«السترة» بدلًا من العدالة: إلى متى ستظل المادة 308 بابًا لإفلات المتهمين بالاغتصاب من العقاب؟

الأربعاء 22 شباط 2017

لكل قاعدة قانونية غاية. وفي حالة التشريعات الجزائية، فالأصل أن الغاية هي تحقيق الردع العام وإنصاف الضحايا وإصلاح الجاني. لكن قانون العقوبات الأردني، في الباب الأول من الفصل السابع منه على وجه التحديد، جعل غايته «السترة»، والسترة فقط، على ضحايا الاعتداءات الجنسية.

تنص المادة سيئة الصيت 308 من قانون العقوبات على أنه «1. إذا عُقد زواج صحيح بين مرتكب إحدى الجرائم الواردة في هذا الفصل وبين المعتدى عليها، أوقفت الملاحقة، وإذا كان صدر حكم بالقضية، عُلّق تنفيذ العقاب الذي فُرض على المحكوم عليه. 2. تستعيد النيابة العامة حقها في ملاحقة الدعوى العمومية وفي تنفيذ العقوبة قبل انقضاء ثلاث سنوات على الجنحة وانقضاء خمس سنوات على الجناية إذا انتهى الزواج بطلاق المرأة دون سبب مشروع». ولهذه المادة الثانية تفسير لا يستحي منه أو يخفيه أي من المؤيدين لبقاء المادة في التشريع، فكثيرًا ما سمعنا في معرض تبرير الإبقاء عليها «من سيقبل الزواج بالضحية و/أو الناجية من الاعتداء؟».

تنطبق المادة 308 على الجرائم الواقعة على العرض -باستثناء ما وقع منها بين الأصول والفروع- دون التفرقة بين طبيعة الاعتداء الجنسي، ودون تمييز بين سن الضحايا؛ فهي تُطبق في حالات الاغتصاب ومواقعة القاصر، وهتك العرض، والخطف، والإغواء، والتهتك، وخرق حرمة الأماكن الخاصة بالنساء. الاغتصاب، وفق تعريف القانون، هو مواقعة أنثى (غير زوجة) بغير رضاها، سواء بالإكراه أو التهديد أو الحيلة أو الخداع. وإن جرت هذه المواقعة بالرضا على فتاة بالغة فلا تجريم إلا بشكوى الزوج أو الولي، وأن كانت العلاقة الجنسية مع قاصر دون تهديد أو خداع فهي جريمة مواقعة قاصر، وكل ما يخرج من أفعال عن جريمة الاغتصاب، يعد هتك عرض.

منذ سنوات، تثير المادة 308 بتطبيقاتها في القانون النافذ جدلًا واسعًا في الشارع الأردني يخفت ويعود ليتجدد، كما تشهد النقاشات حول إلغائها انقسامًا، شأنها شأن القضايا الحقوقية عمومًا، والقضايا المتعلقة بحقوق النساء على وجه التحديد.

ومع أن الأردن قد أعلن موافقته على إلغاء حكم المادة 308 تمامًا في معرض رده على توصيات المراجعة الدورية الشاملة لحقوق الإنسان سنة 2013، إلا أن المشروع المعدل الذي تقدمت به الحكومة على قانون العقوبات -وعادت لسحبه- لم يلغِ المادة، بل قَصر التعديل على الفقرة الأولى منها، بحيث قلل عدد الأفعال الجرمية التي ينطبق عليها حكم المادة، وهي أفعال مواقعة قاصر تجاوزت الخامسة عشرة ولم تتجاوز الثامنة عشرة، وهتك عرض ذكر أو أنثى تجاوز الخامسة عشرة ولم يتجاوز الثامنة عشرة المرتكب دون عنف أو تهديد، ومواقعة أنثى تجاوزت الثامنة عشرة بوعد الزواج، والزنا؛ علما أن المادة المتعلقة بالزنا لم تكن من ضمن الفصل الذي كان ينطبق عليها حكم المادة 308 سابقًا.

الداعون لإلغاء المادة يرون فيها نصًا معيبًا لا ينصف الضحايا ولا يجبر الآثار النفسية والصحية والاجتماعية التي يوقعها الاعتداء الجنسي. فالنص بذلك يعاقب الضحية نفسها في حين يشكل للمتهم/الجاني فرصة للإفلات من العقاب. ويثير تساؤلات حول طبيعة رضى الفتاة أو حقيقة رضاها بهكذا «زواج» تحت وطأة الضغط الاجتماعي و/أو تهديد الجاني للفتاة وأهلها، أو استسلامًا لصفقة تمت بين الجاني ووليها.

القائلون ببقائها يبررون بأن هذه المادة تطبق بموافقة ورضا الطرفين، أي المتهم والضحية، ولا يمكن تطبيقها جبرًا، وأن هذه المادة تقدم حلولًا للفتيات القصّر اللواتي أقمن علاقات رضائية، وتحفظ نسب الأطفال المتولدين من هذه العلاقات، وأن المادة لا تنحاز ضد النساء بل أن في تطبيقها انتصارًا لمبدأ المساواة، حين صدر حكم قضائي قضى باستفادة النساء أيضًا من المادة 308 في حال ارتكابهن فعل هتك عرض على الذكور؛ فقد جرى الادعاء على امرأة تبلغ من العمر 39 سنة وملاحقتها لأن علاقة جسدية جمعتها مع فتى قبل بلوغه سن الرشد بشهر واحد، وقررت المحكمة وقف ملاحقتها لوجود عقد زواج بينها وبين المجني عليه.

إن سايرنا -على مضض- مبررات المؤيدين لبقاء المادة، فهل تتحقق فعليا مصلحة الضحايا؛ وهل تخلو المادة وتطبيقاتها والمبررات ذاتها من التناقض والإشكاليات؟

أولًا، هل يحق لنا اعتبار الزواج المعقود بين متهم مهدد بالسجن لمدد قد تصل إلى 20 سنة زواجًا تحققت شروطه التي يتطلبها القانون على الأقل، كالكفاءة والرضا؟ وكيف يمكن لنا الاعتداد برضا الضحية القاصر أو برضا فتاة خضعت وأهلها لتهديد الجاني أو برضا فتاة قبلت شكلًا تحت وطأة الضغط المجتمعي أو تحت خطر الإيداع في السجن بحجة الحماية؟

ثانيًا، يشترط القانون لإيقاف تنفيذ العقوبة أو إعادة الملاحقة أن يستمر الزواج خمس سنوات في الجرائم المصنفة جنايات، كالاغتصاب ومواقعة القاصر، وأن يستمر ثلاث سنوات في الجرائم المصنفة جنحًا، كبعض جرائم هتك العرض و«المداعبة المنافية للحياء»، واستثنى من استمرارية الزواج انتهائه لسبب مشروع، وأن لجوء المعتدى عليها للقضاء لطلب الطلاق يعد سببًا مشروعًا لا يتم ملاحقة المعتدي بعده- حتى وإن كان الطلاق بسبب العنف الواقع عليها والتحقير والإهانات التي تتلقاها في بيت الزوج المعتدي أو بسبب سوء سلوكه أو إدمانه أو دفعه لها للعمل في البغاء. وعمليًا، وأن طلق الزوج المعتدي ضحيته -دون سبب مشروع- قبل المدة المحددة قانونًا ونظرًا لعدم وجود ربط بين المحاكم الشرعية التي تجري الطلاق وبين المحاكم النظامية، فلن تتم ملاحقته.

تناقض ثالث يسوقه القائلون ببقاء المادة يتمثل في أن وجودها يشكل حلًا للفتيات القاصرات اللواتي يدخلن في علاقات جسدية رضائية. ولا يجيبنا هؤلاء على علّة التجريم وسببه طالما أن العلاقة رضائية. ومع أن التجريم متسق مع قاعدة أن لا اعتداد بإرادة القاصر؛ ولكن من غير المنطقي أن القاصر التي لا يعتد برضاها لارتكاب فعل جنسي أصبحت أهلًا وصاحبة إرادة للموافقة على الزواج!

رابعًا، تثير المادة إشكالًا آخر بتطبيقها الحالي لأنها توقف الملاحقة قبل صدور حكم يقضي بثبوت إرتكاب المتهم للفعل أو ببراءته، مما يعني أن يقبل المتهم بالزواج خشية من السجن -خاصة مع التوسع في التوقيف قبل المحاكمات- حتى وإن كان بريئًا؛ مما قد يفتح المجال للابتزاز والشكاوى الكيدية. والأخطر هو أن إيقاف الملاحقة قبل ثبوت ارتكاب الفعل يعني أن يعود المتهم للتعامل مع نساء أخريات دون أن يقوّم سلوكه، ودون أن تسجل سابقة جنائية له. فما الذي سيردعه عن تكرار فعلته ومن سيحمي الأخريات منه؟ كما أن المادة لا تعالج حالة التكرار؛ فإذا ارتكب الجاني فعلته مرة أخرى ومع ضحية أخرى سيستفيد من تطبيق حكم المادة.

خامسًا، هناك إشكال آخر يثيره ارتكاب الاعتداء من قبل عدد من الجُناة، وبالتالي سيستفيد من المادة أحدهم دون الآخرين. وسيكون على الضحية هنا الاختيار -إن كان هذا خيارًا- وغالبًا، ستكون الأفضلية لمن يملك أن يساوم وليها بصفقة. والإشكالية ليست هنا في انعدام المساواة بين المتهمين، وإنما في ما قد تقدمه المادة عند التطبيق من أن تتزوج الضحية من كل واحد من المعتدين لمدة ويعود لتطليقها لتتزوج بآخر وهكذا حتى يفلت جميعهم من العقاب. كنت أود أن يظل هذا القول في دائرة الافتراض الخيالي، ولكنه للأسف ليس كذلك. ففي إحدى القضايا التي عُرضت على المحكمة وقضت بالعقوبة على شخصين بتهمة الاغتصاب، ومع إجراء عقد زواج بين أحد الجانيين والضحية، فقد أوقف تنفيذ العقوبة بحقه. وبعد ستة أشهر، تقدم الجاني الثاني للمحكمة بطلب منحه الإذن بتحرير وكالة لإجراء عقد زواج على الضحية نفسها التي تبين أنها تطلقت من الأول، لكن نباهة أحد القضاة الذي شك أن في الأمر صفقة قادته لرفض منحه ذلك الإذن. لكن بالطبع، لم تجري إعادة ملاحقة المتهم الأول لأن عقد الزواج انتهى قبل انقضاء الخمس سنوات.

وأخيرًا، فالسابقة القضائية التي قررت استفادة النساء المتهمات/المحكومات بارتكاب فعل ضد ذكر لا تخفف مساوئ المادة ولا تجعلها إنجازًا يحسب لصالح إقرار المساواة وحماية حقوق النساء؛ كما أن تطبيقات ملاحقة النساء وتجريمهن تجري عادة حين ترتبط المرأة بعلاقة مع فتى قاصر، وهو بهذه الحالة يحتاج للحماية أيضًا. وما من شك أن المستفيد الأكبر هم مرتكبو العنف من الذكور، لأن الخيار الحر بقبول الزواج معدومة في حالة النساء، ففي حال كون الضحية ذكرًا، فإنه ليس في وضع يجعله مجبرًا تحت الضغط الاجتماعي على قبول الزواج كحال النساء. ففي قضية أخرى، اتهمت فتاة بمواقعة قاصر، ورفض والده إتمام الزواج، فحُكمت وقضت مدة محكوميتها وظلت في التوقيف الإداري بعدها.

إن المبررات التي يسوقها أنصار بقاء المادة بشكلها الحالي أو بإجراء عدد من التعديلات لا يتفادى هذه الإشكاليات، ولا يحقق الإنصاف والعدالة للناجيات، ولا يردع الجاني؛ لذا فالمطلوب إلغاؤها بمختلف تطبيقاتها وإلا سيظل الاغتصاب والعنف والاستغلال تحت عين القانون ورعايته، والعنف الجنسي الذي اقترفه الجاني/المتهم خلافًا للقانون سيعود لاقترافه المرة تلو الأخرى، لكن هذه المرة سيصبح لهذا المغتصب حقوق قانونية بالطاعة والمعاشرة على زوجته الضحية، باسم الزواج وبمباركة القانون.