بين الصورة ورسالتها

السبت 14 كانون الثاني 2012

أما حان الوقت لنبذ مظاهر الأنظمة الشمولية البائدة؟

بقلم موسى الشقيري

ما هو وجه الشبه بين شادر خضار مخالف والمركز الثقافي الملكي؟ كلاهما من المعجبين بالنسخة الاردنية من دمية المتروشكا الروسية. مثال آخر: دائرة الأحوال المدنية في الدوار الأول عبارة عن كوريدور مفتوح على بعضه بطول 35 متر وعرض ستة مترات يحوي في ثناياه على 15 صورة لجلالة الملك، أربع صور للملك السابق، أربع صور لولي العهد، وصورة للعائلة المالكة. في هذه الصالة لا يمكن من أي ركن منها أن ترى أقل من ثلاث صور، في نفس الوقت في أي وقت. جورج أرويل نفسه في عالمه الافتراضي لم يكن سيسمح بذلك، لأنه قد يخاف أن ينتقده البعض للمبالغة في تصوير نظام الأخ الأكبر الشمولي.

المشكلة ليست بالصورة كرمز وطني، المشكلة في توظيف الصورة. ما هو المغزى؟ تذكير؟ ترهيب؟ تملق؟ حب شديد؟ دعاية مجانية؟ تعزيز الفرص في تجنب مخالفة؟ حتى لو افترضنا عفوية المواطن العادي في التعبير عن حبه، ماذا عن الدائرة الحكومية؟ لماذا يجب أن يتزين المركز الأمني بخمسين صورة في أوضاع مختلفة؟ ماذا عن المدارس؟ ما هي ضرورة وجود صورة تنظر إليك وأنت تحاول أن تتابع عرض مسرحي أو ندوة؟ العلاقة التي تحتاج إلى مظاهر مبالغ فيها للتأكيد على عمقها وصدقها هي علاقة غير صحية فيها كذب و خلل مستتر تظهر نتائجه على شكل كوارث على المدى الطويل.

الشكل والمضمون وجهان لعملة واحدة، أي أنك عندما تختار أن تتبنى مظاهر الأنظمة الشمولية التي تنتمي لفترة السبعينات في دكتاتوريات أواسط أفريقيا وجمهوريات الموز، فأنت تقر ضمنياً بأنك نظام شمولي مثل هذه الأنظمة، التي عفا عنها الزمن ونبذتها البشرية. من المفهوم والمتوقع أن يكون هناك جموع من المواطنين لا تستطيع أن تتفهم كيف يمكن لهذه الابتسامة العفوية أن تشكل نوع من الاستفزاز للبعض الآخر من اخوانهم المواطنين، والتفسير لذلك بديهي: أن هذه الصور بالنسبة للكثيرين قد أصبحت مجرد خلفيات لا تلفت الانتباه. فهناك حالة من نزع الحساسية تنشأ بعد سنوات من العيش تحت تأثير مظاهر الحكم الشمولي تجعلها تظهر بأنها عادي، وهي أبداً مش عادي. الحل أيضاً بسيط: عزيزي المواطن إلي مفكر إنو عادي، أرجوك تبنى منظور جديد، منظور عين العصفور من أعلى، وتخيل نفسك شخص يزور البلد الأول مرة، أو قم بالترفيه عن نفسك بعد الصور ليوم واحد، وشوف إذا جد عادي.

سنفترض أن الزعيم رمز وطني له احترامه، سواء اتفقنا مع سياساته وأسلوب حكمه أو اختلفنا معها، فهذا لا يعني أن تتحول لوحاته العملاقة لبديل عن العلم أوالخارطة في المناسبات الوطنية أو بديل لصور نانسي عجرم وبوب مارلي كزينة سيارات الكيا والتكاسي وبديلاً عن لوحات “اعلن على هذه الواجهة” ودعايات مجانية لقهوة أبو العبد، لأن هذا غير مقبول لا لهيبته ولا لرعاياه. لا بل أن الكثير من هذه الصور مأخوذة من أوضاع لا تليق بمكانته، وبعضها يجده أكثر الناس حياداً لا بل أكثرهم حباً مضحكة فعلاً، وبعضها (صورة القناص تحديداً) قد تحول (بصراحة) إلى موضع سخرية وفكاهة حتى من أشخاص مقربين من الديوان نفسه. (وهنا لا بد للمرء أن يشك في جدوى عشرات الالاف المهدورة كرواتب مستشارين غير قادرين على إختيار صورة مناسبة. يعني ألف مستشار إعلامي مش عارفين ينتبهوا إنه صور جلالته بالزي البدوي ما إلها داعي وانها ضاربة شوي بزيادة على إستشراق، ولا يعني المكتب الاعلامي بكامل كوادره تبع جلالتها عرف ينصحها إنه ستي يمكن استعمال حرس البادية والحرس الشركس خلفية لعروض الأزياء والسياحة مش أحسن فكرة بالعالم؟!)

أيام قليلة تفصلنا عن مناسبة تاريخية تشكل فرصة لا يمكن تكرارها لرشم ملايين الصور في كل نواحي الوطن، وبمناسبة تشكيل لجنة للإشراف على إحتفالات المملكة باليوبيل الذهبي لجلالته، كان يمكن إستبدال الصور مثلاً بنصب تمثال من الذهب (أو من أقلام الرصاص) على قاعدة دوارة فوق واحد من برجي الدوار السادس بحيث يواجه الشمس في جميع الأوقات (أو مثلاً يواجه وجهة السفر لذلك الشهر)، لكن الفكرة سبق وانعملت، كما أن الهاشميين تاريخياً أكبر من ينصب لهم تماثيل. بس بما انه صور بحجم البنايات عادي، فيمكن للجنة أن توصي بأن يتم صرف نظارات خاصة (مثل تبع الثري دي) لكل المواطنين بحيث تكون صورة جلالته منقوشة علىها بشكل شفاف لا يحجب الرؤية، وفرضها طول فترة إحتفالات المملكة بالعيد الميمون. نفس الأثر، بتكاليف أقل، كما أنها عصية على الحرق.

—-

ملاحظة: النسخة الأصلية من المقال قبل التحرير موجودة هنا