مغالطات حول غاز «المتوسط»

الأربعاء 22 تشرين الأول 2014

يدور في الأردن الحديث عن صفقتين رئيسيّتين لاستيراد الغاز الإسرائيلي. الأولى أبرمت في شباط الماضي بقيمة تصل لـ771 مليون دولار، بين شركة “نوبل إنرجي” الأمريكية ممثلة عن تجمّع الشركات التي تملك حقل تامار (حصص الشركات الشكل 2)، وشركة البوتاس العربية، التي تملك وزارة المالية الأردنية والضمان الاجتماعي 32% من حصصها، إلى جانب حكومات عربية بصفتها الرسمية أو عبر أذرع استثمارية لها، مثل الكويت وليبيا والعراق وسوريا والسعودية وغيرها، والتي تمتلك ما مجموعه 33% من مجمل شركة البوتاس العربيّة.

الاتفاق الثاني والأكبر، وقّعت فيه شركة الكهرباء الوطنية رسالة نوايا مع “نوبل إنرجي”، بالنيابة عن تجمّع شركات حقل “لفاياثان” هذه المرة (شكل 2)، تصل قيمتها إلى 15 مليار دولار، على مدار 15 سنة. وبحسب وزير الطاقة الأردني محمد حامد، فإن شركة الكهرباء الوطنية ما زالت في مرحلة التفاوض، وستبرم الاتفاقية الرسمية في تشرين/نوفمبر 2014 القادم.

المغالطة الأولى: الغاز ليس من إسرائيل

في ندوة حول الطاقة في عمان، تعمّد وزير الطاقة الحامد عدم ذكر إسرائيل عند الحديث عن مصدر الغاز؛ إذ قال إن “الغاز من البحر الأبيض المتوسط”. وخرجت الصحف علينا قبل شهر بعنوان لخبر “كوميدي” يصرّح فيه مدير عام شركة الكهرباء الوطنية عبدالفتاح الدرادكة: “لم نوقع اتفاقا مع أي طرف إسرائيلي حول الغاز“.

“غاز المتوسط” إسرائيلي؛ فإسرائيل هي التي تتحكم به وتأخذ عوائد وضرائب استخراجه، وما قد تصل إلى 52% من الأرباح، حسب لجنة شيشنسكي الحكومية الاسرائيلية، عدا عن أن شركات إسرائيلية تملك أغلبية الحصص في الحوضين الرئيسيين تامار وليفاياثان (64% و60%)، الذي سيستخرج الغاز منهما.

عوائد تصدير الغاز إلى الأردن ومصر ستساعد إسرائيل على الاستثمار في “مشاريع استراتيجية وطنية، في قطاع التعليم والأمن”، حسب توصيات لجنة حكومية ترأسها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وعلى الرغم من أن لجنة “التكنولوجيا والعلوم” في الكنيست أجرت تعديلًا على تلك التوصيات، تحدد الاستثمار فقط في التعليم والبحث العلمي، مع إمكانية إقراض الحكومة، إلا أن الريع الذي سيتأتى من الغاز دفع عددًا من المحافظين الجدد وحلفاء إسرائيل في الولايات المتحدة إلى المطالبة بوقف الدعم الأمريكي العسكري السنوي. فحسب نوا بولاك، رئيس حملة الطوارئ للدفاع عن إسرائيل في الولايات المتحدة، “إن الدعم يشكل أداة ضغط على إسرائيل”. يتفق مع بولاك، نافتالي بينيت، وزير الاقتصاد الإسرائيلي اليميني المتشدد، عندما يصرح بأن على إسرائيل “التحرر من المساعدات الأمريكية”.

المغالطة الثانية: الغاز سيوفر 700 مليون دينار أردني سنويًّا على الكهرباء

إذا ما تحوّل الأردن اليوم إلى إنتاج الكهرباء، باستخدام الغاز من إسرائيل، وحسب معدل الأسعار المتوقعة للاستيراد (7-9.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية)، فقد يوفر الأردن، بحسب الكاتب فهد الفانك في صحيفة الرأي، 700 مليون دينار، أو ما يعادل مليار دولار.

لن يصل الغاز الإسرائيلي إلى الأردن قبل عام 2018. عندئذ سيكون ميناء استقبال الغاز المسال في العقبة عاملًا، وإذا عملت غالبية محطات الكهرباء عليه، من خلال ضخه في نفس خط الغاز العربي، ستوفر 500 مليون دولار عن أسعار اليوم، حسب تقرير لمجموعة أكسفورد للأعمال، أي أن الوفر من الغاز الإسرائيلي، إذا ما قورن بكلف إنتاج الكهرباء عام 2018 سيكون أقل من نصف الـ 700 مليون دينار. وقد يتقلص هذا الرقم أكثر إذا ما احتسبنا المشاريع البديلة؛ مثل الطاقة من الرياح والصخر الزيتي، والتي قد تنافس بأسعارها أسعار الكهرباء المولّدة من الغاز الإسرائيلي. بالإضافة إلى ذلك يمكن للحكومة معالجة ملف النقل العام، الذي يلتهم 51% من استهلاك الطاقة في المملكة.

المغالطة الثالثة: التطبيع مع إسرائيل أصلًا منتشر

يقول فهد الفانك (في مقالة الـ700 مليون دينار)، إن “التبادل التجاري بين الأردن وإسرائيل في الوقت الحالي يناهز 200 مليون دولار سنويًّا، فهل يعقل أن يطالب البعض الحكومة الأردنية بمقاطعة إسرائيل اقتصاديًّا؟”. ويتعمد الفانك ذكر الرقم بالدولار لتضخيمه، وذكر التبادل التجاري بدلاً من المستوردات وحدها، إذ سيكون الغاز من إسرائيل مستوردًا ومستهلكًا محليًّا. والمئتي مليون دولار هي الصادرات الأردنية لإسرائيل مع جميع المستوردات، والتي تقسم إلى مستهلكة محليًّا ومُعاد تصديرها ( ترانزيت إلى دولة ثالثة)، أي أنها تعود بالفائدة فقط على بعض التجار وبعض شركات النقل.

وبحسب دائرة الإحصاءات الوطنية، نجد أن المستوردات من إسرائيل المستهلكة داخل المملكة، 40.6 مليون دينار فقط، في العام 2013. وبما أن الغاز الإسرائيلي، إذا ما تمت الصفقة، سيكون سلعة مستوردة ومستهلكة محليًّا، فإن حجم الصفقة مع الكيان الصهيوني سيشكل ما يوازي 17 ضعف المستوردات المستهلكة محليًّا لعام 2013. وكانت المستوردات من إسرائيل، -المستهلكة محليًّا، وصلت إلى أعلى أرقامها عام 2007، 124 مليون دينار، لكنها انخفضت منذ عام 2008 (أي بعد الحرب الاسرائيلية على غزة ذلك العام، وربما بسبب حملات المقاطعة)، إلى أن وصلت 40.8 مليون دينار عام 2013 بارتفاع طفيف عن 2012، وهو رقم بسيط يعرف الفانك وغيره أنه لا يؤثر على الاقتصاد الأردني، بل يكشف عن حجم هزليّة العلاقة التجارية مع إسرائيل؛ فدولة مثل فيتنام تبعد عن الأردن آلاف الكيلومترات، ويستهلك الأردنيون من منتجاتها ضعف ما يستهلكون من إسرائيل (79.2 مليون دينار). واستهلك الأردنيون من سورية حتى في ظل الحرب المدمرة فيها، في عام 2013، أربعة أضعاف ما استهلكوا من إسرائيل (172 مليون دينار).

المغالطة الرابعة: الغاز سيباع في كل الأحوال

يردد مسؤولون أردنيون من وراء الكواليس أن صفقة استيراد الغاز من إسرائيل في مصلحة الأردن لا إسرائيل، وأن هذا الغاز إذا لم يشتره الأردنيون، فسيباع لأوروبا، و”نحن أولى به”. إسرائيل رصدت 40% من اكتشافاتها للتصدير، لأسباب تجارية متعلقة بالمستثمرين في الأحواض، ولتسريع العائد على الاستثمار، والتوسّع في السيطرة على حوض الهلال الخصيب Levant Basin، وخلق كارتيل تجاري، إسرائيلي-أمريكي فيه. هذه المبررات الاقتصادية للتصدير وضعتها لجنة زيماخ الحكومية في توصياتها عام 2012. نجد في إحدى التوصيات أن اللجنة ترى في “تسويق صادرات الغاز الاسرائيلي لاستهلاك دول الجوار، مسألة في غاية الأهمية”. وبحسب الكاتب العراقي المتخصص بشؤون الطاقة، وليد خدوري: “يعاني كونسورتيوم الشركات العاملة في حقل ليفاياثان الإسرائيلي العملاق مشكلة توفير السيولة المالية لتطوير الحقل،(…) ولجأ الكونسورتيوم إلى توقيع عقود بيع وشراء مع دول إقليمية”.

الدول الإقليمية هذه هي الأردن ومصر، اللتان كانتا هدفًا لشركة نوبل إنرجي الأميركية في تقرير لها عام 2013. ففي مصر محطتان رئيسيتان للغاز المسال، تعملان بـ 25% من طاقتهما الإنتاجية حسب التقرير، والأردن الذي يحتاج لـ300-400 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميًّا، قريب من إسرائيل، وانخفاض كلفة دمجه بشبكة توزيع الغاز الإسرائيلية المحلية، تجعل هذين الخيارين الأكثر جدوى للصادرات الإسرائيلية من الغاز.

قالت شركة نوبل إنرجي إن ما يقارب 8 ترليون قدم مكعب، “قد تم تأمينها بمذكرات تفاهم، مع الأردن ومصر”. وإذا ما أضفنا السلطة الفلسطينية فسوف تقترب الصادرات لهذه الأطراف إلى ما نسبته 67% من حجم كوتا الصادرات المسموح بها، حسب كميات الغاز المكتشفة (لا المثبتة: المثبتة عادة اقل من المكتشفة)، التي تسيطر عليها إسرائيل (30 ترليون قدم مكعب). ما يبقي فقط 33% للتصدير لغير “جيران” إسرائيل*.

إذا ما أرادت إسرائيل والمستثمرون تصدير الغاز لغير مصر والأردن، فإن خيارات أسواق أوروبا وآسيا، يترتب عليها كلف إضافية هائلة قد تجعل من هذا الاستثمار غير مجدٍ تجاريًّا.

يحتاج استخراج الغاز من حوض ليافايثان استثمارًا بـ6.5 مليار دولار. وإذا ما أرادت إسرائيل والمستثمرون تصدير الغاز لغير مصر والأردن، فإن خيارات أسواق أوروبا وآسيا، يترتب عليها كلف إضافية هائلة قد تجعل من هذا الاستثمار غير مجدٍ تجاريًّا. ويحتاج الخيار الأول إما بناء خط غاز عبر قبرص، مرورًا باليونان، تعارضه تركيا وبكلفة مرتفعة قد تصل إلى أكثر من 20 مليار دولار، أو بناء أنبوب غاز إلى تركيا نفسها. وهو ما تم تجميد التفاوض حوله، لأسباب متعلقة بصراع “إسرائيل وغزة”، حسب وزير الطاقة التركي.

أما الخيار الآخر فهو بناء محطة لإسالة الغاز في البحر الأبيض المتوسط، ما يزيد من الأعباء المالية للتصدير؛ فإنّ كلفته قد تصل إلى 15 مليار دولار ويعتبر هدفاً أمنيًّا، ويواجه مخاطر مالية حسب برندا شافير، خبيرة سياسات الطاقة، والمحاضرة في جامعة حيفا. وكانت شركة ودسايد الأسترالية قد انسحبت من الاستثمار فيه وأنهت مذكرة التفاهم بينها وبين كونسورتيوم ليفاياثان في أيار الماضي.

أما بالنسبة للأسواق الآسيوية، فعلى إسرائيل أيضًا بناء محطة غاز مسال في إيلات، قد تصل كلفة بنائها إلى أكثر من 6 مليار دولار. أي أن على إسرائيل ضخ الغاز من المتوسط على بعد 20 ميل من شواطئ حيفا، ليصل إلى عسقلان، ويُضخ بعدها إلى إيلات، ثم يحول إلى سائل، باستثمار أولي يفوق الـ12 مليار دولار. مما يضع تكلفة إضافية قد تجعل الغاز غير منافس في أسواق آسيا إذا ما قورن مع الغاز من مصادر أخرى. أما تصدير الغاز المسال لأوروبا؛ فمن المجدي أكثر لإسرائيل الاعتماد على البنية التحتية القائمة في استغلال محطات الغاز المسال في مصر، بدلاً من بناء محطات لها في المتوسط، ما يحوّل العبء الأمني والاستثماري المالي على مصر. بينما تكتفي إسرائيل بالاستخراج والضخ (وجني العوائد بالطبع)، إما بأنابيب بحرية مباشرة لمحطات الاسالة أو بعكس الضخ في خط العريش-عسقلان  القائم.

خدمة إسرائيل بالبلادة

كانت وكالة رويترز قد بثت خبرًا قبل أسابيع، عن ضغوطات يواجهها كونسورتيوم الشركات في حوض ليفايثان، إذ يتوجب عليهم الاستعجال في أعمال المرحلة الأولى، كون “الفشل في تسليم العرض في المدة المحددة (تشرين 2014)، سيؤخر الإنتاج إلى ما بعد 2018، حين ستدخل مشاريع تصدير كثيرة عالميًا، وهو ما من شأنه تقليص الأرباح”.

إنّ صفقات الغاز مع الشركات في مصر، أكبر من تلك التي مع الأردن، المؤمنة في مذكرات التفاهم. المهم في صفقات الأردن، أنها الأضمن ماليًّا وأمنيًّا لكونسورتيوم ليفاياثان، والأقل تعقيدًا تجاريًّا، وتكفي هذه الصفقات من حيث قيمتها، بالإضافة إلى الاستهلاك المحلي الإسرائيلي من الحوض، لتأمين تمويل الكلفة الأولية لاستخراج الغاز.

لا يرغب المسؤولون الأردنيون في الحديث عن التوابع الجيو-سياسية والاستراتيجية لقرارهم؛ لأنهم يختبئون وراء بلادة سياسة “اللا-سياسة”، المبنية على أساطير. فمؤخراً نجح الكونسورتيوم بتقديم خطته للمرحلة الأولى من تشغيل حوض ليفاياثان، سابقًا ذلك المدة المحددة من قبل الحكومة الإسرائيلية.

حتى الآن خدمت الحكومة الأردنية وعبر رسالة النوايا لشركة الكهرباء الوطنية، الكونسورتيوم الإسرائيلي-الأمريكي. أما الدعم المباشر لموازنة آلة الحرب الإسرائيلية، فسيخرج من جيوب المواطنين، وفواتيرهم من الكهرباء، عند إبرام الاتفاقية الرسمية في تشرين القادم، أو بعدها.

*هذا بعد أن كانت مصر تصدر لإسرائيل الغاز بأقل من ربع السعر الذي ستشتريه منها، عبر الصفقة المعروفة لشركة EMG المصرية المملوكة لحسين سالم عميل المخابرات المصرية السابق وصديق حسني مبارك الشخصي، ويوسي مييمن عميل الموساد المتقاعد.