تغيير النهج يبدأ بعودة الولاية العامة للحكومة

الخميس 07 حزيران 2018
مصدر الصورة: حساب الديوان الملكي على فليكر.

«اضطررت في الفترة الماضية أن أعمل عمل الحكومة. وهذا ليس دوري، أنا دوري أن أكون ضامنًا للدستور، وضامنًا للتوازن بين السلطات».

هذه هي المرة الأولى التي يصرح فيها الملك بأنه قام بعمل الحكومة، وذلك في أعقاب موجة الاحتجاجات التي أدت إلى استقالة حكومة هاني الملقي.

لا يبدو كلام الملك جديدًا، حيث يعلم المتابع أنه صاحب القرار، خاصة بعد أن وسّعت التعديلات الدستورية المتعاقبة من صلاحياته.

الجديد هو أن يقول الملك للرأي العام إنه عمل عمل الحكومة، في الوقت الذي يطالب فيه الناس بمنح الحكومات الولايةَ العامة في الشأنين الداخلي والخارجي، وكفّ يد القصر والأجهزة الأمنية عن تسيير الحكومات من وراء حجاب.

إن تقصير الحكومة و«نوم» بعض الوزراء، لا يشرعن أن يعمل الملك عنها وعنهم، فرمزية الملك في الدستور تولدت من مبدأ عدم ممارسة الملك للسلطة، «فهو لا يتخذ قرارًا، إنما الذي تتخذه سلطة دستورية تعبر عن إرادة الشعب، ويكون دور الملك بالموافقة والتوقيع»، وهذا ما جعله مصانًا من كل تبعة ومسؤولية، ولا يُنسب الخطأ إليه.

إن قيام الملك بأعمال الحكومة، يمسّ رمزية الملك ومكانته، فممارسة أعمال الحكومة ليست دوره كما قال للصحفيين، فالسلطة والمسؤولية متلازمتان، والملك مصان طالما أنه لا يمارس سلطة ينفرد بها باستثناء سلطته في منع تعديل الدستور.

نظام الحكم في الأردن نيابي ملكي وراثي يتخذ من الأمة مصدرًا للسلطات. يجسّد إرادة هذه الأمة مجلس النواب المنتخب من الشعب بإرادة حرة، فلا سلطة إلا لمن ينتخبه الشعب، وهنا تمارس الحكومة سلطتها بعد أن تحصل على ثقة مجلس النواب الذي يعبر عن إرادة الشعب، في حين أن «الملك يتولى موقعه عن طريق الوراثة»، والوارث لا سلطة له.

إن قيام الملك بعمل ما عوضًا عن الحكومة، يوفر لها حجة الاختباء خلف رمزيته المصانة في الدستور، ويسود الاعتقاد لديها بأنها محمية من مساءلة مجلس النواب ورقابته، لنعود إلى قصة «تعليمات من فوق» مجددًا، وفي ذاكرة الأردنيين قضية تسجيل حكومة علي أبو الراغب أراضٍ باسم الملك، عندما كان مجلس النواب غير منعقد.

دافع أبو الراغب عن نفسه إبان الربيع العربي بالقول إن إجراءه سليمٌ قانونيًا، وأن سمير الرفاعي عندما كان أمينًا عامًا للديوان الملكي سلمه كتابًا من الديوان، وأبلغه أن لدى الملك مشاريع تنموية وخيرية، بحسب قوله في لقاء مع قناة رؤيا، وتناقلته وسائل إعلامية محلية وأجنبية.

لقد عالج الدستور الأردني عجز الحكومات وتقصيرها، عبر طريقين؛ الأول بواسطة مجلس النواب، فجعل رئيس الوزراء والوزراء مسؤولين أمام المجلس عن السياسة العامة للدولة وأعمال الوزارات، ومنحه حق طرح الثقة بالحكومة أو بأي من الوزراء، وسؤالهم واستجوابهم، أما الطريق الثاني فهو عبر بوابة الملك الذي يُقيل الحكومة ويقبل استقالتها.

إن تغيير النهج الذي يطالب به محتجو هبة حزيران 2018، يحتاج إلى أحزاب قوية، تخوض انتخابات برلمانية حرة ونزيهة، وفق قانون يحقق العدالة في التمثيل

وبما أن العجز والتقصير ظهرا على حكومة الملقي، فكان الأولى أن لا يتم الصبر عليها، لحين نزول الناس إلى الشارع والمطالبة برحيلها، طالما لم تنعدم أدوات مساءلتها وإقالتها، وإسقاطها عبر الطريقين السابقين.

المفارقة هنا، أن مجلس النواب فشل قبل نحو ثلاثة أشهر في حجب الثقة عن حكومة الملقي، على خلفية رفع أسعار سلع استهلاكية أساسية بما فيها الخبز، إضافة إلى فرض ضريبة المبيعات على سلع وخدمات جديدة. ويعود فشل المجلس في ذلك إلى خلل بنيوي كبير في البيئة التشريعية والسياسية، شوّه دور المجلس، وكسر أدواته، وأفرغ غاية وجوده، وألحقه بالسلطة التنفيذية، ولا ننسى الانطباع السائد لدى الكثير من النواب بأن الحكومة هي حكومة الملك، فلا يجرؤون على إسقاطها.

ومع بداية هبة حزيران ساعد الملك حكومة الملقي وأوعز لها بإلغاء قرار رفع أسعار المحروقات في شهر رمضان، علّها تنجو من سخط الشارع، إلا أن هذا الإيعاز سواء أكان شفويًا أو خطيًا، صحيحًا أو خاطئًا، فإنه لا يخلي الوزراء من مسؤوليتهم، كما يؤشر على عدم الفصل بين السلطة والمُلك. ويبرز السؤال هنا: لماذا لم يُقل الملك حكومة الملقي -التي عُيّن رئيسها من غير أغلبية نيابية- قبل أن يَغلي الشعب ويثور عليها خاصة في ظل انحسار الحياة السياسية، وضعف الهياكل الديمقراطية بما فيها مجلس النواب غير المنعقد؟

في غياب الولاية العامة للحكومة، وتحول نظام الحكم من الملكية الدستورية إلى الملكية الرئاسية، تبدو مساءلة الحكومة صعبة المنال، فهي منزوعة الدسم، ينازعها مستشارو القصر وقادة الأمن ولايتَها العامة، بحيث تركزت السلطة بيد غير منتخبة، لا تعبر عن إرادة الأمة، وهذا النهج هو الذي قاد الشعب للنزول إلى الشارع والانفجار في الأعوام 1989، و2011، و2018.

إن تغيير النهج الذي يطالب به محتجو هبة حزيران 2018، يحتاج إلى أحزاب قوية، تخوض انتخابات برلمانية حرة ونزيهة، وفق قانون يحقق العدالة في التمثيل، ليعهد بعدها إلى زعيم الأغلبية النيابية، أو ائتلافها، ليشكل حكومة برلمانية، تكون صاحبة الولاية العامة، ومسؤولة أمام البرلمان عن السياسات العامة المدنية والعسكرية والأمنية للدولة، الداخلية والخارجية. وهذا لا يتأتى إلا بإرادة سياسية صادقة، مؤمنة بالإصلاح عملًا وقولًا. وهذا بدوره لا يتحقق إلا بفتح فضاءات العمل السياسي، وتعزيز منظومة حقوق الإنسان، وصون الحريات العامة وحق الناس في التجمع والتنظيم، وتأليف الجمعيات والنقابات والأحزاب السياسية، ودعمها ماديًا ومعنويًا.

وللوصول إلى بر الأمان، لابد من تعديلات دستورية، تلغي ما أضيف من نصوص دستورية في 2014، و2016. إضافة إلى دسترة انتخاب مجلس الأعيان، وتحصين مجلس النواب من الحل، وغير ذلك، لتكون الأمة مصدرًا للسلطات، في نظام حكم نيابي ملكي وراثي، يوزان بين السلطات، دون تركيزها في يد واحدة.

هذه التغييرات ضرورية إذا ما أراد رئيس الوزراء المكلف عمر الرزاز أن يكون صاحب الولاية العامة، لا كبيرًا لموظفي الدولة.