جبل اللويبدة: اضطراب عمّاني متوقع

الإثنين 28 كانون الأول 2015
اللويبدة

أنهي عملي في الخامسة والنصف مساء واتجه مباشرة إلى جبل اللويبدة. هكذا اعتدت منذ سنوات. اشتدت علاقتي بالجبل في أواخر عام 2010، بعد أن تحول شارع الرينبو، خلال سنة واحدة، من شارع هادئ إلى شارع مليء بالضجيج  والمطاعم والمقاهي السياحية، واحتلت كافيهات الأراجيل الصدارة، خصوصًا مقاهي «تفضل يا باشا» التي لا أطيقها أبدًا.

انتقلت إلى اللويبدة فجأة؛ اللويبدة التي لم أكن أتسكع فيها من قبل سوى لزيارة دور العرض الفنية، وخصوصًا دارة الفنون ومساحة مكان، ومطعم الخال الذي كنت أزوره للإفطار. لكن بعد ما حل بالرينبو من دمار (حسب معاييري)، اتجهت إلى اللويبدة، خصوصًا أن بعض الأصدقاء يقطنون هناك، وبذا أصبحت مركز تواجدي الدائم.

أحب اللويبدة لطابعها الهادئ، رغم محبتي لضجيج المدن. أصبحنا نتواجد هناك بشكل شبه دائم قبل أن يحدث أي تغيير. ربما كان التغيير الوحيد الذي حصل فيها منذ عام 2010 هو تواجدنا نحن هناك، ليس فقط أصدقائي المقربين، بل الدائرة الموسعة من الأصدقاء والمعارف الذين يتشاركون نفس الاهتمامات الثقافية والفنية، كتاب وموسيقيون وفنانون شباب من جيلي ترك معظمهم جبل عمّان بحثًا عن الهدوء وهربًا من الزحف السياحي.

كان مقهى «ركوة عرب» أول من جلب الأراجيل إلى الجبل، ولم أكن من رواده، إذ اعتبرت أنا وغيري جوّه «الثقافي» فذلكة تجارية. فتح «كيبي» الأهدأ أبوابه على الدوار أسفل محلات ضراغمة، ثم كثرت المحلات: كافيه جرافيتي وفولكس برجر في شارع الباعونية، ولاحقًا مقهى رومي الهادئ في شارع الشريعة مقابل حلويات فيروز. اعتدت الجلوس لتناول قهوتي على كراسي رومي على الرصيف منذ افتتاحه، وأصبح مكاني المفضل.

مع هذه التغييرات، بقي المكان هادئًا بالنسبة لنا على الأقل، في النقاط الرئيسية في الجبل. أينما ذهبت في شوارع الجبل الرئيسية، أجد وجوهًا أعرفها. أذكر أيضًا عندما احتلت عناصر المخابرات اللويبدة بعد هبة تشرين.  بدا وكأنهم انتشروا في كل بقعة من الجبل نظرًا لتواجد العديد من النشطاء السياسيين الشباب في الجبل وقتها. «سقطت اللويبدة!» قلنا وقتها مزاحًا، لكنها فعليًا بالنسبة لنا سقطت بعد ذلك بفترة مع بداية الزحام.

اعتاد الفنانون والكتاب السكن في المنطقة لهدوئها ورخص الإيجارات فيها. لكن بعد قدوم الطلاب الأجانب وموظفي السفارات والهيئات الأجنبية بعد هربهم من مصر وسوريا مع قدوم اللاجئين، ارتفعت الايجارات بشكل كارثي. الشقة التي كانت تؤجر مثلًا بـ150 دينار تضاعف إيجارها وأكثر. بعض الشقق المفروشة وصل إيجارها إلى أكثر من 500 دينار شهريًا. فالمنظمات الأجنبية تعطي موظفيها سقفًا عاليًا للإيجار مقارنة بمداخيل المواطنين. إن كان سقف الإيجار المغطى من قبل الشركة ألف يورو مثلًا، فلا مشكلة بالنسبة للموظف الأوروبي في دفع 600 دينار شهريًا لشقة مفروشة في منطقة هادئة وجميلة وبعيدة عن الإزعاج.

استغل أصحاب العقارات الموضوع أيضًا، ففتحت البيوت المغلقة وأخلي بعض السكان القدامى، وأصبح المُلاك يفضلون تأجير الشقق مفروشة للأجانب. حتى إعلانات الإيجارات أصبحت باللغة الإنجليزية فقط، فالمستأجرون الأجانب «أنظف وأهدأ وما بغلبوش بالدفع». أصدقائي الذين اضطروا لإخلاء شققهم في اللويبدة لأسباب شخصية أو تحت رغبة المالك، عانوا في إيجاد بيوت أخرى بنفس مستوى الإيجار. العثور على شقة فارغة حتى بـ250 دينار أصبح شبه مستحيل.

استغل أصحاب العقارات الموضوع، ففتحت البيوت المغلقة وأخلي بعض السكان القدامى، وأصبح المُلاك يفضلون تأجير الشقق مفروشة للأجانب.

والآن، أصبح سكان عمان الغربية يرغبون في الانتقال إلى اللويبدة أيضًا، مستعدين لدفع مبالغ كبيرة. المقاهي زادت وكذلك المطاعم، وأصبح شارع الشريعة مزدحمًا طيلة الوقت عدا الفترة الصباحية. رؤوس الأموال، أو الطيور الجارحة كما أسميهم، يبحثون عن فرصهم الآن بطبيعة الحال. لكن الجيد أن سكان المنطقة، حتى الجدد منهم، يرفضون المشاريع الدخيلة على «جو» اللويبدة، ولا يمانعون بمكان يحابي هدوء المنطقة. والمجال الوحيد للغزو التجاري يبقى في شارعي الشريعة والباعونية وتفرعاتهما القليلة.

قبل بضعة أشهر، وُجهت دعوة مفتوحة لسكان عمان للتجول في اللويبدة يوم خميس لاكتشافها مع مرافقها الثقافية والفنية ودعم الأعمال الصغيرة هناك. طبعًا بالنسبة لسكانها كان الوضع كارثيًا تمامًا. امتلأت شوارع اللويبدة الرئيسية تمامًا بالشباب والعائلات والأطفال. أذكر مجموعة طلاب أحدهم يحمل جيتارًا والآخر دفًا وهم يمشون في كرنفال مصغر ويغنون بالإنجليزية Don’t Worry, Be Happy. بدا الأمر بالنسبة لي ساذجًا جدًا. أنا الجديد القادم منذ بضعة سنوات رفضت تواجد الآخرين. هو نوع من الأنانية، أو آلية دفاعية في وجه من يريد اقتحام فقاعتي. لكنني أدرك أن عمان صغيرة وتتغير بسرعة، وليست هناك أماكن كثيرة بهذا الطابع. مرت بهذا التغير الشميساني والصويفية وعبدون ومن ثم جبل عمان، والآن جبل اللويبدة. هل هذا النوع من المكياج مفيد وليس بالسوء الذي أتخيله؟

خطر ببالي أن أسأل الأستاذ تيسير الخطيب، صاحب محل «عتيق» في شارع الباعونية. رحب بي بحرارة كعادته وأخبرته أنني أريد أن أسأله بعض الأسئلة عن جبل اللويبدة، فجهز إبريق الشاي وتحدثنا مطولًا. كان الأستاذ تيسير قد سكن الجبل منذ حزيران عام 1971، ودرّس التربية الإسلامية في مدرسة تراسنطة حتى تقاعده وتفرغه لمتجره وهوايته في شراء وبيع الأنتيكات. حدثني عن بدايات الجبل، وكيف كان يسمى «بستان طاش»، نسبة للعائلة الشركسية التي سكنته منذ الثلاثينيات، في بيتهم الذي لا يزال موجودًا خلف تراسنطة. سكنت الجبل العديد من العائلات المعروفة منذ البداية، سواء اجتماعيًا أو اقتصاديًا أو سياسيًا، مثل عائلة الكسيح، وعائلة الجوهري. أمين عمان الحالي عقل بلتاجي ممن سكنوا الجبل أيضًا، وكذلك مروان دودين وسمير الرفاعي وغيرهم، بالإضافة إلى تواجد السفارات.

رسم لي تيسير من ذاكرته صورة عن المكان قديمًا: تيسير ظبيان أسس دار العلوم الإسلامية (التي أصبحت فيما بعد كلية الشريعة). بنى مسجد الشريعة رجل أمي من مدينة الخليل. المركز الثقافي الفرنسي ومكتبة الجامعة أسفله التي ملكتهما عائلة قطب، ومسرح المشيني، ثم رابطة الكتاب في بيت عائلة تفاحة، قبل انتقالها إلى فيلا في الشميساني وعودتها للجبل لاحقًا.  

يذكر تيسير أن الفنانين والمثقفين موجودون هنا لأنهم بطبيعتهم يبحثون عن مكان هادئ، ولم يكن غياب المقاهي مهمًا وقتها لأن وسط البلد القريب كان مركز الحياة. يذكر أيضًا أن وزير السياحة الأسبق زهير العجلوني حاول أن يغلق شارع الشريعة على السيارات لإقامة فعاليات موسيقية، لكن اعتراض بعض السكان حال دون تكرار مثل هذه الفعاليات.

بقي الهدوء على ما هو عليه حتى لاحظ التغير قبل خمسة سنوات، وافتتاح أول المقاهي. كما يقول: «كافيهات بدون ضوابط، أزمة سير خانقة، كثرة الأجانب الذين بطبيعتهم يبحثون عن الهدوء والأمن، الشباب بطلت تتكلم عربي. والتاجر في النهاية يبحث عن الدخل، ينظر إلى الموضوع ماديًا (..) أنا سمعت عن كثير من الكافيهات إنه جماعتهم مثقفين وواعيين وبيحاولوا يدمجوا بين البزنس والثقافة [لكن] هناك تناقض». أخبرته أنني أيضًا جديد على اللويبدة، وحتى أنا و«جماعتي» الجديدة لاحظنا التغيرات الإضافية في آخر سنة تحديدًا.

خرجت من عنده وأنا أفكر بما قاله. المشكلة تمتد لتشمل عوامل اجتماعية واقتصادية أيضًا. فثقافة المكان تغيرت ما بين جيلين، وحتى طريقة التعبير عن هذه الثقافة تغيرت.

أذكر انني جلست مع صديقين في مقهى فن وشاي، أحد المقاهي الجديدة في شارع الشريعة، نحتسي شايًا وقهوة غاليي الثمن نسبيًا لنناقش إمكانية عمل مشروع أو ندوة عن الـGentrification في اللويبدة. كان الأمر مضحكًا بالنسبة لنا إن كنا فعلًا جزءًا من المشكلة. «الجنتريفيكيشن» (التي لا يوجد مرادف ملائم بالعربية لها) تعني احتلال طبقة لحيز طبقة أدنى منها، في مناطق تشهد تغيرًا حضريًا وثقافيًا يجلب معه زيادة في الدخل بالنسبة للسكان الجدد وارتفاعًا لأسعار العقارات بالنسبة للسكان القدامى، مما يضطرهم للمغادرة لعدم تحمل كلفة المنطقة الجديدة.

أوضح الأمثلة على ذلك ما حصل في أحياء مدن عالمية، مثل بروكلين والحي السفلي في مانهاتن في نيويورك، وشرق لندن. منطقة رخيصة يسكنها العمّال والفقراء والفنانون المتواضعون، تصبح فجأة منطقة مرغوبة من قبل الطبقة الوسطى أو البرجوازية، ممن يعملون في الفن والمجالات الابتكارية الأخرى، وتظهر فجأة المقاهي الراقية والمخابز والمطاعم «الجورميه»، وبالتالي ترتفع الإيجارات ويضطر بعض من كان يسكن للرحيل لعدم قدرته عن الدفع.

كل هذه الملامح نراها الآن في اللويبدة. لكن المسألة ليست بهذه البساطة، إذا ما أخذنا في عين الاعتبار سكان الجبل الأوائل من الأثرياء وميسوري الحال. هي منطقة راقية بلا شك، بيوتها وشوارعها وأشجارها تعكس ذلك. لكن مع اندثار الطبقة الوسطى تدريجيًا، وانتقال العائلات الميسورة إلى غرب عمان، شهدت المنطقة تحولات اجتماعية واقتصادية أيضًا، والأمر يحتاج إلى دراسة أعمق.

في كل مرة أدخل فيها شارع الشريعة بعد صعودي شارع الباعونية من العبدلي، أشعر بالراحة. لا أستطيع تفسير ذلك، هو شعور شخصي لا أكثر، ربما الأمر تعود وألفة. لا أقتني سيارة وأتنقل في تاكسي معظم الوقت. في كثير من الأحيان، يخبرني سائق التاكسي الذي يقلني بعد أن أخبره أنني ذاهب إلى اللويبدة أنه يشعر بالراحة كلما يذهب هناك. «الناس هادية وراقية وفي حالها». أخبرني مرة سائق أيضًا قدم من فلسطين للعمل هنا قبل بضعة سنوات أنه يذهب إلى اللويبدة بعد انتهاء عمله «ليروق»: «أشعر أنني في بيت لحم هنا، طبيعة المباني والشوارع متشابهة».

أحلم دومًا بمدن أخرى تنقصني طريقة حياتها هنا، كالقاهرة وبيروت. لكن بعد فترة، استطعت التصالح مع عمّان. في جبل اللويبدة، «فقاعتي»، أستطيع ممارسة روتيني كما أريد. من السهل أن أشعر بالهدوء وأنا أشرب قهوتي على رصيف مقهى رومي، أو في ليلة شتوية يبدو فيها شارع الشريعة شبه فارغ وأنا عائد من سهرة ما. أتخيل شيئًا من الحرية، كرجل في مجتمع ذكوري متصارع اقتصاديًا يصرف على نفسه وقادر أيضًا على تحمل التكلفة. عندما أبحث عن نوستالجيا عمّانية متخيلة لأتعلق بها، أذكر نفسي دائمًا أن عمّان مدينة تتغير بسرعة ولا تزال تحاول اكتشاف ذاتها،  فلماذا أحاول تثبيت مدينة جديدة في الزمن؟