هناك بديل للغاز «الإسرائيلي»

الجمعة 20 شباط 2015
israeli-gas-jordan

علي نصر الله

قد يجادل البعض أن الغاز الإسرائيلي هو الأرخص من حيث الكلفة الاقتصادية، لكن كلفته السياسية والأخلاقية ومخاطره الاقتصادية أعقد من التبسيط يلجأ إليه بعض المسؤولين.

فصفقة الغاز من إسرائيل هي صفقة مع كيان يسرق الغاز من الأراضي المحتلة لتدر عليه دخلًا صافيًا قد يصل إلى 8.4 مليار دولار، ما يكفي لتمويل ثلاث حروب جديدة على غزة.

الغاز الإسرائيلي لا يجب أن يعتبر خيارًا متاحًا لخطورة ربط طاقتنا بكيان عدو متقلب المزاج أولًا، وثانيًا لأن الغاز الإسرائيلي لن يصل الأردن قبل عام 2018 في أحسن التقديرات، أضف إلى ذلك أن هناك الكثير من المشاكل الداخلية في إسرائيل بخصوص ملف الغاز ضد الشركات المتعهدة باستخراجه، تتعلق بتخوفات من تشكُل ائتلاف يحتكر استخراج الغاز من المتوسط، مما قد يؤخر وصوله إلى ما بعد 2018.

شبكة الكهرباء الأردنية صغيرة نسبيًا، حيث أن التوليد يصل إلى 2800 ميجا واط، أما السعة الكلية للشبكة فهي 3000 ميجا واط. حسب ما هو معلن، فإن كمية الغاز المتفق استيرادها من إسرائيل تصل كحد أدنى إلى 300 مليون قدم مكعب يوميًا لمدة 15 عامًا، وبقيمة إجمالية مقدرة بحوالي 15 مليار دولار. وستساهم هذه الكمية في تأمين ما يقارب 30% من اجمالي الطاقة أي حوالي 1000 ميجا واط.

بالتالي، فإن الاستغناء عن صفقة الغاز الإسرائيلي يعني أن علينا إيجاد بديل لإنتاج 1000 ميجا واط في العام 2018، من خلال خيارات للأردن توفر هذه الكمية من الطاقة قبل وصول الغاز الإسرائيلي وتوفر 3 سنوات من العجز في الموازنة الناتج عن مشكلة الطاقة. أدناه نستعرض بعض من الحلول الممكنة لمشكلة توفير الطاقة الأساسية لإنتاج الكهرباء.

أولًا: ما نستخدمه الآن، النفط

oil-prices

اعتمدت شركات توليد الكهرباء في الأردن على حرق الوقود الثقيل بعد انقطاع الغاز المصري، مما سبب زيادة في كلفة إنتاج الكيلو واط من 11 إلى 19 قرشًا. هذه الأرقام التي ما زالت تعتمدها الحكومة حتى الآن تقدر سعر برميل النفط بـ 100-120 دولار لاحتساب الخسائر المترتبة على قطاع الكهرباء، وهذا التقدير قد جاوزه الزمن، فالسعر الحالي لبرميل النفط وصل حوالي 50 دولارًا، ومن المتوقع أن يبقى في إطار هذه الأسعار المنخفضة ضمن ما يصفه خبراء الطاقة بحرب النفط الأمريكية-السعودية على روسيا وإيران.

هذه الأسعار المتدنية تقلل الخسائر المترتبة على الحكومة بنسبة كبيرة لا تقل عن الثلث (بما أن سعر النفط هبط إلى النصف في حين تبقى تكلفة التشغيل ثابتة تقريبًا). التحليل الإقتصادي بأن سعر النفط سيبقى ضمن هذه الأسعار المنخفضة يعتمد على أبسط نظريات الإقتصاد: العرض والطلب. الطلب على النفط هبط بسبب الأزمات الإقتصادية في الاتحاد الأوروبي وتراجع الصناعة في الصين، لكن العرض زاد بدخول أمريكا لسوق النفط عبر استخراج النفط من الصخر الزيتي، وبقاء إنتاج OPEC (منظمة الدول المصدّرة للنفط) كما هو، أي 30 مليون برميل يوميًا. وتجدر الإشارة إلى أن السعودية رفضت في اجتماع دول الـ OPEC الأخير تخفيض الإنتاج، مع أن إبقاء العرض ثابتًا مع انخفاض الطلب يعني هبوط سعر برميل النفط.

ثانيًا: الغاز الطبيعي المسال

يشكل الغاز المسال مصدرًا موثوقًا به لاستيراد الغاز بالمقارنة مع الغاز الإسرائيلي، إذ يمكن للأردن أن يحصل على الغاز المسال من أي مكان في العالم في حال انقطاعه من جهة معينة. ورغم أن سعر الغاز المسال قد يكون أعلى من الغاز الإسرائيلي، إلا أن الحكومة تستطيع أن تتفاوض مع عدة مصادر عربية وعالمية لتحصل على سعر تفضيلي وبالذات إذا التزمت بتعاقد استيراد لمدة 15 عامًا كما تريد أن تفعل مع الكيان.

وفقًا لتصريحات وزير الطاقة والثروة المعدنية الدكتور محمد حامد، يتم حاليًا إنشاء ميناء لاستيراد الغاز الطبيعي المسال في العقبة، ومن المرجح أن يكون الميناء جاهزًا لاستقبال الغاز المسال المنقول عبر السفن مع بداية شهر أيار من العام 2015. وقعت شركة الكهرباء الوطنية مع شركة شل اتفاقية لشراء 150 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي المسال يوميًا، بكلفة إجمالية سنوية تقدر بحوالي 500 مليون دولار. الاتفاقية مدتها خمس سنوات وتعتمد على سعر برنت الحالي ومن المتوقع أن تصل أول شحنة في آب 2015.

يجدر الإشارة هنا إلى أن الحكومة ممثلة برئيس وزرائها عبد الله النسور ادّعت بأن الجزائر ليس لديها أي فائض من الغاز لعشر سنوات قادمة لعقد صفقة مع الأردن. لكن بعد أسبوعين، عقدت مصر صفقة جديدة مع الجزائر لاستيراد الغاز المسال. كما قالت الحكومة إن الغاز من قطر يكلف ضعف سعر الغاز من إسرائيل، لكن وبحسب النائب مصطفى الرواشدة فإن «الحكومة الأردنية لم تطلب من نظيرتها القطرية شراء الغاز القطري ولم تجرِ أي اتصال بهذا الشأن وما جاء على لسان الحكومة حول فرق الأسعار بين الغاز القطري والغاز الإسرائيلي هو افتراء وغير صحيح لأن الحكومة لم تسعّر الغاز القطري في الأصل».

ثالثًا: الصخر الزيتي

يعتبر الاحتياطي الأردني من الصخر الزيتي رابع أضخم احتياط في العالم بعد الولايات المتحدة الامريكية والصين وروسيا، فحسب بيانات رسمية، تبلغ الكمية المقدرة من الصخر الزيتي نحو 70 مليار طن.

هناك طريقتان للاستفادة من الصخر الزيتي في توليد الكهرباء: الأولى عبر استخراج النفط الذي يستخدم لتوليد الكهرباء إضافة لاستخدامات أخرى، والثانية من خلال الحرق المباشر لتوليد الكهرباء. تؤكد وزارة الطاقةوالثروة المعدنية أن استخراج النفط من الصخر الزيتي يبقى مجديًا اقتصاديًا ما دام سعر برميل النفط عالميًا أعلى من 40-50 دولار، وهو السعر الحالي. أما وفق تصريحات نائب رئيس مجلس مفوضي هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن موسى الزيود، «فإن توليد الكهرباء من خلال الحرق المباشر للصخر الزيتي لن يتأثر بانخفاض أسعار النفط نهائيًا حتى وإن انخفض سعر النفط العالمي إلى 20 دولار».

وقعت الحكومة عدة اتفاقيات لاستغلال الصخر الزيتي ومؤخرًا وقعت اتفاقية مع شركة إستونية لتوليد الكهرباء من الصخر الزيتي بمقدار يتراوح حسب الإعلام بين 470 – 554 ميجا واط لمدة 30 عام، أي ما يشكل سُدس استهلاك الأردن من الكهرباء تقريبًا، مع القدرة على رفع المقدار إلى 1000 ميجا واط وإمكانية تزويد الأردن بكمية أكبر من الطاقة عبر الصخر الزيتي.

يبدو خيار استخدام الصخر الزيتي خيارًا حكيمًا خاصة وأن مشروع الصخر الزيتي سوف يوفر الكثير من فرص العمل في السوق الأردني، فمن المتوقع تشغيل 3500 عامل خلال الإنشاء وإيجاد 1000 فرصة عمل بعد التشغيل.

رابعًا: الطاقة المتجددة

من بين جميع الخيارات المتوفرة للطاقة، أفضل شخصيًا الطاقة البديلة لأسباب كثيرة، أولها أن الطاقة البديلة تحقق الاستقلال والسيادة الكاملة للأردن في ملف الطاقة، كما أن الأردن محظوظ بموقع جغرافي عالي الإمكانيات بالنسبة للطاقة البديلة، إضافة إلى أن الطاقة البديلة صديقة للبيئة. في اعتقادي إن الطاقة البديلة هي المستقبل، وبإمكان الأردن أن يصبح رائدًا في هذا المجال، ويصبح مصدرًا للتكنولوجيا.

أقرت الحكومة عدة مراحل لمشاريع الطاقة البديلة بمجموع إنتاجي يصل 1209 ميجا واط حسب موقع وزارة الطاقة والثروة المعدنية، منها مشاريع تعتمد على الطاقة الشمسية ومنها مشاريع تعتمد على طاقة الرياح، كما وضعت الحكومة خطة لإكمال هذه المشاريع في عام 2018، أي قبل وصول الغاز الإسرائيلي. المرحلة الأولى للطاقة الشمسية وقعت مع شركات خاصة بمقدار 150 ميجا واط ستبدأ العمل في الربع الثاني من هذا العام.

ويذكر أن المانيا هي الدولة الرائدة في مجال الطاقة البديلة عالميًا، لكن الأردن يمتلك إمكانيات أكبر بكثير من ألمانيا خصوصًا بالنسبة للطاقة المولدة من الشمس. فبالنظر إلى مقياس الرسم في الخريطتين أدناه اللتين تظهران مقدار المتوسط السنوي للطاقة الساقطة من أشعة الشمس على المتر المربع الواحد بالكيلو واط الساعي (kWh\m2) يتراوح بين 1100 و1300، بينما يتراوح مقياس الرسم لخارطة الأردن بين 1900 و 2300 (kWh\m2).

SolarGIS-Solar-map-Jordan-enSolarGIS-Solar-map-Germany-en

خامسًا: الطاقة النووية

الطاقة النووية هي إحدى الخيارات المتاحة، إلا أنها غير مرغوبة من قبل شريحة واسعة من المواطنين الأردنيين لما يترتب عليها من مشاكل، أهمها العبء الاقتصادي والحاجة لمليارات الدولارات من القروض لتمويل المشروع، والتأثير السلبي على البيئة، والخطر على المواطنين في حال حدوث أي خلل فني مثل حادثة تشيرنوبيل في أوكرانيا أو كارثة بيئية كما حصل في اليابان في فوكوشيما. لكن رغم كل المعارضة الشعبية للمشروع النووي إلا أن حكومتنا مضت بالتوقيع مع الحكومة الروسية لإنشاء مفاعلين نوويين بقدرة 1000 ميجا واط لكل واحد يجهز أولهما في 2024 والثاني في 2026.

سادسًا: النفايات وحلول أخرى

عام 2014، أعلنت السويد أنها تحرق 99% من النفايات في بلادها لتوليد الطاقة. وحسب إحصائياتها، فإن حرق ثلاثة أطنان من النفايات يولد طاقة تكافىء حرق طن واحد من النفط. في الأردن، يبلغ مقدار ما ينتجه الفرد الواحد من النفايات 0.9 كغ نفايات/فرد/يوم، وهي كمية مرتفعة بالنسبة للدول النامية، مقابل 1.26 كغ نفايات/فرد/يوم في السويد، مما يؤشر إلى إمكانية تطبيق هذه الطريقة محليًا.

مزيج من البدائل

في العام 2018، يستطيع الأردن أن يعتمد على مصادر متنوعة تضمن له الاستقلال بملف الطاقة، إذا ما أمّننا حاجتنا من الطاقة بكمية 1000 ميجا واط من الطاقة المتجددة و500 من الصخر الزيتي و1500 موزعة بين الغاز المسال المستورد والنفط حسب أسعار السوق العالمي. وفي العام 2024، قد يدخل أول مفاعل نووي إلى معادلة الطاقة موفرًا 1000 ميجا واط ليستبدل النفط تمامًا ويوفر نسبة التضخم بالطلب على الكهرباء في الأردن.

من المؤكد أن لدى الأردن مشكلة عجز في ملف الطاقة، ولكن الحلول كثيرة ومتعددة والغاز الإسرائيلي ليس منقذًا وليس الخيار الوحيد، وتكلفته غير المادية يجب أن تؤخذ بالحسبان، كما أن  الانخفاض النسبي في تكلفته المادية لا يبرر خطره الاستراتيجي إذا ما قورن مع البدائل الاخرى الأكثر أمنًا واستقلالية.

عدا عن كل ذلك، فتجربتنا المريرة مع الاحتلال علمتنا الكثير، فمع أن الحكومة الأردنية ارتبطت بمعاهدة «سلام» مع إسرائيل منذ 20 سنة، إلا أن إسرائيل ما زالت حتى الآن عدو الأردن الأول ولم يتوقف الاحتلال عن استهدافه للأردن وفلسطين، ولم يوقف مخططاته التوسعية التي تهدد الأردن. من بنود معاهدة وادي عربة كان تقسيم مياه نهر الأردن ونهر اليرموك والآبار الجوفية في وادي عربة بين إسرائيل والأردن، لكن دولة الاحتلال لم تلتزم بالاتفاقية وما زالت تستحوذ على كمية غير عادلة حسب المواقع الجغرافية للأنهر، مما أدى إلى أن يصبح الأردن ثالث أفقر دولة بالمياه عالميًا.

إن ملف الطاقة خطير جدًا بحجم تأثيره على الاقتصاد المحلي، فلا يصح أن نربط طاقتنا بعدونا، ويتوجب عند الحديث عن الحلول لمشكلة الطاقة في الأردن دراسة جميع الخيارات المتاحة، الأقل كلفةً اقتصاديًا وأمنيًا وأخلاقيًا على الدولة الأردنية.