“رسومات” الكتب المدرسية: مزيد من التنميط وأحادية الفكر

الأربعاء 24 أيلول 2014

منذ اليوم الدراسي الأول وعند تصفح الكتب المدرسية الجديدة لمشاهدة الرسومات الملونة، تواجه طالبات وطلاب المدارس الأردنية تناقضا بين الرسومات الموحدة لنساء وفتيات “محجبات” أو مرتديات للزي الإسلامي، وبين الواقع المتنوع بالأزياء وبالمعتقدات الدينية. ويستمر التناقض طوال 12 سنة مدرسية قادمة.

حملة “تحجيب” النساء والفتيات في الكتب المدرسية أطلقتها وزارة التربية والتعليم قبل عامين دراسيين في تعديل لم تعلن الوزارة عن موجباته. وتوسعت الحملة هذا العام لتشمل كتب اللغتين العربية والانجليزية في المدارس الخاصة.

ويضاف “تحجيب النساء” في الرسومات إلى مظاهر قديمة في الكتب المدرسية تعزز الصور النمطية لنساء يطبخن ورجال يقرأون، ولا تعكس التطورات الاجتماعية في الأردن وتنوع الأدوار التي تقوم بها النساء.

عند معاينة الكتب المدرسية المقررة في المدارس الحكومية للصفوف الستة الأولى ظهرت النساء في جميع رسومات الكتب “محجبات” بغطاء للرأس ورداء طويل، ولم تظهر أي من المحجبات بغطاء رأس مع بنطال وقميص كما هو الحجاب الدارج بين الشابات في المدن الأردنية (شاهد مثالا لصورة في كتاب اللغة الانجليزية للصف الرابع).

وقليلا ما تظهر النساء أو الفتيات أصلا في كتب التربية الاسلامية، فغالبية الصور فيها للذكور، في حين أن نسبة النساء في الواقع تقارب النصف (شاهد صورة في كتاب التربية الإسلامية للصف الثالث).

في كتب التربية المهنية ترتبط صور النساء بنشاطات منزلية والذكور بأخرى في الخارج. فتظهر البنات محجبات ينظفن المنزل والأولاد يقومون بنشاطات متنوعة في الحدائق والشوارع (شاهد الصورة من كتاب التربية المهنية للصف الرابع). وفي صور كتب اللغة الانجليزية يقود الأب السيارة ويجلس بجانبه رجل آخر بينما تجلس الزوجتان في الخلف (شاهد الصورة). وفي المنزل خلال تناول الطعام نرى الأم محجبة على المائدة إلى جانب الأب والأبناء (شاهد الصورة).

وفي رسومات كتاب اللغة الإنجليزية للصف الرابع تظهر الأم، غير محجبة لأنها داخل المنزل، وتقوم بالأعمال المنزلية مثل الطبخ والتنظيف أو تتحدث بالهاتف، بينما يقرأ الأب كتابا أو يستخدم الحاسوب (شاهد الصور). في حين أن نسب مستخدمات الانترنت في الأردن تعكس خلاف ذلك.

وبالإضافة للنساء المحجبات يظهر في الصور رجال ملتحون في كتب الصف الأول الجديدة (انظر الصورة من كتاب اللغة العربية للصف الأول)، وفي صورة أخرى تظهر طالبات المرحلة الابتدائية مرتديات الحجاب.

وخارج المنهاج تأخذ حملة “تحجيب” الطالبات أشكالا مباشرة. فمثلا، تقيم اللجنة الدينية في مدرسة الأميرة عالية الثانوية للبنات حفلا تكريميا لمن ارتدين حجابا وتقدم لهن مكافأة تشجيعية قيمتها خمسة دنانير. وممن تحجبن وحصلن على المكافأة خلال العام الدراسي الماض طالبات في الصف الثالث لم تتجاوز أعمارهن التاسعة.

قد يفسر هذا التعديل في الكتب والذي جاء بعد ما عرف بالربيع العربي بأنه إحدى السياسات الحكومية لاحتواء المعارضة الإسلامية التي تتركز في قطاع التربية والتعليم، أو للمزايدة على الإسلاميين وكسب الشعبية. وربما أصبح لدى الحكومة دافع جديد لاحتواء الاسلاميين بعد تأسيس نقابة المعلمين وفوز الاسلاميين بغالبية المجلس.

هذه ليست المرة الأولى التي يساوم فيها النظام الأردني على قطاع التعليم الذي سلمه للاسلاميين في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، سيطروا خلالها على الجهاز الإداري. وبلغت سيطرة حركة الاخوان المسلمين على الوزارة ذروتها العام 1976 عندما عين عضو الحركة اسحق الفرحان وزيرا للتربية والتعليم. قام خلالها بإلغاء مبحث الفلسفة الذي شمل نظرية المعرفة والفلسفة الإسلامية والمنطق والأخلاق، “بحجة أنها علوم ملحدة، وكان لهذا مخاطر وتداعيات كثيرة عززت جانب الثقافة التقليدية على حساب العلوم المعرفية الأخرى، وتحديدا الفلسفية”، وفق تصريحات صحفية للدكتور ضرار بني ياسين من قسم الفلسفة بالجامعة الأردنية.

بذلك أصبحت الوزارة محصنة أمام محاولات النظام لاسترجاعها من خلال وزرائها المتعاقبين بمعدل وزير كل ستة شهور، منهم أصحاب فكر إسلامي متنور، قومي عروبي، ليبرالي ديجيتالي، وغيرها من التصنيفات التي أطلقت على الوزراء الأردنيين. لكن لم يفلح أي منهم في تحرير التعليم من نشاط الإسلاميين السياسي والدعوي.

يمكن للحكومة لو أرادت حقا تحرير الكتب المدرسية من تأثير الجهاز البيروقراطي المتجذر منذ أكثر من خمسة عقود، من خلال قانون التربية والتعليم الذي يخولها تعيين أعضاء مجلس التربية والتعليم، ومن صلاحياته “الكتب المدرسيّة المقرَّرة وأدلّتها، ولا يجوز تدريس أيّ كتاب أو تطبيق أيّ منهاج في أيِّ مؤسّسة تعليميّة إلا الكتب بموافقة المجلس”، وفق المادة (23) و(24) من القانون.

من الواضح أن الحكومة ليست معنية بتطوير مناهج وكتب مدرسية تعزز التنوع الاجتماعي والديني والتعددية الفكرية من خلال تدريس تاريخ وعلوم الأديان كافة

لكن من الواضح أن الحكومة ليست معنية بتطوير مناهج وكتب مدرسية تعزز التنوع الاجتماعي والديني والتعددية الفكرية من خلال تدريس تاريخ وعلوم الأديان كافة، بل وتنتهك حق الفرد في تكوين قناعات وخيارات شخصية من خلال حصر عقول الأطفال ضمن ثقافة أحادية سائدة.

ولهذه السياسة إطار قانوني يكفل تبني الدين والثقافة الإسلامية كمرجعية للمناهج الأردنية، كما ينص الفصل الثاني (فلسفة التربية وأهدافها) في قانون التربية والتعليم الأردني. وتقوم الفلسفة على أسس فكرية، منها: “الإسلام نظام فكري سلوكي يحترم الإنسان ويعلي من مكانة العقل ويحض على العلم والعمل والخلق، الإسلام نظام قيمي متكامل يوفر القيم والمبادئ  الصالحة التي تشكل ضمير الفرد والجماعة”.

توظيف الكتب المدرسية للتأثير على الأطفال يذكّربالتعميم الصادر عن “ديوان التعليم” في الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، والذي نص على أن تلغى من المناهج الدراسية المواد التالية بشكل نهائي (التربية الفنية الموسيقية، التربية الوطنية، دراسات اجتماعية، التاريخ، التربية الفنية التشكيلية، الرياضة، قضايا فلسفية واجتماعية ونفسية، التربية الدينية الإسلامية، التربية الدينية المسيحية، على أن تضاف مواد تعويضية لها.

وتَضيع الجهود الحكومية في حلقة مفرغة بين سياسات تعليمية تشجع طلاب المدارس على فكر ديني أحادي وبين محاربة التطرف الديني بقمع وسجن شباب يمارسون ما نشأوا عليه من رفض للآخر وعدم الاعتراف بدين أو معتقد فكري مختلف عما يعتنقونه.