان الوقت لكي نجلس جميعًا، فنتحاور، ونتشاجر، لكي نصل إلى صيغة تفاهم أفضل من تلك التي فرضتها علينا.