استعراض جنيف لحقوق الإنسان في الأردن: فرصة أضاعها الإعلام

الإثنين 28 تشرين الأول 2013

رصد سوسن زايدة

على مدى ثلاثة أيام ولساعات طوال استعرض مجلس حقوق الإنسان في جنيف التقرير الدوري الشامل لحالة حقوق الإنسان في الأردن. التقرير عبارة عن تقارير قدمتها مؤسسات حكومية وائتلافات لمنظمات غير حكومية غطت واقع طيف واسع من حقوق البشر المقيمين في الأردن، بما فيها الحريات الإعلامية. وردت عليه 173 دولة بتوصيات فيها من النقد أكثر من الإشادة.

الحدث كان كبيرا في جنيف لكنه بدا في الإعلام الأردني، وبخاصة الرسمي، كأي مؤتمر صحفي يعقده الناطق باسم الحكومة محمد المومني بعد الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء. فلم ينقل الإعلام المحلي سوى تصريحات للمومني نشرتها وكالة الأنباء الرسمية مع صور أرشيفية، من دون أي خلفية أو اقتباسات من مضمون التقرير الحكومي أو التقارير غير الحكومية، ومن دون متابعة لأي من موضوعاته.

وسائل الإعلام، بتنوع إمكاناتها، لم تجد في الحدث ما يستحق إيفاد مراسل فحسب، بل اكتفت بنشر خبر عن البث المباشر من جنيف في الجامعة الأردنية، من دون متابعة مضمون البث، باستثناء راديو البلد/عمان نت الذي استمر في الأيام الثلاثة ببث الرسائل المباشرة لموفده محمد شما، والتي غطت أبرز انتقادات واشادات الدول المشاركة، بالإضافة إلى تصريحات المشاركين من الوفود الأردنية.

الحدث في المحصلة أظهر تطورا في أداء المنظمات غير الحكومية في مجال حقوق الإنسان، وجهدا ملحوظا للوفد الأردني في مهمته الصعبة في مرحلة تراجع الحريات العامة، كما أظهر ضعف ولامبالاة الإعلام الأردني، حتى بشؤونه وحرياته.

وما يقال عن أن الإعلام المحلي طور تغطيته لقضايا حقوق الإنسان غير دقيق، والحقيقة أن منظمات حقوق الإنسان في الأردن هي التي طورت مهاراتها في توظيف الإعلام لخدمة نشاطاتها. وبين المقولتين فارق يدرك عند العودة للمواد الإعلامية المتعلقة بهذا الموضوع.

مؤسسات إعلامية مستقلة، كصحيفة الغد وراديو البلد/عمان نت وموقعي جو24 وعين نيوز، تبدي اهتماما ملحوظا بقضايا حقوق الإنسان وتخصص مراسلين صحفيين أو تغطيات متخصصة في المجال، تنجح في تسليط الضوء والتعمق في قضايا حقوقية لفئات مجتمعية مختلفة. لكنها تغرق أحيانا في تغطية النشاطات البروتوكولية لمنظمات حقوق الإنسان، وتقتصر على النقاشات النظرية في المؤتمرات والبيانات، من دون متابعة ميدانية تعكس الواقع الفعلي.

التغطية الإعلامية السطحية لقضايا المرأة، على سبيل المثال، ظهرت في نتائج ومخرجات مشروع معهد الإعلام الأردني لـ”رصد وتحليل قضايا النوع الاجتماعي في وسائل الإعلام المحلية”، التي خلصت إلى أن “التغطية الإعلامية في معظمها إيجابية أو محايدة، ومع ذلك فقد اتسمت بعض الموضوعات المنشورة بالسلبية أو عززت الصورة النمطية السائدة عن المرأة”. وهنا استندت النتيجة بأن التغطية “إيجابية” على رصد كمي لعناوين أخبار نشاطات بروتوكولية، وليس على رصد نوعي لتغطية ميدانية عميقة لأولويات النساء الأردنيات المتنوعة في مجتمعات متباينة.

نسبة كبيرة من المواقع الالكترونية الإخبارية، بتنوع أهدافها، لا تبدي اهتماما يذكر بقضايا حقوق الإنسان. ونجد في بعضها أخبارا أو حتى أقساما كاملة تتضمن إساءات وانتهاكات في حق فئات مجتمعية. فمثلا تعتمد أقسام الأخبار الفنية في معظم وسائل الإعلام على عرض صور مثيرة جنسيا لفنانات تترافق مع سطور قليلة مفبركة لا قيمة إخبارية فيها لتبرير عرض الصور. وتخصص بعض المواقع الصحف الإلكترونية أقساما للنساء تعزز صورا نمطية مسيئة لهن، مثل أقسام “عالم حواء” في وكالة أنباء صراحة الأردنية، “سيدتي” في موقع جفرا، “أريد حلا” في موقع سرايا.

الإعلام الرسمي المترف بأعداد كبيرة من الصحفيين، كصحيفتي الرأي والدستور الحكوميتين، يخصص مراسلة صحفية لتغطية نشاطات منظمات حقوق المرأة وآخر لنشاطات منظمات حقوق الإنسان. لكنها تغطية تأتي في إطار الدعاية الحكومية، حيث تتركز على نشاطات المنظمات “شبه الحكومية” أو “الملكية” (أي التي يرأسها أحد أعضاء العائلة المالكة). وتقتصر التغطية على افتتاح الأميرة أو الوزير لنشاط يتعلق بحقوق الإنسان.

الإذاعة والتلفزيون الأردني، كمؤسسة عامة ومشغلة لـ(1800) موظفا (منهم ما يقارب 400 صحفيا)، ووكالة الأنباء الأردنية بـ(285) موظفا، لا تريان في قضايا حقوق الإنسان، بما فيها قضايا المرأة، قطاعا يتطلب تخصيص صحفي واحد على الأقل لتغطيته. وأظهرت دراسة لقياس معايير بث الخدمة العامة في التلفزيون الأردني في عام 2011 تدني نسبة تغطية التلفزيون لقضايا المرأة، الشباب والأطفال، الصحة، التعليم والثقافة، لصالح البرامج الترفيهية، السياسية والدينية.

تغطية “القضايا” وأبعد

لم يعد إفراد صحفي لتغطية حقوق الإنسان كماليا في بلد انتقل من معبر للاتجار بالبشر إلى مقصد ومعبر، ومن دولة حرة جزئيا إلى غير حرة، وتراجعت فيه الحريات وفقا لتقارير محلية وعربية ودولية.

بل أن التغطية الإعلامية المتخصصة في حقوق الإنسان ليست سوى خطوة أولى أنجزتها بعض المؤسسات، كنماذج إعلامية تعزز الدور الإنساني للإعلام كأداة لخدمة المجتمعات، وتساهم في نشر ثقافة حقوقية ومبادئ إنسانية للعدل والمساواة بين الناس. لكن هذه النماذج توقفت عند الخطوة الأولى ولم تتقدم في تجربتها إلى مرحلة المعالجة الحقوقية والإنسانية لكافة القضايا.

ومن هنا يأتي التناقض في وسيلة الإعلام الواحدة، حيث يتم فصل أخبار ومتابعات حقوق الإنسان في أقسام منعزلة، تتحول مع مرور الوقت إلى كلاشيهات تسم المنظمات الحقوقية ومشاريعها التنموية. في حين تخضع الأقسام الأخرى في نفس الوسيلة الإعلامية إلى سياسات معايير مختلفة تهدف إلى التنافس على كعكة الجمهور. ولا تختفي المعالجة الإنسانية في هذه الأقسام وحسب، بل ترتكب انتهاكات وإساءات مقصودة أو غير مقصودة في حق المستضعفين منا.