التحول السلطوي المخيّب والمذهل للمثقفين المصريين

الثلاثاء 23 أيلول 2014

(نشر هذا المقال باللغة الانجليزية على موقع الأدب العربي Arabic Literature – in English بتاريخ ١٢ أيلول ٢٠١٤)

كان “تشيب روسيتّي”، مترجم رواية “بيروت بيروت” لصنع الله إبراهيم، بين حضور محاضرة “التحول السلطوي: حول حال المثقفين المصريين“، وتركّز جزء كبير من المحاضرة على صنع الله إبراهيم.

بقلم تشيب روسيتّي*، ترجمة تقوى مساعدة

عُقدت المحاضرة في التاسع من أيلول في قاعة مكتظة بالطابق الثاني من مبنى جامعة نيويورك أبو ظبي في ميدان واشنطن بمانهاتن، بدعوة من مجلة “بدون” ودار الاتجاهات الجديدة للنشر، ناشر ترجمة حسام أبو العلا لرواية صنع الله ابراهيم “التلصص”.

كثيرون حضروا إلى حد دفع موظفي الأمن لمنع الحاضرين من الصعود إلى الطابق الثاني، فبقي البعض في قاعة الاستقبال إلى أن سُمح لهم الدخول فرادى بينما غادر آخرون.

وبالرغم من أن علاء الأسواني هو من ذُكر بالاسم في التعريف الرسمي بالمحاضرة لكونه أحد أبرز المدافعين عن قمع الحكومة المدعومة عسكرياً للإسلاميين، إلا أن صنع الله إبراهيم مهيمنا على الحوار.

شارك في النقاش الجماعي كلٌ من خالد فهمي رئيس قسم التاريخ في الجامعة الأمريكية في القاهرة، ومنى الغباشي وهي باحثة مستقلة مختصة في العلوم السياسية، وروبن كريسويل أستاذ الأدب المقارن في جامعة “ييل” والمحرر الشعري في مجلة “ذي باريس ريفيو” ومترجم رواية “تلك الرائحة” لصنع الله ابراهيم. وأدار النقاش نيفار أزيمي، كبير المحررين في مجلة “بدون”.

بدأت أزيمي الحوار بالإشارة إلى أن الأحداث السوريالية التي جرت في مصر منذ شهر شباط 2011 قلبت البوصلة الداخلية لدى الكثير من الكتّاب والمؤلفين الذين أمضوا حياتهم كأصواتٍ معارضة. وبدلاً من الاحتجاج على العنف الذي تمارسه الدولة، التزم الكثير منهم الصمت ودعم آخرون بحماسة القمع الذي مارسه الجيش على المعارضة الإسلامية.

بعد ذلك انتقل الحديث لـ”روبن كريسويل” الذي تناول حالة صنع الله إبراهيم الخاصة. وأوضح كريسويل أن نجومية صنع الله إبراهيم الأدبية ليست مرتبطة بإبداعه العملي فحسب، بل أيضا باعتباره “قديساً أدبياً”.

ولهذا رأى كريسويل أن دعم صنع الله إبراهيم لمجزرة ميدان رابعة كان “أمراً مدهشاً ومحبطاً” وأنه خيانة لسمعته التي بناها كمثقف صاحب مبادئ.

“لقد عزز صنع الله إبراهيم  نسق حياته الزاهدة وإصراره على التحرر من سلطة الدولة، بما في ذلك دور النشر الحكومية، عندما رفض جائزة الدولة الأدبية على المنصة سنة 2003”. ولهذا رأى كريسويل أن دعم صنع الله إبراهيم لمجزرة ميدان رابعة كان “أمراً مدهشاً ومحبطاً” وأنه خيانة لسمعته التي بناها كمثقف صاحب مبادئ.

أما خالد فهمي فقد وصف الفترة الحالية بأنها من أشد مراحل التاريخ المصري الحديث ظلامًا. وأعرب عن قلقه من حالة تأليه الشخصية التي تتنامى حول شخصية السيسي، والتي يرى أنها مشابهة لحالة كوريا الشمالية. وتحدث عن جدالات دارت بينه وبين أصدقاء قدامى وزملاء بسبب مواقفهم السياسية خلال السنة الماضية. وقال أن جماعة الإخوان بلاشك هي “حركة غير ديمقراطية مطلقا”، إن شئنا أن نكون لطيفين في التعبير”.

وأضاف أنه من المحزن أن المخاوف التي ساورت المثقفين المصريين حيال الجماعة – كأن يخونوا الثورة ويستخدموا سلطة الدولة لقمع المعارضة- قد وقعت فعلاً ولكن على يد الجيش.

كمختصة في العلوم السياسية، أضافت منى الغباشي إلى الحوار نظرة أوسع للحالة الساسية في مصر. ورأت أن الإطاحة بحكومة مرسي كانت ردة فعل “النخب القديمة” ضد الديمقراطية الشعبية، والتي جاءت صادمةً ومهددةً لمصالحهم.

وقالت أنها ترى في جماعة الإخوان المسلمين “نخبة مضادة” ظنوا بسذاجة أنهم قادرون على الانضمام إلى النخب القديمة. أما الجيش المعتاد على التقليل من شأن السياسيين المدنيين، فإنه لم يعتبر الجماعة نداً له.

ورداً على سؤال نيغار أزيمي حول  تغيّر دور المثقفين عند انفتاح الإعلام المصري في أواخر عهد مبارك، أجاب “روبن كريسويل” بشكل مختصر معطياً نظرة عامة على العلاقة المتغيرة بين المثقفين والدولة المصرية الحديثة. فقد اتّسمت العلاقة بدرجات مختلفة من ضم الدولة للمثقفين والعمل معهم، منذ  زمن محمد علي باشا ومشروعه الحداثوي الطويل الأمد الذي تطلّب تدريب وتوظيف المترجمين المتمرسين.

وبحسب كريسويل فإن ضمّ الدولة للمثقفين الذين ارتبطو بنظام جمال عبد الناصر لم يكن أمراً جديداً، فقد اقتصر ما فعله عبد الناصر على شرعنة علاقة كانت موجودة سلفاً.

وأشار إلى نقطتيّ تحول حديثتين في ديناميكية العلاقة بين الدولة والكتّاب: النقطة الاولى كانت الثورة التصحيحية التي قادها السادات في بداية سنة 1970، عندما سحبت الدولة أنظمتها المتعلقة بالثقافة وغيرها، وتابع مبارك خلال العقد الأول من عهده تطبيق سياسة الذراع العسكري.

نقطة التحول الثانية جاءت بين أوائل وأواسط التسعينيات، عندما غيرت حكومة مبارك موقفها وأطلقت مشروعاً جديداً هدف إلى ضم المثقفين تحت شعار التنوير والحداثة.

والدافع وراء ذلك كان حرب الحكومة المستمرة ضد الإسلاميين. وفي ذلك السياق أنقذ الإسلاميون الدولة لأنهم منحوا حكومة مبارك سبباً للوجود، مما مكّنها من تقديم نفسها كمعقِل للتنوير ضد بربرية أعدائهم.

وبالنظر إلى الوضع الحالي فإن كريسويل يرى أن السيسي يريد إعادة هذا الأسلوب إلى الوجود من خلال حملة الحكومة الحالية ضد الإسلاميين.

ذكر خالد فهمي بعض الخلافات التي وقعت بينه وبين مثقفين آخرين ممن لم يريدوا إعطاء فرصة لحكومة مرسي عندما وصلت للسلطة. وقد اتُّهِم في بعض الأحيان بكونه ليّناً مع الإخوان، رغم شعوره بأنه كان ينبغي عليهم أن يشاركوا بشكل مباشر، وليس من خلال تكتيكات المواجهة التي اتبعها النقاد والمثقفون الذين نفذوا اعتصاما داخل وزارة الثقافة مطالبين باستقالة وزير الثقافة المعيّن حديثاً.

وبصفته مؤرخاً استفاد طويلاً من الوثائق الموجودة في الأرشيف المصري الوطني فقد كان من المضحك (ومثيراً للسخرية أيضاً) ان حكومة مرسي اختارت مديراً جديداً للأرشيف اسمه “خالد فهمي” أيضاً – وهو أستاذ في علم اللغويات من جامعة المنوفية- مما دفع زملاءه إما إلى تهنئته أو معاقبته بسبب منصبه الجديد.

وعندما وُجّهت إليه الدعوة للتحدث في الأرشيف الوطني، تحدّى فهمي شبيهه بخصوص الاجراءات الأمنية المبالغ فيها التي تمنع الوصول الحر إلى محتويات الأرشيف. وبحسب تعداده فإن عشرة أشخاص فقط يدخلون الأرشيف الوطني المصري يومياً، مما يعني أن مصدراً حيوياً لفهم الماضي المصري هو مصدر ميت فعلياً.

وبحسب كريسويل فإن صنع الله إبراهيم، شأنه في ذلك شأن الكثيرين من الزملاء اليساريين، يفتقرون إلى “اللمسة الشعبية” التي يمكنها أن تصل ما بين النخب الثقافية والقطاعات العريضة من الشعب.

ربما كان السبب نفسه وراء أن الأدب “العالي” لم يكن الوسيلة الفنية المفضلة للتعبير عن الروح الثورية خلال السنوات الثلاث الأخيرة. بالمقابل فإننا نجد رابطاً بين هذه الروح وبين حيوية الراب وفنون الشارع كرسم الغرافيتي.

كما عرّج كل من كريسويل وغباشي على غيرة اليسار المصري أحياناً من الإخوان المسلمين ومن قدرتهم على التنظيم والتواصل بشكل فعّال، وقدرتهم كذلك على الفوز في الانتخابات.

الكثير من الكتّاب ما زالوا متشبثين بفكرة أن التغيير لا يمكن أن يحصل إلا من خلال قائد  كاريزميّ، وهي الفكرة التي يبقى عبد الناصر مثالها النموذجيّ.

وبشكل عام فإن كريسويل يرى أن المثقفين “فشلوا في القدرة على تخيل” طرقٍ لإحداث التغيير السياسي. فالكثير من الكتّاب ما زالوا متشبثين بفكرة أن التغيير لا يمكن أن يحصل إلا من خلال قائد  كاريزميّ، وهي الفكرة التي يبقى عبد الناصر مثالها النموذجيّ.

وبالرغم من تشاؤم المتحدثين الثلاثة حيال الاحتمالات القريبة من الديمقراطية في مصر، إلا أن هنالك بارقة أمل. وذلك في إشارة الغباشي إلى أن فكرة التغيير السياسي غير ممكن إلا إذا جاء من الأعلى، تناقضت بشكل مباشر مع الواقع الحي لشباط 2011: لقد رأى الملايين من المصريين بأنفسهم ما يمكنهم فعله فقط إن وضعوا هدفاً نصب أعينهم.

*تشيب روسيتّي هو مدير تحرير مكتبة الأدب العربي ومترجم للأدب العربي الحديث، ومنها رواية الخيال العلمي “يوتوبيا” للكاتب أحمد خالد توفيق، ورواية “مترو” للكاتب مجدي شفيق (2012). وترجم مؤخراً رواية صنع الله ابراهيم “بيروت ..بيروت” في 2014 ونشرت في الولايات المتحدة في 2015. فاز بمنحة “بين أميركا” لترجمته رواية “الحيوانات في أيامنا” للكاتب محمد مخزنقي، وهو طالب في درجة الدكتوراة في الأدب العربي (مختص في الأدب العراقي) في جامعة بنسلفانيا.