تحدي الطاقة في الأردن والخيار النووي

الثلاثاء 18 أيلول 2012

برز موضوع المشروع النووي الأردني ليصبح مثار جدل في أوساط الرأي العام خلال العامين الماضيين، وبين الاحتجاجات الشعبية وردود الفعل الحكومية والمواقف المختلفة تأييداً أو معارضة، يفتقد الحوار في هذا الموضوع أحياناً إلى قاعدة من المعلومات الوافية التي يمكن الاستناد إليها في التقييم والنقاش. كما يتسم هذا الحوار بالتوتر والمواقف المسبقة في كثير من الأحيان.

في حبر حاولنا أن نسلط الضوء على بعض الجوانب المتعلقة بوضع الطاقة في الأردن والمشروع النووي، بوسائط متعددة، لعلنا نقدم إضافةً إلى الحوار الدائر ونشجع المزيد منه، ونثير بعض الأسئلة حول قضية تعد من أهم أركان الأمن الوطني وهي قضية الطاقة.

التحدي: الاعتماد الكلي على الطاقة المستوردة

يعتمد الأردن على مصادر الطاقة المستوردة بما نسبته ٩٦ إلى ٩٨ بالمئة. وفي عام ٢٠١٠، توزعت هذه النسبة ما بين النفط الخام والمشتقات النفطية بنسبة ٥٨ بالمئة، والغاز الطبيعي بنسبة ٤٠ بالمئة. لكن في عام ٢٠١١ وبسبب الانقطاع المتكرر للغاز المصري بسبب تفجير خطوط النقل، تغيرت النسبة إلى ٨٦ بالمئة من النفط والمشتقات النفطية، و١٢ بالمئة فقط من الغاز الطبيعي.

 

الاستراتيجية الوطنية للطاقة في الأردن تهدف إلى رفع الاعتماد على مصادر الطاقة المحلية إلى حوالي ٣٩ بالمئة بحلول عام ٢٠٢٠ من خلال الاعتماد على خليط من المصادر تشمل: الصخر الزيتي، والطاقة النووية، والطاقة المتجددة من الشمس والرياح، والغاز الحيوي، والمياه، إضافة إلى النفط والغاز الطبيعي. (شاهد الرسم التوضيحي الكامل)

استيراد الطاقة يكلف الأردن سنوياً حوالي ١٣ بالمئة من الناتج القومي المحلي، وهذه النسبة ارتفعت إلى ٢٠ بالمئة عام ٢٠١١ بسبب انقطاع الغاز المصري، وهو رقم عالي جداً بالنسبة لبلد محدود الموارد مثل الأردن، بحسب خبير الطاقة غسان ناجي. “وبالتالي نحن أمام مشكلة كبيرة”، يقول ناجي، “لا بد أن يكون هناك بدائل، والبرنامج النووي هو أحد هذه البدائل المطروحة، ومن المبكر الحكم إذا ما كان بديلاً مناسباً أم لا إذ ما زال هناك خطوات طويلة من الدراسات التي يجب القيام بها قبل أن نقرر.”

من ميزات الخيار النووي بأنه يوفر كمية كبيرة جداً من الطاقة، تفوق الطاقة المولدة من مصادر الوقود الأحفوري ملايين المرات، ولكن من سلبياته الكلفة الأولية العالية جداً لبناء المحطة النووية، وطول فترة البناء التي تشمل سنوات من الدراسات والتخطيط والتنفيذ، والحاجة إلى تمويل عالي بات أصعب في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، وصعوبة التخلص من النفايات النووية، وعامل الأمان.

 (شاهد فيديو لبعض آراء المختصين في مجالات الطاقة والبيئة حول المشروع النووي)

الاستثمار في الطاقة المتجددة

المناهضون للمشروع النووي يدعون للتوجه إلى مصادر الطاقة المتجددة من الشمس والرياح، لكن الخبراء يشيرون إلى عدم إمكانية الاعتماد على هذه المصادر بشكل كبير، إذ أنها وفي أفضل الحالات في الدول المتقدمة تشكل حوالي ٢٠ بالمئة من خليط الطاقة، كما في حالة الدنمارك، بحسب غسان ناجي.

المدير التنفيذي للمجلس الأردني للأبنية الخضراء طارق فرحان يرى أن هناك مجالاً واسعاً للاستثمار في الطاقة المتجددة لا يتم استغلاله في الأردن. “هناك أكثر من ستين شركة في مجالات الرياح والطاقة الشمسية تقدمت بعروض إلى الجهات المعنية، مستعدة أن تتحمل مخاطرة الاستثمار والتمويل.. مقابل فقط إعطائها القاعدة التشريعية الملائمة  والتي تضمن حقها في بيع الكهرباء التي ستولدها.”

يضيف فرحان أيضاً أن هنالك قفزات تكنولوجية تحدث كل عشر سنوات، “فإذا كانت كفاءة الطاقة المتجددة الآن ٢٥ بالمئة، يمكن أن تزيد خلال عشر سنوات إلى ٥٠ بالمئة.”

المياه

من القضايا الأخرى التي تثار ضد المشروع النووي في الأردن حاجة المفاعل النووي إلى كميات كبيرة من المياه للتبريد، تبلغ من ٢٠ إلى ٢٥ مليون متر مكعب من المياه سنوياً،

بعد نقل مشروع المفاعل النووي من العقبة إلى المفرق، من المفترض أن يتم استخدام الماء المكرر للتبريد، إذ تنتج محطة الخربة السمرا ما يقارب ٦٠ – ٦٥ مليون متر مكعب من المياه المعالجة سنوياً، وهذه المياه لا يمكن استخدامها إلا للزراعة.

“الزراعة تستهلك ٦٠- ٧٠ بالمئة من المياه ولا تقدم إلا ثلاثة بالمئة للناتج الإجمالي المحلي،” يقول خبير اقتصاديات الطاقة والبيئة بهجت طبارة، “فمن المنطقي أن نحول هذه المياه إلى غايات إنتاج الكهرباء وهذا الإنتاج مفيد أكثر للاقتصاد الوطني.”

يضيف طبّارة أن الطاقة الكهربائية الناتجة من المفاعل النووي يمكن استخدامها في تحلية مياه البحر الأحمر بحيث يصل الأردن لمرحلة اكتفاء ذاتي من المياه.

غياب الشفافية وحسن الإدارة 

“ما لا يساعد الجهات المختلفة والناس بشكل عام على اتخاذ وجهة نظر واضحة بخصوص هذا المشروع عدم توفر المعلومات الدقيقة والتي بها توافق،” يقول فرحان، مشيراً إلى التباين الكبير بين التقارير الصادرة حول هذا الموضوع. “يجب أن يكون لدينا قاعدة معلومات واضحة وشفافة وصادقة لأنها الأداة الرئيسية لاتخاذ قرار أو وجهة نظر.”

ويضيف أن معدل الدوران العالي للحكومات يؤدي إلى ضعف التتابعية في البرامج.

الأردن ما يزال يواجه تحديات في إدارة مشاريع أصغر بكثير من المشروع النووي، مثل التخلص من النفايات الطبية والكيماوية الضارة، بحسب فرحان، “فما بالك بالنفايات النووية الأخطر بكثير؟”

الخطوات التحضيرية 

قام الأردن بالعديد من الخطوات في المشروع النووي، من تحضير الإطار التشريعي بإقرار قانون حماية الطاقة النووية والإشعاع وإنشاء هيئة الطاقة الذرية وهيئة تنظيم العمل الإشعاعي، وإنشاء برنامج الهندسة النووية في جامعة العلوم والتكنولوجيا من أجل إعداد الكوادر اللازمة، وتوقيع اتفاقيات تعاون مع دول ذات خبرة في هذا المجال مثل الولايات المتحدة والصين وكوريا الجنوبية، ودراسة الموقع، والعمل على إنشاء مفاعل بحثي، واستقطاب عروض بناء المفاعل النووي. (شاهد الخط الزمني التفاعلي الذي يوضح أهم الخطوات التي تم اتخاذها). إلا أن هنالك الكثير من الخطوات المهمة والدراسات التي لم يتم إنجازها بعد، مثل دراسة الجدوى الاقتصادية والأثر البيئي والاستقرار الجيولوجي في المنطقة.

بالتالي، يرى الخبير غسان ناجي أنه من غير الممكن اتخاذ موقف من المشروع النووي قبل إنجاز جميع هذه الدراسات والاطلاع على نتائجها.

(شاهد فيديو لآراء المواطنين في المفرق حول بناء المفاعل النووي في مدينتهم)

ترشيد الاستهلاك

ما يقارب ٦٠ بالمئة من الطاقة الكهربائية في الأردن يذهب للأبنية، سواء كانت سكنية أو تجارية، وهنالك مجال كبير لتخفيض الاستهلاك في هذا المجال. فلو خفضنا الاستهلاك بنسبة ٢٠ بالمئة، هذا يعني توفير ١٢ بالمئة من الطاقة الكهربائية الإجمالية، ما تعادل قيمته ٣٠٠ مليون دينار سنوياً، بحسب طارق فرحان. ويذكر أن المجلس الأردني للأبنية الخضراء يعمل مع الجهات والشركات المختصة من أجل الوصول إلى أبنية أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة والمياه.

“في دول العالم التي تستخدم الطاقة المتجددة، في البداية، وما زالت، وسوف تظل، تهتم بموضوع ترشيد الاستهلاك،” يقول غسان ناجي. “المسؤولية الأكبر هي أن نقلل من استهلاكنا للطاقة ونستخدمها بكفاءة عالية، ثم يمكن التفكير بالعثور على المصادر التي تزودنا بهذه الطاقة.”

—–

هذا المقال جزء من سلسلة مواد تم إنتاجها بدعم من مؤسسة هينريتش بول/الشرق الأوسط العربي.

الآراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعكس بالضرورة رأي المؤسسة.