غزّة والغاز الإسرائيلي: فلسفة التطبيع أمام التبرع

الأحد 07 أيلول 2014

في اليوم السادس عشر من العدوان على غزة وفي الصفحة السادسة عشرة من جريدة الرأي الأردنية، وتحت إعلان لصندوق “المناصرة” لغزة التابع لوزارة الأوقاف وشؤون المقدسات، أعلنت شركتا البوتاس والبرومين الأردنيتين عن دعوة لتأهيل شركات لعطاء بناء خط غاز من غور فيفا إلى موقع الشركتين جنوب البحر الميت. اشتكت الشركتان من ارتفاع كلف الطاقة عليهما، ما يفسر انهما اتخذتا هذا القرار لأسباب تجارية أو مادية. تلك الاسباب وإن فسرت صفقة  الغاز إلا أنها تتناقض تلقائيًا مع التبرعات اليومية من الشعب الأردني لغزة (الاتصالات، المستشفى الميداني، تسيير القوافل، تكية أم علي إلخ..)، بل تتناقض معتبرع عمال البوتاس أنفسهم من خلال نقابتهم بما يقدر بمئة ألف دولار لغزة. لا يفسِّر لنا هذا التطبيع الأناني استعداد الكثير من الناس غير الأنانيين ولا المتصهينين في العالم أجمع للتضحية المادية  والفردية من أجل فلسطين (ذكرى النكبة 2011 مثالًا). ما الذي يفرق الفرد المتبرع عن الشركة أو الحكومة الأنانية المطبعة؟

لماذا نستورد الغاز الإسرائيلي.. Homo-economicus؟

إذا أراد أحد مبررًا لمثل هذه الصفقة بين شركة أردنية-عربية (في غالبيتها) وشركة أمريكية تملك حصة في حقل غاز إسرائيلي تتشارك فيه مع شركات إسرائيلية منحت حق الاستخراج من قبل الحكومة الإسرائيلية، فماهر أبو الطير الكاتب في جريدة الدستور يضعها أمام القارئ فيمقالة واحدة. بحسب أبو طير، قد توفر شركة البوتاس أكثر من 300 مليون دولار عبر الخمس عشرة سنة لعمر الصفقة. يعيد أبو طير بعض التفسيرات، بأنه وفي ظل عدم استقرار ضخ الغاز المصري، وارتفاع كلف استيراد الغاز القطري فأن الخيار الأضمن والأفضل هو الإسرائيلي، والذي برأي أبو طير “يُدفع” الأردن إليه من خلال “تجفيف” الأردن ماليًا.

قد نجد المبرر “الأقوى” لدى الشركة وأعضاء مجلس إدارتها وغيرهم من المسؤولين الحكوميين الذين وافقوا على هذه الصفقة (وما سيتبعها) يكمن في الفائدة المادية من جرائها، فما المانع من توقيع الصفقة ما دمنا نأخذ من إسرائيل الماء والخضار وغيرها من التجارة تجري بسلاسة (خربانة خربانة)؟ يستند أصحاب هذا المنطق (في غياب أدلة مادية على مصالح شخصية لهم ولغيرهم في الدولة من جراء الصفقة) إلى فكرة أن هدف أي شركة دائما الربح، وهو تلقائيًا يعتبر هدفًا مشروعًا.

هنا تطغى فكرة الـHomo-economicus -أو الإنسان الاقتصادي (الأناني) الذي يبحث دائمًا عن مصلحته- وتتحول من عقلية فرد يتبنى الفكرة إلى عقلية الأفراد الذين يسيطرون على قرار شركة (ومن بعدها الدولة ربما)، خصوصًا إذا كان المستفيد ليس فرًدا واحدًا فحسب، بل شركة قد يكون المستفيد من ورائها الاقتصاد الوطني (بدرجة أقل) من خلال خفض كلف الإنتاج لسلعة تصّدر. الـHomo-economicus، أو الأنانية الفردية، التي قد تفسر لنا جشع التجار والربح المضاعف والغش وغياب العدالة داخل الاقتصاد الأردني، لا تكفي حتى لتفسير ظاهرة التطبيع الشعبي مع  إسرائيل، التي ظل اغلب الأردنيين، حتى التجار ورجال الأعمال الذين دائما ما يبحثون عن مصالحهم، بعيدين عنها.

التبرع “المشروع”

بغض النظر عن إمكانية مطّ فكرة الإنسان الاقتصادي (الأناني) لتشمل حتى التضحية والتبرع، فلا بد من وضع معايير ومقاييس للقرارات و”المصالح” والتعاملات الاقتصادية. نجد مثال ذلك في تطور الكثير من الدول في تحديد شروط العمل، أو منع عمل الأطفال، أو وضعها تشريعات لحماية البيئة، ولو على حساب الإنتاج وبتكلفة مادية إضافية. كذلك، تضع الكثير من الدول تشريعات تمنع غسيل الأموال حتى وإن كان على شكل “استثمار خارجي”، أو تشريعات تعاقب الرشوة في الصفقات ولو على حساب “المصلحة الوطنية” التجارية. تمثل لنا كل هذه التجارب تفسيًرا بديلًا عن النظرة المصلحية الآنية. فلا يريد الناس من خلال فائدتهم المادية الأضرار بمصالح الأخرين، أو العكس، الاستفادة من علاقة مع من يضر الأخرين.

حتى في أكثر الأسواق انفتاحًا وتحررًا، والتي يطغى فيها فكر الربح والفائدة والأنانية التجارية، مثل الولايات المتحدة، تقف مصالح الشركات عند حسابات شعبية وتخوفات أمنية، حقيقية كانت أو مفتعلة. خير مثال قضية موانئ دبي، التي أُجبرت فيها الشركة الإماراتية على التنازل عن إدارة موانئ لها في الولايات المتحدة بسبب ضغوطات سياسية واعتبارات “أمنية” تحمل عنصرية مبطنة أكثر من أي تخوف مشروع، حتى مع دعم البيت الأبيض للصفقة. ومع أن التخوف في الأردن (ومصر) من تبعات استيراد الغاز الإسرائيلي أكثر شرعية ومنطقية، إلا أننا لا نرى مواجهة حقيقية وفعالة لمثل هذه الصفقات.

ليست مفاجأة أن وجود إسرائيل كان وما زال أهم عائق أمام حياة الفلسطينيين. وليس سرًا بأن الاندماج الأردني الاقتصادي عمومًا مع  إسرائيل يضر بمصلحة الفلسطينيين. الضرر يأتي من خلال شرعنة الظلم والتجريد الاقتصادي للأدوات السياسية للحد من هذا الظلم والمساهمة في العمل على إنهائه. حتى وإن كان للتعامل مع إسرائيل “فوائد” مادية، فهي فوائد يمكن التضحية بها من أجل مصلحة الفلسطينيين. ماذا إذا قرر “غالبية” الأردنيين التضحية بـ”مصلحتهم” في استيراد الغاز الإسرائيلي من أجل المساهمة ولو جزئيًا بحفظ مصلحة ليست لهم مباشرة؟ ماذا لو لم يريدوا “الربح” إذا كان ذلك على حساب “تقييدهم” ليقبلوا ضمنيًا باستمرار ظلم الإنسان في فلسطين؟ أليس هذا تبرعًا مشروعًا أيضًا؟