عن الشرخ الذي نعمّقه باصطفافنا‎

الإثنين 26 أيلول 2016

مع أن العام لم ينتهِ بعد، إلّا أنني حتى اللحظة اضطررت للدفاع عن مكونات هويتي مئة مرة على الأقل أمام خطابات كراهية من مختلف الأطراف في العالمين الواقعي والافتراضي على حدٍ سواء.

ذات يومٍ أسود في حزيران الفائت، حين استشهد سبعة جنود من الجيش الأردني عند الساتر الترابي على الحدود الأردنية السورية، امتلأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بخطاب كراهية يحرّض ضد اللاجئين السوريين ويدعو إلى توقف الأردن عن أداء دوره الإنساني بإغلاق الحدود في وجههم. بالطبع، هذا خطاب لا يمثلني، خصوصًا وأنني سمعت روايات الفارين من الدمار والقصف فوق رؤوسهم، وسمعت إشادة صادقة منهم باستقبال الجيش الأردني لهم، وبالجنود الذين حملوا كبار السن منهم على ظهورهم بعد ليالٍ من الرعب المتواصل، ولا أريد إلا أن نكون سندًا لهؤلاء اللاجئين على الدوام.

لكن حتى أستطيع أن أقول أنني ضد إغلاق الحدود، كان عليّ وعلى من يتبنى هذا التوجه أن نثبت ولاءنا للأردن أولًا، وفخرنا بالتضحيات التي قدمّها من أجل اللاجئين قبل أن نعبّر عن رفضنا لتحميلهم وزر الإرهاب، وقبل التأكيد على حقنا في رفض إغلاق الحدود في وجوههم.

أمام حشود الخائفين على الأردن من اللاجئين، يجب أن أثبت أنني خائفة على الأردن قبل أن أقول أن الأردن الذي أريد العيش فيه لا يُعامل الهاربين من الموت في سوريا بهذا الازدراء ولا يحقّر أهلُه من لجأ يحتمي ببلادهم، ولا يعيب عليهم فقدان وطنهم بسبب الحرب.

لاحقًا، عندما تألم طفل اسمه ابراهيم لؤي الصالح في مخيم الركبان، ومُنع من دخول الأردن للعلاج لأنها منطقة عسكرية مغلقة بعد الاعتداء الإرهابي على الحدود، انقسم الأردنيّون إلى من يعتقد بأن ما قدّمه الأردن يكفي، وليُترك الطفل ليواجه مصيره، فهذه ليست مسؤوليتنا. وبين من طالب بإدخاله على الفور.

حتى أستطيع أن أُطالب بإنقاذ حياة هذا الطفل، كان عليّ أن أكرر أنني لا أنكر ما تحمّله الأردن من أعباء بسبب عدد اللاجئين الضخم، ولم أقُل أن الأردن «قصّر»، ولا أدعو إلى فتح الباب على مصراعيه أمام الإرهابيين ليعيثوا فسادًا في البلاد، لأقول بعد كل ذلك أنني ببساطة أخجل أن يموت طفل على حدود بلدي. هذه الجملة كان يجب أن تُقدَّم أمام من يتصوّرون أن الأردن لهم وحدهم، وهم يعرفون كيف يحافظون عليه.

الواقع أن تكميم الأفواه سيطالنا جميعًا بغض النظر عن «الوسم» الذي تفخر بانتمائك إليه

في حزيران الفائت، اعتُقل الداعية والأستاذ الجامعي أمجد قورشة على خلفية فيديو قديم منشور على مواقع التواصل الاجتماعي يتحدث فيه معارضًا لمشاركة الأردن في التحالف الدولي ضد داعش، وهو بالطبع معروف بتحريضه على الطوائف والديانات الأخرى في محاضراته ومنشوراته التي لا تُعد ولا تُحصى. باختصار، لا أجادل بأنه يبث خطاب للكراهية، ولكن كيف أعارض توقيفه وإيقاع عقوبة سالبة للحرية عليه في قضية رأي؟

حتى يتم ذلك، لا بد أن أقدّم الحجة الكافية لإثبات أنني مسلمة منفتحة، وأنني لا أسهر على فيديوهات قورشة للهداية، وأنه لا يمثلني، ثم أقول أنني ضد إيقاع عقوبة سالبة للحرية به، فمنطق الاصطفاف لا يفهم أن تكون تكره أحدًا إلا أنك لا تريد أن يُعتقل على رأي قاله. مع كل هذه الاحتياطات، ليس مستغربًا أن تجد نفسك في قوائم «العار» التي جهّزها المحتفلون باعتقاله لرصد كل من دافع عنه. لكن انتظر قليلًا، فإن كنت اضطررت لإثبات إسلامك المعتدل ومعارضتك للعقوبة تحديدًا أمام معارضي قورشة، فقد جاءك شهر تموز باختبار لإسلامك بالأساس.

انتقدت الكاتبة زليخة أبو ريشة في تموز الفائت مراكز تحفيظ القرآن الكريم في مقالة لها في صحيفة الغد الأردنية، ووصفتها بأنها بؤر لغسل الدماغ. قد لا أتفق مع طريقة طرح الكاتبة، ولكنها في النهاية عبّرت عن رأي، ومقالها فيه شيء من الحقيقة بشهادة أشخاص كثر قابلتهم وقالوا أنهم باتوا يخشون إرسال أبنائهم إلى المساجد ومراكز تحفيظ القرآن خشية التقائهم بمتطرفين يشدّونهم إلى تلك الطريق. الأنكى من ذلك أن استراتيجية مكافحة التطرف التي نشرت في حزيران الفائت كانت تتحدث بشكل موسع عن تشديد الرقابة على كل المؤسسات الدينية، ممّا يعني أنها تحتمل وجود خطر على فكرنا فيها، باعتراف الدولة والخبراء الذين وضعوا الاستراتيجية.

جنّ جنون طيف واسع من القراء الذين لا يحتملون انتقادًا لطريقة تدريس الدين، وليس الدين ذاته، بحجة أن البلاد «دينها الرسمي الإسلام»، وكأن هذا يكفي لنصمت عمّن يبث أفكار خطيرة باسم الدين. حتى أدافع عنها، كنت مضطرةً لإثبات أنني مسلمة أيضًا، وليس بالوراثة فقط، تمامًا مثل الذين جُرحت مشاعرهم أولًا، ثم أقول بأنني لم أشعر بالإهانة، أو أن ديني مهدّد أو على وشك الانقراض. وأمام من طالب الجريدة باعتذار رسمي عن مقال رأي، كنت مضطرةً لإثبات أنني غير متأثرة بما كتبت ليس لأنني عديمة الإحساس، بل لأنني أؤمن على ما يبدو بدين غير ذاك الذي يهتّز بكلمة.

ثم تأتي الانتخابات الأردنية، ويأتي موعد الاصطفاف في الساعات الأخيرة، لأجد نفسي في دائرة انتخابية تخيّرني بين قائمة الإصلاح التي يقودها نقيب المحامين الأسبق صالح العرموطي المعروف بمناصرته للرئيس العراقي الراحل صدّام حسين، وبين قائمة تدعو لدولة مدنية بشعاراتها، ولكنها تتضمن مناصرًا للرئيس السوري بشار الأسد لا يُعرف بالضبط متى بدّل رأيه به. إذن، كان عليّ المفاضلة بين مدنيّ طالب بسحل ساجدة الريشاوي، وإسلامي ذهب لتقديم العزاء بأبي مصعب الزرقاوي. هذه كانت الدائرة الثالثة، أو دائرة «الحيتان»، وهذا كان حوارها يوم الانتخابات.

لا أريد أن أظلم القوائم، فقد قدمت برامجها بالتأكيد ما يتعدّى هذه القضايا، ولكن مواقف هؤلاء الأشخاص عندما يكونون على المحك هي ما يهمني بالطبع، وهي مؤشر مصداقيتهم.

لأنني لا أريد أن أُحسب على أي من هذه الأصوات، كنت مضطرة للتأكيد على أنني أريد «إصلاحًا» أولًا، ثم أنني سأحجب صوتي عن القائمة التي تطالب بالحريات الفردية والدولة المدنية، لأنها لا تأتي في حساباتي على الأقل على حساب القبول بقتل مئات الآلاف من الشعب السوري. كنت مضطرة لإثبات أنني لست إسلامية داعشية رافضة للدولة المدنية وللفنون والرقص والإبداع والجمال، وأنني خائفة عليها تمامًا مثل المطالبين بها، ولكنني لا أريد دولة علمانية يقودنا إليها شخص يعتقد أن جريمة الأسد الوحيدة هي سلبه لـ«الحريات السياسية» للشعب السوري.

ثم يأتي اليوم الأكثر سوادًا، والذي أضطر فيه للقول أولًا بأنني مسلمة وأردنية من أصل فلسطيني وأمقت الرئيس السوري بشار الأسد، ثم أنني كدت أبكي بحرقة على خبر مقتل الكاتب الأردني ناهض حتر على خلفية نشره كاريكاتيرًا يسخر من تصوير داعش لله. الكاتب هو ذاته الذي كنت أعارضه في كل صغيرة وكبيرة، واحتفظت بأرشيف من مقالاته السابقة للرد عليها يومًا ما بطريقة مدروسة بالقلم والفكر والحجة المضادة.

كدت أبكي أكثر عندما وجدت أن جثمانه لم يُدفن بعد، والاصطفافات قد بدأت بين الفرحين بمقتل كاتب «علماني» والفرحين بـ«بيان نوايا الإسلاميين» الحقيقية، هؤلاء الذين انتُخبوا بالأمس.

الواقع أن تكميم الأفواه سيطالنا جميعًا بغض النظر عن «الوسم» الذي تفخر بانتمائك إليه، وكل هذه الخطابات مرعبة بحق.

مشكلتي مع كل الأحداث السابقة هي أن الساحة لم تتسع إلا لخطابين اثنين لا ثالث لهما، فالاصطفافات مطلقة، أنت إما مع الجيش الأردني أو ضده، وإما مع التفسير الأوحد للإسلام وطريقة تدريسه أو ضدها، وإما مع السماح برقص الباليه أو أنك متطرف تريد تحويل البلاد إلى أفغانستان.

من أين آتي بمسارٍ جديدٍ يرفض القتل والكراهية والتحريض ولا يسأل «يعني أنت قابل باللي حكاه/حكته»؟

  • Rania E

    أصبتِ الجرح. شكرا لك.

  • هيثم الشيشاني

    كلمة واحدة كبداية:
    شكرًا.

    سطر ثان ٍ كتعليق لا يقصد به التمترس وراء ستار من الغموض ولكن لا أجد بديلًا أفضل منه (على الأقل حاليًا وبعد فراغي من قراءة ما كتبت):

    جلّنا يعلم ما هو المسار “الثالث” المطلوب؛ الجديد القديم. لا أقول أننا نعلم أولى خطواته فقط بل ندرك كنهه ولكني لا أقدر على تسطيره كتابة هنا. ليس الآن وليس غدًا أو بعد غد. للأسف.