ليلى الأطرش: «ترانيم الغواية» رواية المسكوت عنه في تاريخ القدس

الإثنين 08 شباط 2016

تتوغل الروائية ليلى الأطرش في تفاصيل تاريخ القدس منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى ما بعد النكبة، إلا أنها تسرد التاريخ بأسلوبٍ مختلف، إذ تختار في روايتها «ترانيم الغواية» الحديث عن الوجه المسيحي لمدينة القدس، فتخلط الواقع بالمتخيّل، وتستند على ما هو حقيقي لتبني قصتها عن المكان والإنسان، وتحاول أن تنبه من خلال أحداث الرواية إلى بيع الأراضي الفلسطينية في القدس الشرقية بصورة سرية الى متمولين يهود من خارج فلسطين المحتلة من قِبَل الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية.

السياسة والدين يتلازمان في أحداث الرواية مع قصص البشر، ومن خلال «ميلادة» نقرأ سردًا لتاريخ المدينة؛ تاريخها إنسانيًّا قبل أن يكون أيدولوجيًا. إذ تتولى «ميلادة»، إحدى أبطال القصة، سرد القصة الرئيسية ووضع الإطار لها، لكن القصص الفرعية تتوالى في الرواية، إذ بين ميلادة الحفيدة، المخرجة السينمائية، وميلادة العمة، العجوز المصابة بالزهايمر، نقرأ حكايات تخرج من درج العمة؛ رسائل ووثائق وصور تعود بنا تاريخ القدس الذي ترويه على لسان الحفيدة.   

«ترانيم الغواية» أخذت ليلى الأطرش نحو القائمة الطويلة لجائزة بوكر، وما نزال ننتظر الإعلان عن القائمة القصيرة، المتوقع غدًا، ومن ثم الجائزة في شهر نيسان المقبل. هذه الرواية التي ترى الأطرش أنها تستحق دون شك الفوز بجائزة البوكر، لما تحمله من قيمة أدبيّة وتاريخية.

laila alatrash 1

تُحدثنا الأطرش عن تفاصيل روايتها التي بدأت في كتابتها قبل ثلاث سنوات «كانت رواية دون هدف سياسي أو أيدولوجي أو تاريخ، بل قصص النساء وأحزانهن في تلك الفترة الزمنية»، إلا أن البحث والقراءة في تلك المنطقة قاد الأطرش إلى التوغل في تاريخ المنطقة، لتبني قصة تستند على التاريخ، دون أن يتعدى التاريخ أو المتخيل أحدهما على بعض.  

خلال كتابتها للرواية زارت الأطرش القدس ثلاث مرات، كانت تتفحص الأماكن التي تغيّرت عليها، وتمشي في الحواري بين البيوت لتقيس المدة الزمنية التي يتطلبها المسير من نقطة لأخرى، حتى لا تبدو في الرواية كشخص لا يعرف المكان حقًا. قامت أيضًا بعدة رحلاتٍ إلى أوروبا، اطلعت فيها على عددٍ من الوثائق كان أهمها الأرشيفين العثماني والبريطاني.

روت لنا الأطرش خلال لقائنا بها كل هذه التفاصيل، وتحدثت عن الوثائق التي قرأتها والمعلومات المخفيّة عن كتب التاريخ، والتي كانت أساس روايتها، تجوّلت الأطرش في القدس وتاريخها في فترة سقوط الخلافة العثمانية ودخول الانتداب البريطاني ومن ثم الاحتلال الإسرائيلي وتهجير الشعب وضياع الأرض، وتحدثت بجرأة عن أخطاء الكنيسة ورجال الدين في ذلك الوقت دون خوف، وعن دور الجانب المسيحي في الثورات الفلسطينية، كلها تفاصيلٌ روتها من خلال حياة الناس في القدس.

– في رواية ترانيم الغواية​ اخترتِ الحديث عن قضية الصراع العربي اليوناني حول الكنيسة، وهو الصراع الذي ما يزال دائرًا حتى اليوم. لماذا اخترتِ هذا الموضوع دون غيره، وهل ترين أن موضوع الكنيسة في فلسطين من القضايا المسكوت عنها؟

الواقع أنني لم أقصد أن أكتب عن الوجه المسيحي للقدس لكن عندما عُدت للقدس وبدأت البحث في الأرشيف العثماني وجدت أن عدد المسيحيين في القدس كان يفوق الخمسة وعشرين ألفًا، وإذا أردت أن أطرح رواية تتحدث عن ذلك الزمان لا يمكنني أن أتجاهل هذا المكون الكبير ودوره بالقدس.

الرواية ليست الوجه المسيحي للقدس، هي قصة حب مُحرّم بين كاهن وأرملة، لكن لا بد من أن يظهر هذا الوجه لأن له دورًا كبيرًا في القدس نفسها في بداية القرن الماضي. الآن مع الهجرة قلَّ المكون المسيحي إلى حد كبير، ما زالت القضايا عالقة، لكن العدد نقص بالهجرة، وأردت أن أصور هذه العائلة التي بدأت بالهجرة وعلاقتها مع محيطها الإسلامي واليهودي والأرمني، لأن القدس قبلت كل من كان يفد إليها.

ليست مسؤولية الأدب والفن أن يطرحا حلولًا، الحلول بحاجة إلى قانون وتشريع، الأدب والفن يطرحان قضية ويضعانها على بساط النقاش

كان من الصعب لمن يتصدى للكتابة عن هذا الزمان أن يتجاهل المكون المسيحي لمدينة القدس. أعتقد أن اهتمام الناس بهذا الجانب لأنها ربما الرواية الأولى التي تصوّر هذا الوجه. لم أكتب روايتي بناءً على خيار أيدولوجي، ذهبت لأكتب عن النساء في مدينة السماء، ولماذا تُهمل كتب التاريخ النساء عادةً، هدفي كان الكتابة عن العلاقات الإنسانية والحب، وعن الصراعات بين البشر بعيدًا عن الوجه الديني المشرق للمدن المقدسة الذي نقرأه بكتب التاريخ.

طرحتِ في الرواية قضية إشكاليّة مهمة، لكنك لم تحاولي اقتراح حلولٍ لها.

ليست مسؤولية الأدب والفن أن يطرح حلولًا، الحلول بحاجة إلى قانون وتشريع، الأدب والفن يطرحان قضية ويضعانها على بساط النقاش، ولستُ مطالبة أن أكتب أيدولوجية، وليس من حقي أن أضع حلول. أردتُ أن أنبه من خلال الرواية أن هذه الأراضي الفلسطينية تُباع الآن من قبل اليونان، لهذا عندما قرأ الجانب المسيحي هذه الرواية، الكثير منهم لم تعجبهم، لأنها طرحت قضية إشكالية موجودة منذ العام 1500. نجد أن السياسة والدين يتلازمان لمصالح من يحكم، والصراع السياسي بين الأتراك واليونان تاريخي، ولكن عندما حاول المسيحيّيون العرب تعريب الكنيسة تحالف اليونان والأتراك ضد هؤلاء العرب، وبالتالي القضية سياسية وليست دينية، لكن طرحها هو جزء أساسي من تاريخ القدس، ذلك أن المسيحيين كانوا أكبر عددًا من أي ديانة أخرى في القدس، حتى أن الحاج أمين الحسيني طلب من مدينة الخليل أن تُرسل خمسين عائلة مسلمة ليصنع توازنًا في الانتخابات. فكيف يمكن أن أكتب رواية عن المنطقة في بداية القرن وأتجاهل المكون الرئيسي.

كان لديك جرأة في الطرح، خصوصًا فيما يتعلق بالشخصيات المقدسة المعروفة. كيف كانت ردة فعل الكنيسة ورجال الدين تجاه هذا الطرح؟

الطوائف المسيحية متعددة، وأنا لم أتناول إلا الأرثوذكس لأن هؤلاء هم من حاولوا، وما زالوا، تعريب الكنيسة اليونانية وقياداتها اليونانية، وهو أمرٌ لم أجده عند الطوائف الأخرى. ردود فعل الكنيسة كانت سيئة جدًا في بعض الجوانب. لم يتعرضوا لي لكنهم أهملوا الرواية، وقالوا أنها لم تنصف الكنيسة وأعطت فكرة سيئة عنها. ليست الفكرة من الرواية إعطاء فكرة سيئة عن أحد، لكن كان هناك بعض الأخطاء في الممارسات الكنسية ظهرت كانتقاد في الرواية.

بالنسبة لي ما هو مهم أن الرواية ركزت على التآخي والتعايش بين الطوائف؛ عندما خرج العرب في مظاهرة لتعريب كنيستهم، الذي قاد المظاهرة في يوم الجمعة هو شيخ المسجد الأقصى، وهذا دليل على الترابط. لم تكن رسالة مباشرة في الرواية ولكنها كانت موجودة.

هل كانت لديك مخاوف من منع الرواية من النشر أو طلب شطب أي جزء منها؟

إلى حدٍ ما نعم، كانت لدي تخوفات من منع نشرها، ولكن لم أتوقع طلبت شطب أي جزء منها أو حذف أي اسم لإنني حميت نفسي، فلم أذكر أي شخصية حقيقية دون وجود وثائق تؤكد كلامي، وهذا ينطبق على مَن باع الأراضي ومن تاجر، كلها موثقة بالأرشيف العثماني.

أعرب بعض أهالي قرية عين كارم الفلسطينية عن غضبهم، وطلبوا أن ألتقي بهم ومن ثم رفضوا هذا اللقاء، لأن عين كارم كانت المصيف لمدينة القدس وكان المقادسة يمارسون فيها حياتهم الليليّة والسرية، وغضب أهالي المنطقة من كشف هذا الجانب، لكن هذا ما هو موثق وكان يجب أن أنقل أبطال الرواية إلى هناك ليعيشوا فيها.

في هذه الرواية لم أضع رقيبًا ذاتيًّا على نفسي أثناء الكتابة، كتبتُ كما يجب أن أكتب الرواية دون اعتبار لما سيحدث في المستقبل، ولكن حميت نفسي من خلال الوثائق.

كتابة الرواية التاريخية أمرٌ شائك وخطر، ومن السهولة أن يقع الكاتب في مأزق التكرار أو المغالطات التاريخية أو السرد الممل، ومع ذلك خُضتِ هذه التجربة، واخترتِ القصة المفضلة لدى الكتاب (فلسطين)، ماذا فعلتِ لتجنب الوقوع في هذه المآزق؟

كما قلت لكِ، في كتب التاريخ والروايات التاريخية جانب المرأة مُهمل إلى حد كبير، وكان بحثي عن الإنسان في مدينة القدس. لم أقصد الكتابة لا عن السياسة ولا عن التاريخ، ولربما المأزق الحقيقي لأي كاتب عند كتابة التاريخ أن يضع حدًا فاصلًا بين المؤلف والمؤرخ، وخلال الثلاث سنوات التي استغرقتها كتابة الراوية حاولت ألا أقع في فخ التاريخ؛ لأن هناك كثيرًا من المعلومات السرية التي لا تكتبها كتب التاريخ، وعندما تمَّ فتح الأرشيفين العثماني والبريطاني، وقعت على كثير من الوثائق والمذكرات التي تؤكد على أن التاريخ كُتب لصالح الحاكم، وفي الرواية أردتُ أن أكتب التاريخ الروائي الذي لا نجده في الكتب التاريخية، ومن هنا جاءت قيمة الرواية عند الذين قرأوها وأحبوها. صحيح أنها تتحدث عن فترة تاريخية معينة، لكنها تتحدث عن الناس، والكتابة عن الناس في زمن التحولّات لا يمكن أن تكون بعيدة عن السياسة، ولكن حاولت أن تكون السياسة مجرد فاصل في الرواية، وأخذت مني وقتًا طويلًا لأجد طريقة أستفيد فيها من التاريخ والمكان، ووجدت أن أفضل طريقة هي أن أقدم الرواية على شكل فيلم سينمائي، لأن الفيلم السينمائي يعطيني فرصة لأحضر مؤرخًا يتكلم بالتاريخ.

بمعنى أنك استفدتِ من التاريخ لخدمة الحكاية وليس العكس؟

نعم صحيح، هذا هو التعبير الصحيح لما حاولت أن أفعله؛ أن يكون هناك تشويق في الأحداث ومبرر لسرد التاريخ فيها. الرواية كانت تتحدث عن علاقة أحزان النساء وحكاياتهن.

هناك صراع دائم في الرواية، بين شخصية الخوري المتدينة وحالة الشك التي يعيش فيها. حالة صراع بين كل ما هو روحاني وديني وما هو عاطفي ومادي. ألا تجدين ذلك يتعارض مع ما تحاول الأديان تكريسه، وكيف استعطت تفسير ذلك الصراع؟

هذا الصراع موجود لدى كل إنسان، بدليل ما نقرأه لدى رجال الدين، أي دين. ولكن محاولة رجال الدين للحفاظ على سمعة الكنيسة تدفعهم لإخفاء هذا الصراع بين ما هو ديني وروحاني وبين ما هو عاطفي ومادي، وفي الرواية يظهر هذا عند رغبة الكاهن بالزواج من الأرملة، ومحاولة رأس الكنيسة إقناعه أن يتزوجها بالسر حتى لا تتأثر سمعة الكنيسة. من هنا بدأت حالة الشك لدى الكاهن ورغبته في خلع ثياب الكهنوت.

أشرتِ إلى أنك مزجتِ الخيال بالواقع في الرواية، أين كان الحد الفاصل بينهما، دون أن تتغولي على التاريخ ومع الحفاظ على متعة القص الروائي في الوقت نفسه؟

كانت هذه واحدة من الإشكاليات بالنسبة لي، كما قلتُ لكِ أن إغواء التاريخ إغواء جميل خصوصًا مع وجود الكثير من المسكوت عنه في كتب التاريخ، لكن حاولت أن أوظف الأسماء التاريخية والشخصيات الحقيقية الواردة في الرواية والتي كان لها دور في رسم المنطقة، وفي آخر الراوية وضعت هوامش عند هذه الأسماء حتى يُميز القارئ بين ما هو خيالي وما هو واقعي، أما الشخصيات الرئيسية في الرواية فهي شخصيات خيالية ولكنها استندت على وقائع.

هذه هي روايتك التاسعة، وأجمع عدد من النقاد على أنها تنتقل إلى مرحلة أخرى في مسيرتك الأدبية، كيف تنظرين الى هذه الرواية، وما الاختلاف فيها؟

أرى أن هذه الرواية إذا لم تصل إلى القائمة القصيرة فسيكون خطأً كبيرًا

اعتقد أنني حاولت في كل رواية أن أقدّم ما هو جديد لقناعتي الشخصية أنني إذا لم أقل شيئًا جديدًا فلن أكتب. حاولت أن أوظف خبرتي في العمل التلفزيوني وخبرتي في الكتابة من أجل إيجاد أسلوب جديد في الكتابة. لستُ بمنافسة مع أي شخص آخر، أنا أنافس نفسي فقط.

هل تفكرين بتحويل الرواية إلى عمل درامي تلفزيوني أو سينمائي؟

بالطبع هذا حلم كل كاتب، ولكن إنتاج فيلم أو مسلسل لهذه الرواية يحتاج إلى إنتاج ضخم، ولا أعلم من هي الجهة التي تُريد أن تُظهر هذه الفترة الزمنية من القدس، ومن لديه الاستعداد لانتاج الرواية والتركيز على تفاصيلها الشاملة، دون الانحياز إلى جانب دون آخر.

ترشحت روايتك للقائمة الطويلة للبوكر، وما زلنا بانتظار القائمة القصيرة ومن ثم إعلان النتائج، فهل تتوقعين الوصول إلى القائمة القصيرة؟

أحاول ألا أتفاءل وألا أتشاءم. البوكر، ومعظم الجوائز، يثور حولها لغط وشبهات حول الحسابات. أنا لا أعرف اللجنة، ولا أعرف ما هي معايير الفوز؛ إذا كان المعيار هو الأدب فأنا متفائلة جدًا، فالرواية كما كُتب عنها وقال عنها معظم النقاد؛ رواية مختلفة.

برأيك ما هي المعايير التي يتم على إثرها اختيار الأعمال المرشحة لجائزة البوكر، وهل تعتقدين أن السياسة والمنطقة الجغرافية لهما دور في الاختيار؟

أُثير في السنوات الماضية أن هناك شللية ومحسوبيات في اختيار الجوائز، وهناك محاصصة جغرافية وحسابات سياسية. ما نسمعه يجعلني أحيانًا متشائمة. قد تظهر مفاجآت كما رأينا في السنوات السابقة، وهذا ما يجعلني متفائلة. ولكنني أرى أن هذه الرواية إذا لم تصل إلى القائمة القصيرة فسيكون خطأً كبيرًا، لأنها تستحق بكل المعايير والمقاييس. أنا شخص متواضع لكن في هذا الموضوع لن أكون متواضعة.

ماذا تعني لك جائزة البوكر؟

البوكر هي الأشهر بين الجوائز، رغم أنها ليست الجائزة الأعلى ماديًا. الحصول عليها سيقدمني إلى جمهور آخر من القراء ممن لم يقرأوا لي ربما. حلمي أن يقرأني كل شخص عربي، وأن يُشار إليّ. برأيي هذا أهم من الترجمة، على أهمية الترجمة.