مسلسل الولادة من الخاصرة: حيرة الشاهد

الثلاثاء 30 تموز 2013

سوف يختلف السوريون، الموالي منهم للنظام والمعارض له، على تقييم مسلسل الولادة من الخاصرة، الذي يعرض الجزء الثالث منه، المسمى منبر الموتى، على قناتي ابو ظبي الأولى والسومرية العراقية.

المسلسل الذي كتبه الشاب سامر رضوان، واعتقل بسببه عدة أيام، بحسب مصادر، سيتحول لمادة مثيرة للجدل شأنه شأن أي عمل يتعلق بالثورة السورية. لكنه سيكون الأكثر إثارة للجدل.

سوف يأخذ المعارضون للنظام موقفا حاداً من المسلسل كونه، حسب رأيهم، يصور الفساد والقمع في النظام كحالات فردية، وإن كانت الاكثر شيوعاً خاصة اجهزته الامنية.

 كما سوف يأخذون عليه بانه قام بتوزيع مسؤولية “عسكرة” الثورة السورية على كلا الطرفين بالتساوي، أو أنه في أحسن الأحوال سوف يصورها وكأنها نتاج “طرف ثالث”، هو طرف متطرف انتقامي لا يختلف كثيراً عن رجال الأجهزة الأمنية الفاسدين والقمعيين المتطرفين في فسادهم وقمعهم.

سوف يزداد الجدل، وحيرة المشاهدين للمسلسل بسبب تنوع الممثلين فيه وتنوع مواقفهم السياسية

ولن يرضى المعارضون للنظام عن طريقة تناول المسلسل لممارسات الاجهزة الأمنية و “اللجان الشعبية”، أو من يطلق عليهم المعارضون “الشبيحة” الذين مارسوا الدور الاكثر قذارة في قمع الثورة بالتعاون والتنسيق مع رجالات الأمن. لا بل أن العمل ترفق مع رجال الأمن الرسميين أحياناً. فيظهر، مثلاً، أحد الضباط وهو يحاسب عناصره على سرقة احد المنازل التي تم مداهمتها، محملا مسؤولية السرقة للعناصر المدنية لا للأمنيين الرسميين.

والمسلسل في عملية “توزيع” المساويء بـ”القسطاط”، لا يتورع في اتهام الناس ككل بالسرقة، ففي حين يعيد ضابط الامن لاصحاب البيت المبلغ المالي المسروق ويكتشف هؤلاء أن المبلغ أكبر يصمتون ويعتبرونه مغنماً.

وأبعد من ذلك، فإن المسلسل، وبحسب رأي المعارضين، يبالغ في تمجيد الجيش الرسمي، ويظهره بمظهر المدافع عن سورية امام “المؤامرة”.

وهكذا فان العمل، خاصة مع الحلقات الاخيرة، ودائما بحسب رأي المعارضين، بدأ ينحو في تجاه تحميل “الثورة” المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع حالياً، أكثر من تعرضه النظام. أو “يقع في دائرة شيطنة الثورة” بحسب تعبير الإعلامية ديانا مقلد في مقال لها بصحيفة “الشرق الأوسط”.

وفي الجانب المقابل، فإن المسلسل، لن يرضي الموالين للنظام، كذلك، لأنه ولنفس السبب يظهر فساد رجالات الأمن، ولا يخصص مساحة واسعة للـ”شرفاء” منهم. ولأن المسلسل “يبالغ” في إظهار قسوة رجال الأمن واللجان الشعبية المدنية.

وسوف يزداد الجدل، وحيرة المشاهدين للمسلسل بسبب تنوع الممثلين فيه وتنوع مواقفهم السياسية، وهو بالمناسبة يضم غالبية ممثلي الدراما السورية. ففي حين تشارك في العمل الممثلة مي سكاف والممثل عبد الحكيم قطيفان وعدد آخر من المعارضين فهم يقفون جنباً الى جنب مع ممثلين عرفوا بتأييدهم للنظام، أو على الاقل لم يساندوا الثورة، مثل الممثل قصي خولي وباسم ياخور وآخرين.

أمام هذا الجدل، سوف يضطر عدد من العاملين في المسلسل، المعارضين منهم، الى الدفاع عنه وعن أنفسهم. سيقول الممثل عبدالحكيم قطيفان، وهو المعارض المعروف، بأن المسلسل :”قدم النظام السوري كدموي وفاشي وقاتل متورط في الخراب والدم”.

أما مخرج العمل سيف الدين السبيعي فسوف يتهم قناة أبو ظبي بحذف أكثر  من أربعين مشهداً من العمل أخل به.

والطريف أن زوجة نجم المسلسل الممثل عابد فهد، الإعلامية المعروفة زينة اليازجي سوف تتدخل في الجدل لتؤكد بان المسلسل “معارض” للنظام بدليل انه تم تصويره بالكامل في لبنان.

على أي حال، لا يحتاج السوريون إلى متابعة المسلسل لمعرفة قسوة الواقع الذي يعيشون فيه، ولا قسوة رجال الأمن والشبيحة ومقدار الألم والذل والقهر الناجم عن قمع وتغول الأجهزة الأمنية. ولن يكونوا مجبرين على متابعة المسلسل حتى نهايته لمعرفة ما سوف تؤول إليه ثورتهم، بحسب تعبير ساخر لأحدهم على تويتر.

لكن المسلسل قد يكون، على رغم حيرة المشاهدين، مهماً بالنسبة لغير السوريين. فالمسلسل يصور بواقعية شديدة، مستنداً إلى أحداث واقعية حقيقية، مجريات الثورة وفساد وقمع الاجهزة الأمنية وتغولها على كافة مناحي الحياة بل وسيطرتها على المجال العام، وسيطرتها على الاقتصاد وعلى الحياة اليومية للسوريين.

قد يساعد المسلسل المواطن العربي على فهم بعض ظروف اندلاع الثورة السورية، وربما سيجد بعضاً من تفسير لتحولها الى السلاح

وربما ولهذا السبب قد يساعد المسلسل المواطن العربي على فهم بعض ظروف اندلاع الثورة السورية، وربما سيجد بعضاً من تفسير لتحولها الى السلاح، وبعضاً من تفسير لكل هذا العنف والقسوة التي فاجأت حتى المتابعين للشأن السوري طويلاً.

غير أن المسلسل، الذي يسلط الضوء على فساد رجال الأمن وممارساتهم القمعية، ليبدو هذا الفساد وكانه المشكلة الوحيدة التي تعاني منها سورية تحت حكم البعث، يهمل مجمل البنية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للنظام السوري، التي هي الأساس في الفساد لا العكس، وهكذا يبقى المسلسل وكأنه يدور في حلقة الأخطاء الفردية مهما بالغ في تصوير هذا الفساد.

وهو كذلك يصور الثائرين على النظام، أو هو يركز على هذه الصورة، بوصفهم مجموعة ناقمين على ممارسات الفساد والقمع هذه مغفلاً الابعاد الأخرى والاسباب الحقيقية للثورة الكامنة ليس في القمع وحده بل وفي الفقر والتمييز وغياب العدالة الاجتماعية ومجمل بنية النظام. وبتصويره الثائرين وكأنهم “مجموعات” ناقمة وحسب، كانه يريد ان يقول بانها ليست “ثورة شعب”.

“الولادة من الخاصرة-منبر الموتى” لا يهتم كثيراً بجماليات الصورة، ولا بجماليات المكان، ولا يبذل جهدا في الملابس والاكسسورات والديكور. هو مسلسل “مضمون” مادته الاولى والاخيرة الحوارات والاحداث و”التاريخ”. ذلك أن المخرج أراد تصوير الواقع كما هو دون زيادة أو نقصان.

ولأن المسلسل تم تصويره في لبنان فان حركة الكاميرا فيه بقيت محدودة جداً حتى لا يظهر المكان في الصورة رغم ظهوره في الحوارات، وتبدو بعض اللقطات وكأنه تم تصويرها بكاميرا فيديو واحدة. كما لا يخلو المسلسل من الكثير من الأخطاء في التصوير والمونتاج.

أخيراً، فان المسلسل، مثل المسلسل المصري “موجة حارة”، لا يتردد في تصوير مدى القسوة التي ظهرت قبل وخلال الثورة السورية، وبغض النظر عن الجهة التي تمارسها. ورغم قساوة الواقع، ورغم مئات القصص والاخبار والصور ومقاطع الفيديو “الواقعية” التي تظهر كل هذا العنف عارياً، يبقى المسلسل قاسياً مثيراً للألم ومثيراً للقهر، ومع كل حلقة أشاهدها أجد مشاعري تتقلب بين الغضب والقهر والحزن والعجز.