النسويّة في أغاني زياد الرحباني

الثلاثاء 01 آذار 2016

بقلم شيرين عبده

برغم كل ما قيل سواءً على لسانه أو على ألسنة الآخرين من كونه ضد المرأة أو أنه يعتبرها كائنًا ذا غباء رحيم، إلا أنه وعند التعامل الشخصي مع زياد الرحباني نرى بأنه يقدّر المرأة بشكل حقيقيّ، ونلمس عنده خوفًا دائمًا من جرح المرأة أو ايذائها. وشخصيًا، لطالما رأيت في زياد الرحباني نسويًّا منتصرًا للمرأة وحقوقها، رأيت هذا في تبجيله لأمه الست فيروز رغم الخلافات التي وقعت بينهما، وفي أغنياته التي كتب كلماتها وألحانها، والتي تقمص فيها طرف المرأة في العلاقات العاطفية ودافع فيها عن حقها الإنساني ضد التابوهات المجتمعية التي فرضت بالتوارث، فاستنكرها زياد وكاشف الجمهور بالحقائق وألقاها في وجوههم.
تميّز زياد في هذا التقمص بالنفاذ إلى أعماق ونفسية المرأة، وكأن من كتب هذه الكلمات هي المرأة العربية نفسها. وربما يعود هذا إلى معايشته لعلاقة بحجم وتعقيد العلاقة بين فيروز وعاصي وكذلك بسبب رهافة إحساسه وعمق إدراكه واحترامه للمرأة بمختلف الأدوار التي تلعبها في حياة أي انسان.
في هذه القائمة مجموعة أغانٍ توضح نسويّة زياد رحباني:

ضاق خلقي، فيروز

في ضاق خلقي، يتقمص زياد شخصية المرأة المرتبطة بالرجل العربي المرتاب الذي يستحوذ على وجود المرأة ومساحتها بالكامل، مسببًا التوتر في العلاقة طوال الوقت، وكيف يمكن أن يكون هذا الحب سياجًا يطوّق روح المرأة ويخنقها. أما عن استسهال لوم المرأة على كل ما يحدث من أغلاط في العلاقة فحدّث ولا حرج، وهو ما يستنكره زياد قائلًا: «ضاق خلقي يا صبي لأ مش كلّو بسببي».

اشتقتلك، فيروز

في اشتقتلك يكسر زياد تابوه الخجل الواجب على المرأة، والذي يفترض أن يدفعها إلى عدم الاعتراف بمشاعرها أو اشتياقها للرجل، فتكشف فيروز بصراحة دواخل نفسها وترددها في الكشف عن هذا الاشتياق حتى تنتهى للبوح به أخيرًا، رغم انتهاء العلاقة بين الطرفين «اشتقتلّك، اشتقتلّي؟ بعرف مش رح بتقلّي، طيّب أنا عم قلّك اشتقتلّك».

لا والله، فيروز

في «لا والله»، بلحنها المقتبس من ليبر وشتولر، يكتب زياد كلماته في مكاشفة للكيان الذكورى العربي بأكثر عيوبه فجاجة «أو دوّر على غيري بتفهم إذا رح تبقى هيك، يكون بيحكي بسرعة قدك ما يسمع عليك». نموذج الرجل الذي يسابق الزمن لإثبات خطأ المرأة بكلامه المتلاحق. نموذج الرجل الزاعم امتلاكه للحقيقة النهائية: «ومأكد دايمًا من كل شي وما في شي أكيد» ليختمها بحكمة واقعية للغاية هي «هي كلمة يا ريت، عمرها ما عمّرت بيت».

مش فارقة معاي، فيروز

في مش فارقة معاي تتكلم المرأة القوية المستغنية عن اهتمام الرجل بعدما تشبعت بكل أنانيته وأفعاله فلم تعد تعبأ «حبّك أناني بالتأكيد ومفكّر إنّك إنتا وحيد .. وعنيد..على شو مسنود .. على شي مش موجود، عم تغلط و تزوّد علي..تمرق ما بتمرق مش فارقة معاي» وهنا على عكس المعهود لا تشتكي المرأة من الهجر أو تستعطف الرجل، بل هي التي تبادر إلى ترك العلاقة أو إبداء عدم الاكتراث.
حتى تصارحه بهذا الهجر في «تنذكر ما تنعاد» لعجزه عن إعطاء الحب الحقيقي وقدرته فقط على الكلام «شو هالحب اللي طالعلي فيه، شو هالقلب اللي بس نسمع فيه بتبلش حب وما بتكفيه» فتقرر هجره «تنذكر ما تنعاد ويصيروا الإشيا بعاد في غيرك ناس جداد في شي تاني».

ابن الحرام، لطيفة

كما لم يخجل زياد من استخدام أسلوب الهجوم المباشر والألفاظ اليومية غير المتوارية في تلقين الرجل دروسًا في العلاقات على لسان المرأة. يستمر تبني زياد لوجهة نظر المرأة هذه المرة على لسان لطيفة في مقابل الرجل المخادع ذي الكلام الحلو الذي لا يكف عن ترديده لأي امرأة يقابلها: «و استعدت الكلام… طلع غيره الكلام… مش هو الحرام…ابن الحرام! ميل ع وحدة صاحبتي و قالها شوية كلام من نفس الكلام».

أمّنلي بيت، لطيفة

في أمّنلي بيت، يعود زياد إلى صراحة المرأة في المكاشفة بالحب، تكاشف لطيفة حبيبها المفترض برغبتها في أن يوفر لها بيتا يجعل قلبها مستقرًا، لتعيش معه بدلًا من تعلق موقفهما في الوسط «معقولة يظل قلبي معلق بالمناطق، والأيام تمر وشارع منو رايق، موضوعي باقي عالق عالق، مشتاقة شوفك».
و بهذا ينتصر زياد للمرأة ويحقق مخاوف المجتمع المتعارف عليها من كسر هذه الحواجز.

ما منيحة الرسالة، سلمى مصفى
الشكل الأكثر تمردًا، كلامًا وموسيقى، حتى على شكل الحب ذاته يظهر في هذه الأغنية، حيث تستنكر المرأة شكل الحب المغرق في الرومانسية الذي يناسب عصورًا سابقة، ولا يناسبها على أي مستوى ولا تشعر فيه باتزان الطرف الآخر «ما منيحة الرسالة، ولا الحب الخيالي. خليني بحياتي كون، يا عاشقة شخص موزون، يا رايقة لحالي. مفهومة الرسالة، وبتفوق احتمالي. مش ليلى أنا تا تكون، مجنون مش ناقصني جنون، خليني بحالي. هيك بس!».


والشكل الأكثر مصارحة للرجل بعيوبه في «ولعت كتير»، أو بمعنى أصح بعيوب المعيشة اليومية معه والنزول من الرومانسية المطلقة وقصة الحب إلى التفاصيل اليومية التي تسبب وصول المرأة إلى الشعور باليأس من إمكانية العيش معه، تفاصيل من قبيل المياه التي لا تنزل من الصنبور والبيت غير النظيف، والأهم افتراض الرجل أن هذه المهام توكل إلى المرأة فقط، لتلقي بالأحمال كاملة على الرجل متبادلة معاه دور اللائم على مهام لا تختص بها وحدها.