قرأتلك: يسار الغرب، يأس ما بعد الربيع، وموسيقى القرآن

الإثنين 27 شباط 2017

إعداد جابر جابر

في موقع الجمهورية، كتب ياسين الحاج صالح، مقالًا طويلًا بعنوان «سورية واليسار الأنتي إمبريالي الغربي»، وفي هذا المقال يتحدث صالح عن الإمبريالية التي يرتكبها اليساريون الغربيون المعادون للإمبريالية. أظن أن الاقتباس التالي من مقال صالح يوضّح ما قلته للتو: «في زمن الحرب الباردة كان الشيوعي الأرثوذكسي يعرف مصالح الجماهير الحقيقية، ويعرف اتجاه التاريخ، وهو ما كان يكفي كي يأخذ الموقف الصائب دومًا. لكن هذا الموقع المتعالي على التاريخ كان يضعه في موقع عالٍ جدًا على الجماهير في حياتها الفعلية، وعلى الصراعات الاجتماعية والسياسية الحقيقية. موقع يمكن وصفه بالضبط بأنه إمبريالي من حيث أنه يتوسع على حساب الصراعات الفعلية ويلحقها به، ولا يهتم برأي المنخرطين فيها أو بمعرفة شيء عنهم. ما يميز الأنتي إمبرياليين الغربيين أن أكثرهم لا يعرف شخصًا واحدًا من جماهيرنا، وأنهم لا يعرفون ما يتجاوز انطباعات ضبابية عن تاريخ بلدنا كي يعرفوا شيئًا عن انضباطه المحتمل بالسير في اتجاه التاريخ العام أم خلافه. هذا يجعل تدخلهم في شؤوننا تدخلًا إمبرياليًا بكل معنى الكلمة: تدخلًا من فوق، يجردنا من الذاتية والقدرة على تمثيل قضيتنا، وتُبطِّنه علاقة قوة نشغل فيها موقع الضعيف الذي لا شأن له، ويخلو كليًا من حسّ الرفقة والتضامن والشراكة».

«الراديكاليّة الحقّيقيّة هي أن تجعل الأمل ممكنًا، لا أن تجعل اليأس مُقْنِعًا». بهذا الاقتباس لريموند ويليامز، يبدأ الروائي العراقي سنان أنطون مقاله المعنون «اليأس كسلاح للاستبداد» على موقع جدلية، ورغم انحيازه للربيع العربي إلّا أن أنطون يستغلّ جزءًا محترمًا من مقاله للحديث حول المصطلح الذي: «الذي سارع هؤلاء لإلصاقه بالثورات العربيّة يضع سلالة ومرجعيّة هذه الثورات في سياق تاريخي آخر ويجيّرها لصالح سرديّة رثّة، لكنها تظل تعمل بقوة. تُرجِع هذه السردية أصول كل انعطافة تاريخيّة، أو تغيّر مفصلي، أو حدث يقع أو سيقع في أي بقعة في العالم، إلى «غرب» جغرافيّ أو خطابيّ. وهكذا فإن الثورات العربيّة تفقد خصوصيتها باستعمال هذه المصطلح وتصبح محض «استكمال متأخّر» أو «لحاق» بركب التاريخ (الذي بدأ أوربيًّا، والإشارة هي إلى «الربيع» الذي أعقب انهيار الاتّحاد السوڤييتي)، وهي فكرة خاطئة بالطبع. ويجب أن نتذكر كيف كانت هناك محاولات لإسقاط وتهميش دور المواطنين الذين فجّروا هذه الثورات واختزال تاريخ من النضال وذاكرة ثورية متجذّرة بعزو هذه الثورات إلى الأدوات التي استخدمت فيها وخلطها بها وبالتكنولوجيا التي أنتجها وطورها «الغرب» (الفيسبوك، بصورة رئيسية، والتويتر). حتى أصبح طقس تبجيل وشكر مارك زوكربرغ فرضُا. وكأن الثورات لا تستخدم في كل عصر ما تيّسر من وسائل وأدوات».

في معازف، كتب حسن نصّور، مقالًا مكتوبًا بعناية وحب، عمّا يفعله القارئ المصري محمود أنور الشحات، في مستمعيه ومريديه. وحمل المقال عنوان «الطرب والتَّحزين في تلاوة القرآن | الشحات نموذجًا»، وعلى خلاف الكتابات الأخرى حول تلاوة القرآن الكريم، فإن هذا المقال لم يعن بالحديث مطوّلًا عن القارئ وذهب مباشرة إلى تأثير الشحات في المتحلّقين حوله، عبر دراسة التقنيات التي يستعملها ويلجأ إليها في التفاعل مع النص ومع الجمهور. ومن هذا المقال أقتبس:«يختبر الشحّات فعل التكرار وتأثيره في المتلقيّ لناحية الكيفيّة الأسلوبية والمزاجية التي يُتَجاوَز بها (التجاوز) صوب الآية التي تليها أو لناحية الإعادة مرارًا وتكرارًا بتحفيز من المتلقيّ ومن إمتاع المقام المبلوغ. فالتكرار، والنمل مثالًا عند الشحّات، ليس فعلًا تعاد من خلاله حال سابقة في التلقي بل هو في العمق دفع الحضرة نحو مستوى أعمقَ من مستويات التلاوة».

وفي صحيفة اتجاه الفلسطينية، كتب محمود أبو هشهش، مقالًا لطيفًا، عرض فيه لمجموعة من الأفلام الفلسطينية التي صدرت خلال السنوات القليلة الماضية، وفي هذا المقال لا يتوقف الكاتب عند هذه الأفلام بالنقد كما يُفعل غالبًا، وإنما يركّز على الجهود المبذول من قبل المخرجين من أجل جعلها أفلام تستحق المشاهدة، أفلام تحمي جزءًا من الذاكرة الفلسطينية الفردية والجمعية من الضياع، ومن هذا العرض الذي حمل عنوان العمل من مسافة صفر: تعقيبات على أعمال لافتة أقتبس: «ما تقوله هذه الأعمال بقوة أن الماضي للفلسطيني لم يمضِ تمامًا، بل لم يمضِ بتاتًا، ويجب ألا يمضي قبل أن تبرأ جراحه وتتوقف عن التحول تمامًا، لأنه، الماضي، دائم التوالد والمراوحة في الحاضر والذاكرة.  وأن الفلسطيني غدًا يدرك أكثر من أي وقت مضى، أنه لا يملك أن يمضي إلى المستقبل دون ذاكرته.  فمن هو من دون ذاكرة؟ وأي مستقبل يمكن أن يكون له إن استند إلى ممكنات حاضره فقط، التي يتكشف بؤسها يومًا إثر يوم! لذلك، فهو لم يعد ينظر إلى النكبة كفعل تم وانتهى في العام 48، لأن الحاضر يشهد استمرارها وتشظيها وانشطاراتها اللامتناهية في الحياة وفي الحكاية، ما يجعل الكثير من الأفراد، ولاسيما الفنانين والمبدعين، يصبحون صناعًا لتواريخ (ثانوية) جديدة (microhistories) تصب في إعطاء الرواية الجمعية الكبرى، سماتها الحيوية، وملامحها الأكثر فرادة وتفصيلًا، فينقلون بذلك النكبة في    تجلياتها المختلفة من حيز التاريخ الجامد إلى منطقة الذاكرة الحية والتذكر الفاعل، ويهزون أركان الرواية المضادة وركائزها، ويقضّون مضاجع الضمير الإنساني».

وإن كنت تبحث/ين عن كتاب يغيّر من إيقاع يومك، وتقضي معه رحلة مضمونة النفع، فربما يكون موقع الضفة الثالثة قد ضمن لك بنشره عرضً حمل عنوان «معارك الصحراء لخوسيه إميليو باتشيكو: لعبة عرب ويهود»! ومن هذا العرض أقتبس لكم: «لكَ أيها القارئ أن تحذف اسم أليمان [ديكتاتور المكسيك] وتضع ما شئت من أسماء مستبدين خرافيين صغارًا كانوا أم كبارًا عرفتهم في بلادك أو المنطقة، عمومًا، هؤلاء الذين لا ينتجون سوى مواطنين خائفين، مشوّهين. حيث يتملقون علنًا ويشتمون سرًّا. لكنها هي قصة المكسيك كما أرادها باتشيكو، المكسيك في خصوصياتها وصراعها بين القديم والجديد، المكسيك التي أخذت تتوارى وراء ضباب الاستعارات الثقافية الأميركية الاستهلاكية، فيتصرف المكسيكيون كمحدثي نعمة متخلّين عن تقاليدهم المحلية، لقد نهض عالم جديد آخر، لكنه مفعم بـ (التضخم والتغيرات والازدحام وانعدام الأخلاق والضجيج والجرائم والتكدس السكاني والتسول والأجانب وانتشار الفساد والغنى الفاحش لدى القليلين والفقر المزري للأغلبية)».