العلاقات التركية-الإسرائيلية بعد المجزرة: عشر سنوات على أسطول الحرية

الثلاثاء 30 حزيران 2020
سفينة مافي مرمرة أسطول الحرية
سفينة مافي مرمرة في أبريل 2010. المصدر: موقع هيئة الإغاثة الإنسانية IHH.

شكًّل الاعتداء الذي نفذه جيش الاحتلال الإسرائيلي فجر يوم 31 أيّار 2010 على سفينة مافي مرمرة (Mavi Marmara/ مرمرة الزرقاء) كبرى سفن أسطول الحرية، نقطة تحول بارزة لم تنحصر تبعاتها على القضية الفلسطينية فقط بل امتدت لتؤثر بشكل واضح على خريطة العلاقات الإقليمية أيضًا. كان هدف الأسطول الذي قاده نشطاء ومتضامنون مع القضية الفلسطينية من جنسيات مختلفة، وأغلبهم أتراك، إيصال حوالي ستة آلاف طن من المواد الإغاثية والمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وكسر الحصار الخانق الذي تفرضه سلطات الاحتلال الإسرائيلي على القطاع منذ عام 2007.

انطلقت سفن أسطول الحرية من عدة موانئ في البحر الأبيض المتوسط، بمبادرة من عدة مؤسسات وحملات دولية كان في مقدمتها هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (İHH) وحركة «غزة الحرة». وتجمعت ست سفن ترفع أعلام دول مختلفة قبالة سواحل قبرص، لتتوجه معًا نحو قطاع غزة في تاريخ 30 أيّار 2010. وضم الأسطول قرابة 750 ناشطًا من 37 دولة مختلفة شكل النشطاء الأتراك نصفهم بقرابة 380 ناشطًا، كما ضم الأسطول 15 برلمانيًا من دول مختلفة والعديد من الفنانين والأكاديميين والكُتّاب وما يزيد عن 60 صحفيًا ومراسلًا من حول العالم.

قبل انطلاق الأسطول أصدر الاحتلال العديد من التهديدات. وخلال رحلة الأسطول نحو غزّة أطلق جيش الاحتلال الإسرائيلي عملية «نسيم البحر»، التي اعترضت من خلالها قواته الخاصة سفن أسطول الحرية في عرض المياه الدولية على بعد 73 ميلًا من شواطئ غزة، مستخدمةً قنابل الصوت والغاز والرصاص الحي،[1] مخلفة 10 شهداء أتراك (أعدم بعضهم من مسافات قريبة جدًا) إضافة إلى عشرات الجرحى من مختلف الجنسيات. وتم اقتياد السفن إلى ميناء مدينة إسدود المحتلّة، والتحقيق مع النشطاء، وسجنهم، قبل ترحيلهم لاحقًا.

شكل هذا الاعتداء صدمة كبيرة للعديد من دول المنطقة والعالم، لا سيما تركيا، التي اعتبرت هذا الاعتداء بمثابة «إرهاب دولة».

شكل هذا الاعتداء صدمة كبيرة للعديد من دول المنطقة والعالم، لا سيما تركيا، التي استشهد العديد من مواطنيها، حيث اعتبرت القيادة السياسية ممثلة بأردوغان -رئيس الوزراء آنذاك- هذا الاعتداء بمثابة «إرهاب دولة» وتصاعدت في مختلف أنحاء تركيا الاحتجاجات الشعبية.

لم يكن هذا الاعتداء أول الأزمات التي واجهت العلاقات التركية الإسرائيلية في الفترة الأولى من حكم حزب العدالة والتنمية، إذ إن العلاقات بين الطرفين دخلت سلسلة منحنيات متسارعة من التقارب والتباعد منذ عام 2002، في ظل التغيرات المتلاحقة في المنطقة، بيد أن الطرفين حرصا على خلق حالة توازن تحفظ لكل منهما خط رجعة ما، لكن وتيرة الأزمات وكثافتها بدأت بالتزايد بشكل كبير بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2008- 2009، لتصل العلاقات ذروة التوتر على المستويات السياسية والدبلوماسية مع الاعتداء على أسطول الحرية 2010.

الطريق إلى أزمة سفينة مافي مرمرة

شهدت فترة التسعينيات وصول العلاقات التركية الإسرائيلية إلى ذروة ازدهارها على مختلف الأصعدة، إذ تم توقيع اتفاقية تعاون عسكري واتفاقية تجارة حرة بين الطرفين عام 1996، بهدف تعزيز العلاقات التجارية والعسكرية، خاصةً في ظلّ التعاون المكثف بين الطرفين في ملفات محلية وإقليمية مختلفة، مثل الأزمة مع سوريا والحرب على حزب العمال الكردستاني.

أما في الداخل التركي، فقد شهدت هذه المرحلة كذلك تصاعد العديد من القلاقل والاضطرابات السياسية، كان على رأسها عدم استقرار الحكومات الائتلافية، وانقلاب 28 شباط 1997 ضد مشاركة نجم الدين أربكان وحزب الرفاه الإسلامي في الحكومة الائتلافية. حيث سعى الجيش والبيروقراطية الكمالية إلى حماية هوية الدولة العلمانية ووحدتها، من خلال استهداف من وصفوهم «بالرجعيين» و«الانفصاليين» في إشارة إلى الإسلاميين والحركات الكردية. وقد حظي هذا الانقلاب بشكل أساسي بدعم «إسرائيل» واللوبي الصهيوني في أمريكا.

ساهمت هذه القضايا، وكذلك الأزمة الاقتصادية الخانقة عام 2001، بالإضافة إلى الأزمات الخارجية، خاصة التوترات العسكرية مع سوريا واليونان، في تمهيد الطريق أمام اكتساح حزب العدالة والتنمية في انتخابات عام 2002. لكن فوز العدالة والتنمية الساحق في انتخابات 2002 والذي مكنه من تشكيل الحكومة منفردًا وإنهاء عصر الحكومات الائتلافية لم يكن كافيًا لمنحه الشرعية المطلوبة داخليًا وخارجيًا، إذ إن الحزب المنبثق/المنشق عن حزب الفضيلة وتيار الرؤية الوطنية الإسلامي، ورغم رفضه القاطع لتوصيفه بالإسلامي، وتأكيده على كونه حزبًا «محافظًا ديمقراطيًا»، ظل محل شك في عيون العديد من طبقات المجتمع التركي ومختلف الأطراف الدولية.

تبنى حزب العدالة والتنمية في فترة حكمه الأولى سياسة بناء شرعيته الداخلية والخارجية، من خلال الالتزام الجاد بالتوجه التقليدي للدولة التركية في السعي لدخول الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تبني سياسة «صفر مشاكل» في محاولة لتحسين العلاقات السياسية المعقدة تاريخيًا مع دول الجوار، والدفع بعجلة التنمية الاقتصادية والتجارية إقليميًا. وفي إطار جهودها لتحويل تركيا إلى دولة مركزية في المنطقة، سعت القيادة السياسية الجديدة في تركيا، والتي عملت على موازنة الانفتاح التقليدي التركي نحو الغرب بانفتاح شبيه على دول المنطقة، إلى تقديم نفسها بوصفها الوسيط الذي يمتلك علاقات جيدة من كافة الأطراف ويقف على مسافة واحدة منهم لحل مختلف القضايا العالقة في المنطقة، وبينها الصراع العربي-الإسرائيلي.

وفي هذا الملف حاولت القيادة التركية الحفاظ على مسافة واحدة من كلا الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في محاولة لتعزيز علاقاتها بالجانبين، في إطار تدعيم دورها كوسيط إقليمي، وكان من أبرز أمثلة ذلك زيارة أردوغان الشهيرة إلى «إسرائيل» عام 2005، والتي جاءت لتحسين العلاقات بعد توترها بسبب انتقاد تركيا لسياسات «إسرائيل» خلال الانتفاضة الثانية، إضافة إلى الدعم التركي للسلطة الفلسطينية في العديد من المشاريع، التي كان أبرزها توقيع اتفاقية مع السلطة الفلسطينية عام 2006 لإقامة مشروع منطقة صناعية حرة عند معبر إيرز في قطاع غزة. كما دعت تركيا عام 2007 الرئيس الفلسطيني محمود عباس والرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس للحديث أمام البرلمان التركي بفارق يوم بينهما، ثم رتبت لقاءً بينهما في العاصمة أنقرة في إطار تعزيز دور الوسيط الذي تبنّته حينها.

وتحدثت العديد من التقارير عن تولي تركيا مهمة الوساطة بين الطرفين الإسرائيلي والسوري في مفاوضات غير مباشرة حول الجولان والسلام بين عامي 2008-2009، بيد أن هذا المسار توقف أيضًا إثر الانتقادات التركية للحرب الإسرائيلية على غزة في نفس الفترة، حيث صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في شهر تشرين الأول من عام 2009 بأن تركيا لا يمكن أن تكون وسيطًا محايدًا في المفاوضات مع سوريا.

أسطول الحريّة في مياه البسفور في إسطنبول، 2010. المصدر: mavimarmara.org

أما في السياق الفلسطيني الداخلي فلقد حافظت القيادة التركية على علاقة جيدة مع حركة حماس، حيث كانت تركيا من أوائل المرحبين بفوز الحركة بالانتخابات التشريعية عام 2006، رغم المقاطعة والرفض الدولي. كما رحبت الحكومة التركية بزيارة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس حينها خالد مشعل إلى تركيا في نفس العام واستقبلته استقبالًا رسميًا في العاصمة أنقرة.

مع العام 2008، بدأت سياسة الوساطة التركية في الشرق الأوسط بفقدان فعاليتها نتيجة تراجع العلاقات التركية الإسرائيلية، وهي السياسة التي اعتمدت على علاقات تركيا الجيدة مع «إسرائيل» ومع الدول العربية. هذا التراجع كانت نتيجة انتقاد القيادة السياسية التركية الشديد للحرب الإسرائيلية على غزة نهاية عام 2008 والغضب الشعبي في مختلف أنحاء تركيا على الوحشية العسكرية الإسرائيلية. ليردّ مسؤولو الاحتلال بانتقاد السياسات التركية تجاه الأرمن والأكراد وقبرص.

تصاعدت الأزمة سنة 2009 في مؤتمر دافوس، حيث انتقد أردوغان جرائم الاحتلال في حرب غزة، وترك المؤتمر بسبب مقاطعته، واعتراضًا على منحه 12 دقيقة فقط للحديث، في مقابل منح بيريس 25 دقيقة فيما عرف في تركيا بأزمة «One Minute».

هذه الأزمات وغيرها، لعبت دورًا محوريًا في زيادة التوتر رغم الجهود التي بذلتها الأجنحة الداخلية لمحاولة ترميم الضرر[2] بعد كل أزمة للحفاظ على العلاقات التاريخية والاستراتيجية بين الطرفين، لكن أزمة سفينة مافي مرمرة كانت القشة التي قصمت ظهر العلاقات التركية الإسرائيلية، إذ إن حجم الاعتداء والإهانة الإسرائيلية التي لم تخطر على بال أحد، خاصة تجاه تركيا، الحليف التاريخي لـ«إسرائيل»، وأول دولة اعترفت بها في المنطقة، سيتسبب بنتائج «لا يمكن إصلاحها» في العلاقات بين الطرفين على حد تعبير وزارة الخارجية التركية.

ما بعد أزمة سفينة مافي مرمرة

أثارت مجزرة أسطول الحرية غضبًا شعبيًا ورسميًا عارمًا في تركيا، التي قامت بسحب سفيرها من «إسرائيل»، إذ طالبت تركيا «إسرائيل» بتقديم اعتذار رسمي عن هذه الجريمة ودفع تعويضات لعائلات الضحايا ورفع الحصار عن قطاع غزة كشروط أساسية لإنهاء الأزمة المتصاعدة وعودة العلاقات. لكن أمام رفض «إسرائيل» للمطالب التركية والرفض والاستنكار التركي لنتائج تقرير بالمر الأممي الذي وصفته تركيا بالمنحاز، طردت تركيا السفير الإسرائيلي لديها في أيلول 2011 وقررت تخفيض التمثيل الدبلوماسي بين الطرفين إلى مستوى سكرتير ثانٍ (قائم بالأعمال) وتعليق كافة الاتفاقيات العسكرية الموقعة بين الطرفين.

شهدت سنوات الربيع العربي زيادة في كثافة التصريحات والمواقف الرسمية التركية الداعمة للقضية الفلسطينية، فاستقبلت تركيا القيادي في حماس إسماعيل هنية للحديث في الجلسة الأسبوعية لمجموعة حزب العدالة والتنمية البرلمانية مطلع عام 2012، كما انتقد العديد من المسؤولين الأتراك على رأسهم أردوغان ووزير الخارجية داوود أوغلو جرائم «إسرائيل» ضد الإنسانية ليصفوها بالدولة الإرهابية مجددًا، على إثر الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2012. وشارك وفد تركي رفيع بقيادة أوغلو ومشاركة بلال أردوغان نجل رئيس الوزراء حينها في زيارة رسمية قام بها الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي ومجموعة من وزراء الخارجية العرب إلى قطاع غزة خلال العدوان الإسرائيلي، زاروا خلالها مستشفى الشفاء، المستشفى المركزي في غزة، وبيت عزاء الشهيد أحمد الجعبري قائد كتائب القسام الذي اغتالته «إسرائيل» قبلها بأيام.

وفي آذار 2013 وبوساطة أمريكية خلال زيارة أوباما إلى «إسرائيل»، أجرى نتنياهو اتصالًا هاتفيًا مع أردوغان مقدمًا اعتذاره عن الهجوم على سفينة مرمرة، «والأخطاء» التي وقعت في ذلك اليوم، ليعلن أردوغان قبوله الاعتذار نيابة عن الشعب التركي، ولتبدأ بعد ذلك جولة من المفاوضات غير رسمية حول تطبيع العلاقات بين الطرفين في مدينة روما الإيطالية، تمخضت عن إعلان توقيع اتفاق لتطبيع العلاقات في حزيران عام 2016.

كان من بين أهم بنود هذا الاتفاق تعهد «إسرائيل» بتقديم تعويضات تقدر بعشرين مليون دولار لأقارب ضحايا سفينة مافي مرمرة، وتفعيل السفارات وتعيين سفراء بين الطرفين، وكذلك نصت هذه الاتفاقية على إعفاء المسؤولين والجنود الإسرائيليين من كافة القضايا القانونية في تركيا على خلفية مجزرة سفينة مافي مرمرة ليتم في شهر كانون الأول من نفس العام إسقاط القضية المرفوعة منذ سنوات ضد قيادات عسكرية إسرائيلية على خلفية المجزرة، وليتم تبادل السفراء بين الطرفين في نفس الشهر، حيث عاد التمثيل الدبلوماسي بينهما إلى ما كان عليه قبل أيلول 2011.

أما شرط رفع الحصار عن قطاع غزة الذي لطالما طالبت تركيا به كشرط أساسي لإنهاء الأزمة، لم يدرج ضمن نص الاتفاقية الموقعة. واتفق الطرفان على إيصال المساعدات الإنسانية التركية إلى قطاع غزة المحاصر من خلال ميناء مدينة إسدود المحتلة، الأمر الذي تم حينها وكان أحد الأسباب الرئيسة لانتقاد الاتفاق، إذ اعتبرت هذه الآلية قبولًا ضمنيًا بالحصار البحري الإسرائيلي الذي أكد نتنياهو في تصريح رسمي حينها بأنه سيستمر.

قوبلت هذه الاتفاقية داخليًا بانتقادات عديدة من قبل مؤسسات المجتمع المدني، خاصة هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (İHH)، إحدى الهيئات المنظمة لأسطول الحرية. حيث انتقد رئيس الهيئة بولنت يلدرم الاتفاقية بالقول: «نحن مندهشون، الحصار لم يرفع ونعتقد أن «إسرائيل» هي الرابحة [من الاتفاق]». كما انتقد محامو قضية مافي مرمرة وآخرون هذه الاتفاقية وطالبوا بإلغائها ومحاسبة المسؤولين الإسرائيليين ليرد أردوغان عليهم بمقولة أصبحت واحدة من أهم دعائم المعارضة في انتقاد سياساته في هذا الملف: «هل استشرتم رئيس وزراء تلك الفترة [قاصدًا نفسه] وأنتم تذهبون إلى هناك؟»، مؤكدًا على أن هذه الاتفاقية جاءت بعد «تلبية» مطالب تركيا ولتحقيق مصالح الطرفين.

ساهم تعليق تركيا الاتفاقيات والصفقات العسكرية مع «إسرائيل» على إثر أزمة سفينة مافي مرمرة في تقليل اعتمادها على «إسرائيل» وزيادة استقلالها العسكري في مختلف مجالات الصناعات العسكرية.

رغم تطبيعها، ظلّت العلاقات التركية الإسرائيلية باردة، وظلت القضية الفلسطينية عامل تفجير لهذه العلاقات على المستويين الشعبي والرسمي. إذ وقبل مرور سنتين على توقيع هذه الاتفاقية وفي خضم التوتر الذي تسبب به قرار الولايات المتحدة بالاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لـ«إسرائيل» عام 2018، ردت تركيا بالإعلان عن استدعاء سفرائها في واشنطن وتل أبيب احتجاجًا على هذا القرار، كما أعلنت الحداد الرسمي ثلاثة أيام، وطالبت السفير الإسرائيلي في أنقرة بمغادرة البلاد لفترة مؤقتة لم تحددها (ولم يعد حتى الآن)، على خلفية جرائم جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد المتظاهرين الفلسطينيين في مسيرات العودة في غزة، لترد «إسرائيل» على الإجراءات التركية بطرد القنصل التركي من القدس المحتلة والذي يُعرف بكونه المسؤول عن العلاقات التركية مع الفلسطينيين.

ساهم تعليق تركيا الاتفاقيات والصفقات العسكرية مع «إسرائيل» على إثر أزمة سفينة مافي مرمرة في تقليل اعتمادها على «إسرائيل» وزيادة استقلالها العسكري في مختلف مجالات الصناعات العسكرية، خاصة في مجال صناعة وتطوير الطائرات المسيّرة. منذ العام 2005 حاولت تركيا تلبية احتياجاتها من الطائرات المسيرة من خلال بدء مفاوضات لشراء طائرات هيرون الإسرائيلية، خاصة في ظل الرفض الأمريكي لمشاركة هذه التكنولوجيا مع تركيا، بيد أن تأخر التسليم الإسرائيلي المفترض بعد مفاوضات طويلة واضطرار تركيا لاستئجار طائرات هيرون أخرى اشترطت «إسرائيل» أن يتم تشغيلها من خلال طيارين إسرائيليين فقط دون تعليم الطيارين الأتراك، ساهم في زيادة اعتماد تركيا على «إسرائيل» وقلل هامش مناورتها في هذا المجال.

كيف أثّرت مافي مرمرة على الشأن التركي الداخلي؟

لكن مغادرة الطيارين الإسرائيليين المسؤولين عن تشغيل طائرات هيرون لتركيا على إثر أزمة سفينة مافي مرمرة جعل هذه الطائرات بلا فائدة للجيش التركي. ساهم هذا الانقطاع المفاجئ في دعم وتسريع جهود التصنيع المحلي في المجالات العسكرية المختلفة، لا سيما صناعة الطائرات المسيرة وتبنيها من قبل الدولة، لتصبح تركيا دولة رائدة في هذا المجال، وبحسب تصريحات تركية، واحدة من ست دول في العالم تصنع طائراتها المسيرة وذخائرها الذكية محليًا.

إقليميًا، تحوّلت تركيا خلال سنوات الربيع العربي من سياسة «صفر مشاكل»، وسياسة الوسيط، إلى انخراط في تحالفات جديدة، تطوّرت مع الوقت لتتحول إلى معسكرات سياسية وإيديولوجية.

لا يمكن إحالة هذه التغيرات المركبة في الخطاب والمواقف والسياسات الرسمية التركية إلى أزمة سفينة مافي مرمرة فقط، لكنها بالتأكيد لعبت دورًا مهمًا في تغيير السياسات والمنطلقات التركية الرسمية تجاه القضية الفلسطينية والعلاقات مع «إسرائيل»، كما ساهمت أيضًا في صدم الرأي العام التركي، لترسّخ شكوكًا قديمة تجاه «إسرائيل» وتزيد في هذه النقطة قوة معسكر (الإسلاميين/المحافظين) على حساب معسكر (العلمانيين/أنصار الحياد).

بعد سفينة مرمرة، أصبحت العلاقات التركية مع «إسرائيل» والسياسات الرسمية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وبمعزل عن فلسطين نفسها أحيانًا، أحد أهم مواضيع المناكفات وتسجيل النقاط على الساحة الداخلية، خاصة في ظل الاستقطاب السياسي المتصاعد في السنوات الأخيرة. فمثلًا عارض حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية والغريم التقليدي للأحزاب المحافظة والإسلامية في تركيا، تراجع العلاقات مع «إسرائيل» وخطوات الحكومة خلال أزمة مافي مرمرة مؤكدًا على لسان أمينه العام كمال كلتشدار أوغلو أنهم «ما كانوا ليسمحوا لسفينة مرمرة بالذهاب لو كانوا في السلطة»، ليعود أمينه العام خلال مؤتمر عُقد عام 2013 في معهد بروكينغز الأمريكي بعنوان رؤية حزب الشعب الجمهوري حول تركيا، ليصرح تعقيبًا على أزمة سفينة مافي مرمرة بأنهم «لا يريدون التدخل في شؤون إسرائيل الداخلية أو إفساد العلاقات معها أو الدخول في صراع دبلوماسي معها».

بيد أن هذا الموقف تغير بشكل درامي في إطار المناكفات الداخلية بعد اتفاقية تطبيع العلاقات مع «إسرائيل» عام 2016 حيث انتقدت أحزاب المعارضة المختلفة لا سيما حزب الشعب الجمهوري هذه الاتفاقية بشدة إذ صرح كلتشدار أوغلو في الجلسة الأسبوعية لمجموعة الحزب البرلمانية بأن هذه الاتفاقية «اتفاقية استسلام مقابل 20 مليون دولار»، مؤكدًا على أنها «تمس الكرامة» ومنتقدًا حيثياتها في تفاصيل عدة، كان من أبرزها قوله بأنها «تمنح شرعية للحصار على غزة».

ساهم التصاعد الشديد في مستويات الاستقطاب السياسي في تركيا في تبني حزب الشعب الجمهوري سياسة الانفتاح أكثر تجاه طبقات ناخبين أخرى غير ناخبيه التقليديين، الأمر الذي دفعه لتبني مواقف مختلفة في قضايا مثل القضية الفلسطينية والعلاقات مع «إسرائيل»، في خضم منافسته للعدالة والتنمية على الناخبين المحافظين في تركيا. حيث تقدم الحزب عام 2018 بمقترح في البرلمان التركي لإلغاء العديد من الاتفاقيات مع «إسرائيل» كان على رأسها اتفاقية تطبيع العلاقات الأخيرة على إثر الغضب الشديد في الساحة السياسية والشعبية والرسمية في تركيا نتيجة قرار الولايات المتحدة الاعتراف بالقدس عاصمة لـ«إسرائيل» والمجزرة التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي على حدود غزة. إلّا أن هذا المقترح رُفِض بأصوات نواب العدالة والتنمية في البرلمان حيث صرح مسؤولون في العدالة والتنمية «أن الدول لا تمتلك رفاهية إلغاء الاتفاقيات عندما تَملّ»، ليتبع ذلك تصريح من وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو بأن «هذا المقترح غير واقعي ولا فائدة منه»، وأنه تصريح «انتهازي» في خضم هذه الأحداث.

أمّا على صعيد العلاقات المعقدة بين أردوغان والداعية فتح الله جولن، كانت أزمة مافي مرمرة واحدة من أولى محطات الصدام العلني والمباشر بين الطرفين بعد تحالف لسنوات، حيث صرح جولن في تعقيبه على المجزرة بأن تحرك المنظمين «دون الحصول على تصريح من إسرائيل تحدٍ للسلطات»، مؤكدًا أنه «كان يجب الحصول على تصريح»، في ما تم اعتباره دفاعًا عن «إسرائيل» واتهامًا للضحايا والنشطاء، لينتقد أردوغان هذه التصريحات مرارًا ويعود في عام 2014 ليصف جولن بالحاقد على سفينة مافي مرمرة ومنظميها، ملمحًا إلى ارتباطه «بالسلطات» في «إسرائيل».

كما أطلق جولن لاحقًا تسمية كارا مرمرة «مرمرة السوداء/ Kara Marmara» على سفينة مافي مرمرة لدورها فيما سماه «الإضرار بالتصنيف الائتماني لتركيا»، ليصبح هذه الحدث واحدًا من مجموعة أحداثٍ سرعت المواجهة والتنافس الشديد بين أردوغان وجولن، الذي انتهى محليًا بفشل محاولة الانقلاب في تموز 2016.

العلاقات التجارية والسياحية بين تركيا و«إسرائيل» بعد أزمة مافي مرمرة

بعد أزمة مافي مرمرة، اختلفت العلاقات السياحية بين البلدين، فبينما كانت أعداد السياح الحاملين للجنسية الإسرائيلية في تركيا عام 2008 تصل إلى ما يزيد عن 558 ألف سائح، فإن هذه الأعداد تراجعت بعد أزمة مؤتمر دافوس بين أردوغان وبيريس عام 2009 إلى حوالي 311 ألف سائح. لكن التراجع الحقيقي على صعيد العلاقات السياحية بدأ مع أزمة سفينة مافي مرمرة، حيث تراجعت أعداد السياح الحاملين للجنسية الإسرائيلية في تركيا عام 2010 إلى ما يزيد عن 109 ألف سائح، لتستمر هذه الأعداد في التراجع في عامي 2011 و2012، حيث ظلّت في حدود 80 ألف سائح فقط، خاصة في ظل دعوات وزير السياحة الإسرائيلي حينها لمقاطعة تركيا كوجهة سياحية. إلّا أن الاعتذار الإسرائيلي عن مجزرة سفينة مافي مرمرة والحديث عن تطبيع العلاقات بين الطرفين ساهم في زيادة أعداد السياح الحاملين للجنسية الإسرائيلية في تركيا إلى قرابة 165 ألفًا عام 2013 و190 ألف عام 2014 و225 ألف عام 2015 و295 ألف عام 2016 وإلى 380 ألف عام 2017.

أما في آخر سنتين فقد استمرت هذه الأعداد في الارتفاع المستمر، لتعود إلى الأرقام الأولى في العقد الأول من الألفية الجديدة، على الرغم من توتر العلاقات السياسية من جديد، حيث وصلت أعداد السياح الحاملين للجنسية الإسرائيلية في تركيا إلى 443 ألف في عام 2018 و569 ألف عام 2019.[3]

ساهم عدم توازن إجراءات التأشيرة بين تركيا والاحتلال الإسرائيلي في تقليل أعداد السياح الأتراك في «إسرائيل»، إذ وبينما يحصل حملة جواز السفر الإسرائيلي القادمين إلى تركيا على مدة إقامة بدون تأشيرة تصل إلى 90 يومًا، تشترط سلطات الاحتلال الإسرائيلي على المواطنين الأتراك الحصول على تأشيرة قبل السفر. كما تحدثت العديد من التقارير عن خضوع السياح الأتراك القادمين إلى «إسرائيل» لإجراءات أمنية إضافية وقيود ومضايقات مستمرة ومتعددة في المطارات الإسرائيلية، تصل إلى التحقيق والاحتجاز والاعتقال وحتى المنع من الدخول بعد الوصول، خاصة للرحلات الجماعية المتوجهة إلى القدس، حيث وصل عدد الممنوعين الأتراك من دخول «إسرائيل» خلال السنوات الخمس السابقة إلى ألف شخص، بينما كان عدد الممنوعين الإسرائيليين من دخول تركيا ثلاثة أشخاص فقط في نفس المدة.

أما على صعيد العلاقات التجارية بين الطرفين، فقد استمرت هذه العلاقات في التصاعد بشكل مستمر دون أي تأثرٍ ملحوظ بالأزمات المستمرة بين الطرفين طوال فترة حكم العدالة والتنمية، حيث تضاعف حجم التجارة بين تركيا و«إسرائيل» مرتين ونصف منذ قدوم حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002 وحتى عام 2017.

أما الصادرات التركية إلى «إسرائيل» فلقد بلغت عام 2018 3 مليار و900 مليون دولار، واستمر هذا الارتفاع في عام 2019 أيضًا لتصل الصادرات التركية إلى «إسرائيل» خلال هذا العام إلى مستويات قياسية جديدة بحسب صحف تركية، إذ بلغت أربعة مليارات و359 مليون دولار، وبذلك صعد ترتيب «إسرائيل» في قائمة الدول الأكثر استيرادًا للسلع التركية من المرتبة السابعة عشر إلى المرتبة التاسعة، وارتفعت حصة «إسرائيل» في المجموع الكلي للصادرات التركية من 1.8% عام 2010 إلى 2.5% عام 2019. أمّا الواردات التركية من «إسرائيل» فلقد ارتفعت إلى مليار و743 مليون دولار عام 2019 بزيادة 28% منذ عام 2010.

كما تجدر الإشارة إلى أن أزمة فيروس كورونا المستجد التي سادت مختلف أنحاء العالم منذ أشهر وتسببت في ذعر شديد على مستوى الشعوب والدول لا سيما فيما يتعلق بإمدادات المواد الغذائية والمستلزمات الطبية، تحولت إلى فرصة لتقوية العلاقات التجارية بين تركيا و«إسرائيل».

شكلت هذه العلاقات التجارية التي استمرت بالارتفاع حتى في أسوأ الازمات السياسية بين الطرفين أحد أهم أسباب انتقاد حزب العادلة والتنمية وسياساته في ملف العلاقات مع «إسرائيل»، إذ لطالما قُوبلت مواقفه في هذا الملف بالتشكيك بسبب هذه العلاقات خارجيًا، ومن بعض أطياف المعارضة في تركيا، حيث انعكس ذلك على العديد من التصريحات والمقالات في صحف ومواقع معارضة، فمثلًا انتقد محرم إنجه مرشح حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الماضية في عام 2011 سياسة العدالة والتنمية تجاه «إسرائيل» واستمرار العلاقات التجارية رغم انتكاس العلاقات الدبلوماسية في ما وصفه حينها «بسياسة التجار».

من كواليس تصوير الفيلم القصير «إشارة» في الذكرى العاشرة على المجزرة. المصدر: mavimarmara.org

كيف يبدو المشهد اليوم؟

هنالك العديد من العوامل الداخلية والخارجية المتداخلة التي تؤثر في النظرة التركية إلى طبيعة ومسار العلاقات مع «إسرائيل»، منها وصول نخب سياسية جديدة إلى السلطة في تركيا، انسداد طريق عضوية تركيا الكاملة في الاتحاد الأوروبي، فشل دور الوسيط، سياسة «صفر مشاكل» التي تبناها العدالة والتنمية في بداية حكمه، آثار الربيع العربي وانفتاح الطرفين التركي والإسرائيلي على حلفاء وعلاقات جديدة في المنطقة قللت العزلة -الإسرائيلية- والحاجة إلى علاقات متينة مع الطرف الآخر، إضافة إلى العامل التفجيري الذي لعبته القضية الفلسطينية في هذه العلاقات، وتأزم العلاقات التركية مع الولايات المتحدة التي لطالما لعبت دورًا مهمًا في تحسين وتدعيم العلاقات التركية الإسرائيلية، بوصفها حليفًا مهمًا لكلا الطرفين. إلّا أن الأزمة المعقدة متعددة الأطراف والمستمرة في التفاقم حتى اليوم في شرق المتوسط، أعادت النقاش حول العلاقات مع «إسرائيل» إلى الواجهة في تركيا، لا سيما على وسائل التواصل الاجتماعي وعبر الإعلام.

إذ على إثر توقيع تركيا اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا لحماية مصالحها في شرق المتوسط، ومواجهة معسكر اليونان وقبرص المدعوم أوروبيًا والذي انضمت إليه كل من «إسرائيل» ومصر، ظهرت اقتراحات لعقد اتفاقية شبيهة مع «إسرائيل» بهدف كسر عزلة أنقرة في شرق المتوسط وتفكيك التحالف المعادي. حيث صرح رئيس أركان القوات البحرية التركية (المستقيل حديثًا) ومهندس الاتفاق التركي الليبي اللواء البحري جهاد يايجي في لقاء أجراه مع صحيفة حرييت التركية في كانون الثاني 2020، أنه يجب إبرام اتفاقية مماثلة للاتفاقية مع حكومة الوفاق الوطني الليبية مع «إسرائيل» أيضًا. وسرعان ما تحولت هذه المقترحات إلى أخبار عن قرب توقيع اتفاقية مشابهة مع «إسرائيل»، ازداد زخمها في الفترة الأخيرة دون أي تعليق رسمي تركي، إلى أن أعلنت السفارة الإسرائيلية في أنقرة عبر حسابها الرسمي بأن هذه الأخبار ليست سوى «ادعاءات بلا مصادر ولا تعكس الحقيقة». كما خرج مسؤولون إسرائيليون ليعلنوا أنه لم يتم الحديث عن هكذا اتفاقية مع تركيا حتى في فترة التسعينيات التي شهدت علاقات مزدهرة بين الطرفين.

منذ سماح تركيا لـ«إسرائيل» بشراء المستلزمات الطبية لمواجهة فيروس كورونا المستجد مع اشتراط السماح بإرسال شحنة مشابهة للجانب الفلسطيني في شهر نيسان الماضي، شكّل موضوع عودة العلاقات التركية الإسرائيلية جزءًا مهمًا في النقاشات والأخبار المحلية لا سيما في «إسرائيل»، إذ قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي خلال شهر أيّار بالعديد من الخطوات والتصريحات التي وصفت بالساعية لتحسين العلاقات مع تركيا، حيث نشر القائم بأعمال السفارة الإسرائيلية في أنقرة روي جلعاد مقالة في أحد المواقع التركية عن «مصالح تركيا وإسرائيل المشتركة بما فيها إدلب ومحاربة فيروس كورونا المستجد»، مؤكدًا على المصالح السياسية والعسكرية والتجارية المشتركة بين الطرفين، ليتبع ذلك تصريحات لمسؤولين إسرائيليين عن رغبة «إسرائيل» بإعادة تأسيس العلاقات الدبلوماسية مع تركيا من جديد، وسعيهم لعودة السفراء بين الطرفين، في قياس مع علاقات تركيا مع اليونان من طرف ودولة الإمارات العربية من طرف آخر، إذ «على الرغم من المشاكل المتصاعدة بين تركيا واليونان ودولة الإمارات العربية فإن تركيا لديها سفراء في هذه الدول».

كما حطّت في نفس الفترة طائرة شحن تابعة لشركة العال الإسرائيلية الرسمية في مدينة إسطنبول، بعد قطيعة 10 سنوات، لتعلن السفارة الإسرائيلية في تركيا أن طيران العال سيبدأ رحلاته بين تل أبيب وإسطنبول إلى جانب الخطوط الجوية التركية «للمساهمة في رفع حجم التجارة بين البلدين إلى أرقام قياسية جديدة».

بيد أن كل هذه الإشارات والمساعي -الإسرائيلية بالمقام الأول- لتحسين العلاقات، تقف أمام اختبار حقيقي لمدى جديّتها وفعاليتها، من خلال شدة وجدية ردة الفعل التركية على قرار ضم أجزاء من الضفة الغربية الذي تنوي «إسرائيل» اتخاذه في شهر تموز، إذ يتوقع الكثير من المراقبين أن تزداد العلاقات سوءًا وتتحطم مساعي تحسين العلاقات على إثر هذا القرار.

أعلنت هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (İHH) أن عام 2020 هو عام مافي مرمرة، وبدأت العديد من الفعاليات لإحياء ذكرى المجزرة وضحاياها والتذكير برسالتها الإنسانية، كان منها إعلان الهيئة عن إطلاق فيلم قصير باسم «إشارة»، في تلميح إلى قطع جيش الاحتلال الإسرائيلي للإشارة والتواصل مع العالم عن سفينة مافي مرمرة قبيل الاعتداء عليها. كما وأطلقت الهيئة هاشتاج #MaviMarmara10Yaşında (مافي مرمرة في العاشرة من عمرها) عبر منصة تويتر، بهدف إعادة ذكرى المجزرة إلى الواجهة، حيث لاقى الهاشتاج تفاعلًا كبيرًا من شتى شرائح المجتمع التركي، كما شارك فيه العديد من الكتاب والصحفيين والشخصيات الحزبية والاعتبارية.

مما لا شك فيه أن ذكرى سفينة مافي مرمرة أصبحت جزءًا أساسيًا من التاريخ السياسي في تركيا، ولحظة لا زالت تحتفظ براهنتيها في النقاش السياسي النابض في هذا البلد، إذ على الصعيد الشعبي أصبح ضحايا المجزرة الإسرائيلية شهداء تتذكرهم شرائح من الشعب التركي بفخر، إضافة إلى أن الناجين من المجزرة نالوا في عيون شرائح واسعة من الناس لقب «Gazi/ محارب» المعنوي، الذي يمنح للمحاربين القدماء في تركيا. وعليه مهما كان مسار العلاقات التركية الإسرائيلية مستقبلًا، فإن أسطول الحرية وسفينة مافي مرمرة وشهداءها ورسالتها، والمجزرة الإسرائيلية ضدها، ستظل رغم مرور السنين تحتل مكانةً مؤثرةً لا يمكن تجاوزها في الوعي الشعبي التركي، وفي نظرته تجاه «إسرائيل» والعلاقات معها، الأمر الذي ربما سيجعل ذكرى مافي مرمرة حاضرة دائمًا على مسرح العلاقات التركية الإسرائيلية الرسمية.

  • الهوامش

    [1] أشارت التحقيقات الجنائية التي قامت بها السلطات التركية بعد إعادة «إسرائيل» للسفن الإغاثية إلى وجود آثار لمئتين وخمسين رصاصة على هيكل سفينة مافي مرمرة، حاولت «إسرائيل» إخفائها من خلال استخدام الطلاء والمعجون. (صحيفة راديكال التركية، بتاريخ 8 نوفمبر 2010).

    [2] من أبرز هذه المحاولات هو تواصل وزراء خارجية الطرفين بعد أزمة دافوس للتأكيد على متانة العلاقات بين البلدين وأن هذا الحدث لن يؤثر على علاقاتهما الاستراتيجية.

    [3] من الجدير بالذكر أن تركيا شهدت زيادة كبيرة وملحوظة في أعداد السياح من فلسطينيي الداخل المحتل (حاملون للجنسية الإسرائيلية) في السنوات الأخيرة بيد أن نسبتهم من الإحصائيات الكلية لحاملي الجنسية الإسرائيلية القادمين إلى تركيا غير معروفة.