«إسلام السوق»: الثورة المحافظة الجديدة

الخميس 15 كانون الأول 2016
عرض أزياء في إسطنبول عام ٢٠١٤ لدار مودانيسا للأزياء، الشريكة مع ماركات في دبي وماليزيا. تصوير مونيك جاك، للنيويورك تايمز.

تركز الدراسات الكثيرة عن الإسلام على الجوانب الدينية والسياسية والفكرية، ونادرًا ما نقع على دراسة أو كتاب يبحث في الجوانب الاقتصادية. كتاب «إسلام السوق» لعالم الاجتماع السويسري باتريك هايني، الذي صدر أول مرة باللغة الفرنسية عام 2005، ولم ينقل إلى اللغة العربية حتى عام 2015، يأتي ليبحث في ظاهرة ربما لا تقل أهمية عن ظاهرة الإسلام السياسي أو انتشار التطرف.

الكتاب، الذي ترجمته عومرية سلطاني ونشرته دار مدارات، هو ثمرة جهود امتدت على عشر سنوات أو يزيد، كما يقول المؤلف، وهو لا يبحث في الدين الإسلامي بإطلاق، بل في أحد أشكال التدين المنتشر خارج حركات الإسلام السياسي، ولا يشكل بديلًا عنها في نفس الوقت. إنه شكل تدين مُتكيف مع الاقتصاد الرأسمالي النيوليبرالي، منفتح على العولمة، يخالف نظرة الغرب إلى العالم العربي بمنظار التراجع والانكفاء على الهوية. فمقابل هذه النظرة الهوياتية للخطاب الإسلامي، يأتي الكتاب ليبحث في شكل ثقافة إسلامية جديدة تتشكل من خلال علاقة منفتحة مع العالم. لذلك فالمؤلف يرفض كل التراث الاستشراقي والرؤى السياسية الإعلامية والسياسية الغربية تجاه المجتمعات العربية والإسلامية.

24qpt971ما هو «إسلام السوق»؟

إسلام السوق بالنسبة للمؤلف ظاهرة أعمق بكثير من الأطروحة «الساذجة» المتداولة إعلاميًا حول «تجارة الدين» أو «المتاجرة بالدين»، بل تتناقض معها. إنه مزيج «من النزعة الفردانية المتعولمة، ونزع للقداسة عن الالتزام التنظيمي، بما يتضمنه ذلك من التخلي عن الشعارات الكبرى التي تتمحور حول شعار «الإسلام هو الحل»، وإعادة النظر في فكرة شمولية الإسلام لكل مناحي الحياة، والتدين الورع الذي لا يولي مسألة الدولة والثقافة المرتبطة بالطبقة الاجتماعية اهتمامه».

«إسلام السوق» ليس رافعة للتعبئة الهوياتية بقدر ما هو حافز للانفتاح على العالم، يشارك في اللحظة النيوليبرالية التي تعكس التخلي عن البنى السياسية الكبرى، سواءً كانت دولًا ما بعد كولونيالية أو حركات اجتماعية شمولية الطابع. وقد أتى الربيع العربي ليؤكد هذه الاتجاه، فالكاتب في مقدمة الترجمة العربية يرى أن كتابه «ما يزال يحتفظ بحجيته أكثر من أي وقت مضى».

هذا النمط من التدين غير المُسيّس والمنفتح على العالم هو نتاج عملية «برجزة» داخَلت عملية الأسلمة.

و«إسلام السوق» ليس حركة مؤسسة على حزب أو تنظيم، ولا تيارًا أيديولوجيًا كالسلفية، أو سياسيًا كالإسلام السياسي، ولا هو مدرسة في الفكر الديني، إنما حالة أو توجه قادر على التوطن والتأثير في كل حقائق الإسلام المعاصر، ويمكن أن نرى تجلياته لدى السلفية والإخوان المسلمين والصوفية وفي «المنتجات الهوياتية» وبعض العادات الحياتية للمتدينين، وهو ممتد في العالم كله حيث يوجد مسلمون.

هذا النمط من التدين غير المُسيّس والمنفتح على العالم هو نتاج عملية «برجزة» داخَلت عملية الأسلمة، حيث يراهن الإسلامويون المتبرجزون والبرجوازيون المتأسلمون على تجاوز الإسلامويين الكلاسيكيين والإخوان المسلمين الذين ربطوا مصيرهم بالدولة الوطنية، النتاج السياسي للقرن التاسع عشر، الذي يعاد النظر بشأنه اليوم.

ويلتقي «إسلام السوق» ضمنًا مع «الثورة الأميركية المحافظة»، في استناده على فكرة دولة غير مُتدخلة، وقطاع خاص يتكفل بحل مسألة اللامساواة الاجتماعية، والدفاع عن الآليات المؤسسة للديمقراطية، وضغوط قوية تجاه تعددية أنماط الحياة. لذلك فـ«إسلام السوق» هو «الثورة المحافظة الأخرى» في حركة الأسلمة، بحسب الكتاب؛ نموذجٌ على الطريقة الأمريكية، يرتبط في التفاعل بين المجال الديني والحقل الاقتصادي، وليس من خلال تسييس الإسلام.

ويأتي «إسلام السوق» متزامنًا مع تصاعد دينامكية الحراك الاجتماعي للبرجوازية الكوزموبوليتانية، وطبقات التجار المتدينين الذين يعملون في مجال الأعمال بما يتماشى مع آمال دنيوية يحملونها، بما يؤدي إلى توثيق العلاقة بين الديني والاقتصادي، ومحاولة تقديم تدين أكثر توافقًا مع الثقافة الطبقية للمستفيدين من هذا الانفتاح. وهو «إسلام» منفتح وعملي يعتنق توجهات اقتصادية، كذلك التوجه الذي لاحظه ماكس فيبر في البروتستانتية.

كيف ظهر هذا النمط من الإسلام؟

إذا كانت مساحة الديني تتمدد بالفعل في العالم الإسلامي، إلا أن الصورة التقليدية للإسلام تبدي، رغم ذلك، بعض مظاهر التراجع، تتبدى على مستويين على الأقل. الأول هو تكاثر الناقمين داخل الحركة الإسلامية، الذين ينتقدون الروح الطائفية التي بدأت تتلبس أيديولوجية هذه الحركة، ويعارضون لهجة الحزم، ومبادئ الانضباط الصارم التي تحكم العلاقات الداخلية التنظيمية. ورغم أن هؤلاء لا ينفصلون دائمًا عن تنظيماتهم، إلا أنهم الآن يفضلون البحث عن حلول فردية، وتحقيق الذات والسعي خلف النجاح الاقتصادي.

والمستوى الثاني هو تضاؤل سيطرة الجماعات الإسلامية التدريجي على ديناميكيات الأسلمة التي كانت هي من بادر إلى إطلاقها، وهي، أي الجماعات الإسلامية، تواجه الآن منافسة شديدة من قبل متعهدين «إنتربرَنورز» (رياديين) جدد مستقلين وأقل اهتمامًا بالنماذج السياسية الكبرى. وتضم قائمة هؤلاء «الإنتربرَنورز» دعاة جدد، ومثقفين تصالحوا مع نماذج الحداثة السياسية الغربية، وكتابا أخلاقيين، ومقدمي برامج إذاعية وتلفزيونية، وداعيات «الصالونات» الإسلامية، سيما في أحياء الأغنياء، ومجموعات موسيقية جديدة، وغيرهم. وبالنسبة لهؤلاء الذين يمثلون الآن الفرسان الجدد لعملية الأسلمة، فإن الانشغال بالاحترام الفردي للمعيار الديني أصبح أكثر أهمية بحيث يتجاوز طموحات الوصول إلى السلطة أو الاهتمام بالإصلاح الاجتماعي.

الانشغال بالاحترام الفردي للمعيار الديني أصبح أكثر أهمية بحيث يتجاوز طموحات الوصول إلى السلطة أو الاهتمام بالإصلاح الاجتماعي.

بشكل عام، يسعى هؤلاء نحو إنجاز مصالحة توفيقية بين المد الديني والحداثة الغربية. مستخدمين مقاولات دعوية على الطرق الأمريكية في الدعاية. وحيث أن الجماعات الإسلامية استنزفت، وصار المنضمون إليها يشعرون بجمودها العقائدي والتنظيمي، في عالم تتراجع فيه التنظيمات النضالية الكبرى لصالح شبكات بلا رأس أو قيادة، يجد الناقمون الحل في الانفتاح على الحداثة الغربية والاقتباس منها.

وتحفر الحداثة كمشروع علماني فردي، كما تقول أستاذة السياسة في الجامعة الأمريكية في القاهرة، هبة عزت، في مقدمتها للكتاب، مسارها في المجتمع دون أن يفهم الناس أحيانًا مفاتيحها. وستصاب المفاهيم الحاكمة للحركات الإسلامية كالجهاد والحجاب بحالة من السيولة، ويتبنى البعض «رؤية التنمية البشرية الأمريكية المتمركزة على القيم البروتستانتية من تركيز على النجاح الفردي والسعي نحو الثروة والنجاح الدنيوي». وفي هذا المسار انتقلت الحشمة الإسلامية وزيها الخارجي من الحجاب برمزيته السياسية إلى الاستهلاك الجماعي والتأثر بالموضة.

ولقد توسع «إسلام السوق» هذا منذ النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، نتيجة إلى أربعة نماذج تشكل مباحث هذا الكتاب.

أولًا: تبلور لحالة ملموسة من التدين الفرداني. فهذا التدين يتخلى عن المشاريع الكبرى الجماعية في سبيل مشاريع شخصية يهيمن عليها مبدأ تحقيق الذات والبحث عن الرفاهية الفردية في مسار منفتح على التقاليع الغربية، والاستمتاع بمباهج الحياة، والتصالح مع واقع الاستهلاك الجماهيري، وتطور نمط «التفكير الإيجابي» بديباجات إسلامية.

ثانًيا: إذا كانت ديناميكيات الأسلمة بقيت مستقطبة، حتى وقت قريب، بتفاعل عنيف بين الديني والسياسي، فإننا نشهد الآن بدء تفاعل جديد بين الديني والاقتصادي. هذا النمط الاقتصادي لا يوفر لنمط التدين الجديد هذا روافعه المادية الملموسة كالسوق فحسب، بل يمده أيضًا بنماذج فكرية جديدة تعيد صياغة الإسلام نفسه وفق مفردات جديدة كتحقيق الذات، مضافًا إليها عناصر من الأخلاقية البروتستانتية، ما سينتج عنه «لاهوت النجاح» مبشرًا بمسلم جديد لا يقدم نفسه كشخص ورع أو متطرف مسلح، بل عبر الأداء والمنافسة.

ثالثًا: التأكيد على روح المؤسسة داخل مساحة الديني حيث تسود قيم النجاح وتحقيق الأهداف. يتحول الإسلام، هنا، من مثل أعلى للصراع بالنسبة للبعض إلى عقيدة التشبث بالنجاح بالنسبة للبعض الآخر، خاصة بالنسبة للمجموعات الجديدة من الإسلامويين الشباب المفتونين بنظريات «المانِجمِنت» (الإدارة) الأمريكية. هذه النظريات استخدمها الإسلامويون في البداية لزيادة فاعلية التنظيمات الإسلامية، لكنها أصبحت لاحقًا تملأ مساحة الديني بالمثاليات الجديدة للفردانية البرجوازية كالطموح والثروة والنجاح، وتترسخ كسردية كبرى جديدة للإسلامويين الناقمين أو الذين خاب أملهم في فشل التجربة النضالية الإسلاموية.

رابعًا: إعادة تسييس الإسلام من قبل غير الإسلاميين. إسلام السوق لا يعني أبدًا نهاية السياسي بل يعني إعادة تسييس الدين على أسس نيوليبرالية. إعادة الأسلمة هذه، أو إعادة التسييس، لا تعني التمهيد لإقامة الخلافة أو الدولة الإسلامية أو تطبيق الشريعة، إنما هي قناة «لخصخصة الدولة» والقضاء على «دولة الرفاه». لم يعد الهدف هنا إقامة الدولة الإسلامية، بل إقامة مجتمعات مدنية مزدهرة تتحرك جنبًا إلى جنب مع الدولة وتقترب بشكل لافت من نماذج «المبادرات القائمة على الإيمان» الأمريكية، التي أقرها الكونغرس الأمريكي في عهد الرئيس بوش الابن، وتقضي بدعم الجمعيات الدينية ماليًا لتوفير الخدمات للفقراء والمعوزين.

«إسلام السوق» هنا، خلافًا لمقولات «محور الشر» أو «صراع الحضارات»، يلتقي مع أمريكا المحافظة، مؤمنًا بمثاليات السياسة الأخلاقية ومشاريع الرعاية التي تستهدف استعادة الديني في الفضاء العام، ومفارقًا لنموذج تدخل الدولة على الطريقة الفرنسية.

و«إسلام السوق»، كما أشرنا ليس «متاجرة بالدين»، بل هو، بالمعنى الذي درسه الكتاب، طريق للنجاح ولمنافسة للعالم الغربي، فالسعي للثروة والربح والغنى ليس سبيلًا فرديًا للخلاص فقط، بل لإسلام يستهدف «بث الروح الرأسمالية في الأمة»، لجعلها أكثر تنافسية بين الأمم، وذلك لمواجهة الجبرية والنزعة المحلية المرتبطة بالإسلام الشعبي. إنه «لاهوت النجاح».

هذه هي الأطروحات الأساسية للكتاب، التي يدافع عنها هايني عبر عدد كبير من الأمثلة من عدة دول إسلامية؛ أمثلة تشمل البعد الطبقي لهذا الإسلام، مثل تشكل جماعة «نمور الأناضول»، أو «الموصياد» في تركيا، أو تشكل أثرياء متأسلمين مع عهد الانفتاح في مصر، إلى أمثلة تتناول السوق «الدينية» أو «الأخلاقية»، مثل التجارة الحلال والسياحة الدينية والحجاب والموضة والكوكا كولا الإسلامية، إلى تبني نظريات الجهاد الشخصي أو الإلكتروني أو تبني نظريات «المانِجمِنت» الأمريكية.