الأردن وإسرائيل: بين آلام الضمائر وواقع الانصياع

الأحد 13 تموز 2014

قبل نحو عامين، وفي محاضرة في مدرسة خاصة مرموقة، تحدث مالك صحيفة الغد بواقعية المقربين من صنّاع القرار عن الخيار الإسرائيلي (في مجال الطاقة). كانت الحكومة آنذاك تشن حملة إعلامية تتباكى فيها على الغاز المصري الضائع والكلفة التي بات على الأردن دفعها سنويًا (ويوميًا وبالساعة وحتى بالكيلواط). لم يصرح مالك الصحيفة عن دعمه لخيار الغاز الإسرائيلي ولكنه ألقى “بالفتيشة”  بقصد أو على الأقل باستشراف. مع ازدياد وتيرة العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في الأيام الأخيرة، تظهر لنا الهوّة القديمة بين ضمائر جزء كبير من الشعب الأردني الذي يعبّر عن غضبه على الفيسبوك وتويتر، وواقع علاقة الأردن الرسمية مع إسرائيل.

الفارق لا يظهر فقط في بقاء معاهدة السلام كما هي، ولا في فض الأجهزة الأمنية للاعتصامات أمام السفارة الإسرائيلية، ولا في الهضم السلس لجريمة قتل القاضي رائد زعيتر، ولا في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بأن إسرائيل جاهزةلحماية الأردن ونظامه “لأبو موزة”، بل أيضًا في أشكال التطبيع الاقتصادي الأقل وضوحًا، التي تتجدد يومًا بعد يوم. قبل أيام من بدء العدوان الإسرائيلي على غزة نشرت وكالة رويترز تقريرًا مفصلًا عن “العلاقات” الاقتصادية الأردنية الإسرائيلية وتحسنها جراء الصراع الدائر في سوريا. فالبضائع التركية مثلاً، والتي كانت تمر عبر سوريا فالأردن إلى باقي الدول العربية تمر الآن عبر الموانئ الإسرائيلية، وبالأخص ميناء حيفا.

اشحن كرامتك

حسب التقرير ذاته، تضاعفت حركة الشاحنات بين الأردن وإسرائيل 300% منذ سنة 2011. أما الجهات الرسمية التركية (الأردوجانية) فصرحت أن الشحن إلى إسرائيل تضاعف 4.3 مرة (بالأطنان). تتجه إسرائيل لاستثمار 1.3 مليار دولار لتحسين الخط التجاري بينها وبين الأردن عبر إعادة إحياء مشروع السكة الحديدية الواصل من ميناء حيفا إلى بيت شاهين بالقرب من جسر الشيخ حسين. تلك الاستثمارات الإسرائيلية قد تكون مرتبطة بحزمة أردنية لمشاريع طرق تسهل حركة الشاحنات من جسر الشيخ حسين مرورا بإربد والمفرق، وذهابًا إلى السعودية والعراق، كان جانب منها موضوع دراسة أعدّها الاتحاد الأوروبي في ٢٠٠٧.

لكن الهدف، حسب تقرير رويترز، ليس مقتصراًعلى تعويض انسداد المسار السوري، بل يتخطاه إلى تمرير البضائع الأوروبية للبلاد العربية مستقبلًا، ما قد يوفّر نصف كلفة المرور من مصر. يتحدث التقرير أيضًا عن رجال أعمال اسرائيليين وأردنيين يعملون على إنشاء منطقة حرة على الحدود، فوق ركام “بركس للجيش الأردني”. يأتي هذا المشروع وبحسب التقرير مكمِّلا لمشروع معبر الأردن للمشاريع المتعددة، الذي تتشارك به مؤسسات رسمية مثل سلطة وادي الأردن. ويهدف المشروع إلى إنشاء منطقة صناعية وتخزينية حرة، تسهّل التجارة البينية والعابرة بين البلدين.

غاز الغزاة

في بداية العام أعلنت شركة البوتاس المملوكة جزئيا من قبل الحكومة الأردنية، توقيعها لاتفاقية مع نوبل إنيرجي، الشركة الأمريكية التي حازت على عقد استخراج الغاز وتملك فقط 36% من حوض “تامار” في البحر الأبيض المتوسط (أي أن الحوض الذي سيضخ منه الغاز إلى الأردن، تملكه شركات إسرائيلية بنسبة 64%). رئيس مجلس إدارة البوتاس جمال الصرايرة صرح للجوردن تايمز بأن الاتفاقية المقدرة ب500 مليون دولار ستخفض كلف الإنتاج على الشركة وستحمي وظائف أكثر من ألفي عامل. لحقت هذه الاتفاقية الأردنية، اتفاقية بين شركة فلسطين لتوليد الطاقة ونفس الشركة الأمريكية، نوبل إنيرجي، ولكن من حوض ليفينثاين، تقدر ب1.3 مليار دولار، لبناء محطة توليد طاقة في منطقة جنين تقدر كلفتها ب300 مليون دولار لتزويد الضفة الغربية بالكهرباء.

نشامى سلاح الجو الإسرائيلي

في المجال الأمني استجابت إسرائيل للتخوفات الأمريكية على الأردن، التي عبّر عنها مسؤولون ودبلوماسيون. حسب موقع ذي ديلي بيست الأمريكي، صرح مسؤول أمريكي (غير مذكور) بأن الأردن إذا ما واجه هجومًا من داعش، فسيطلب مساعدة أمريكا وإسرائيل، وقد أكّد دبلوماسيون إسرائيليون لنظرائهم الأمريكيين أن إسرائيل جاهزة لدعم الأردن. بضعة أيام مرت على خبر الموقع الأمريكي، ليصرح وزير الشؤون الاستراتيجية والاستخبارات الاسرائيلي، يوفال ستاينز، بأن اسرائيل ستقوم “بكل ما تحتاجه” الأردن في حال واجهت أي خطر. ويأتي هذا بعد عام من تسريبات لصحيفة لو فيجارو الفرنسية بأن الأردن سمح لطائرات اسرائيلية بدون طيار باستخدام الأجواء الأردنية. وإن كان “مصدر أردني” قد نفى لصحيفة الغد ذلك الخبر، فقد فسّر محللون أن تلك الطائرات لن تخدم إسرائيل فحسب، بل ستحمي الأردن من أي اختراقات حدودية أيضًا.

العزل أم الانعزالية

التعاون الأمني والحدودي والمائي والاقتصادي بين الأردن وإسرائيل معروف، وفي الماضي اقتصرت الاستفادة من السلام على بعض التجار ورجال الأعمال وصانعي القرار، لكن المشاريع الجديدة، خصوصًا إذا ما أصبح الغاز الإسرائيلي بديلًا للمصري، ستوسع قاعدة الفائدة/الاعتماد. بينما يتقاضى مدراء الشركات التي ستعمل على الغاز الإسرائيلي عشرات الآلاف، ترتبط الصفقة بالأمن الوظيفي لألفي عامل في شركة رابحة أصلاً.

ليس بعيداً إذاً ذلك اليوم الذي يحرق الاسرائيليون بكازهم أطفالنا وننعم نحن بغازهم، وتدكّ الطائرات الإسرائيلية غزة بينما تحمي حدودنا الشمالية والشرقية من خطر “الخلافة”. هذا الواقع الحالي، أو القادم القريب، يعزله أو سيعزله العديد من الناس على الفيسبوك عن آلام ضمائرهم. هو واقع لم يكن أبدًا حتميًا ولا هو حتمي الآن لكنه المسار الذي نقاد إليه، برضى صمتنا.