«سوق الجمعة» من جديد: قتيل ومصاب وشكاوى مستمرّة

تصوير معاوية باجس

«سوق الجمعة» من جديد: قتيل ومصاب وشكاوى مستمرّة

الثلاثاء 30 كانون الثاني 2018

يوم الجمعة الماضي، انهار جدار استنادي في «سوق الجمعة» في منطقة راس العين في عمّان، تسبب في مقتل شخص وإصابة آخر. القتيل هو المصري كريم طه، الشهير بكرم. عمره 30 سنة. ويعمل في الأردن منذ 8 سنوات في بيع الأحذية الأوروبية المستعملة. أما المصاب فهو الأردني عمر الحجاوي، زميل كرم في العمل منذ 6 سنوات. عمره 24 سنة، ويرقد الآن في المستشفى مصابًا بكسرٍ في العمود الفقري.

السوق المكوّن من 600 بسطة تقريبًا، وتُباع فيه، بشكل أساسي الملابس والأحذية الأوروبية المستعملة، يقع في موقع شركة الدخان التي تأسست العام 1930 وهدمت أمانة عمان مبانيها العام 2008، بهدف إقامة دار للأوبرا مكانها. لكن «الأمانة» أعلنت عام 2014 «تأجيل» المشروع، وبدلًا من دار الأوبرا، نقلت إلى الموقع سوق الجمعة الذي كان في منطقة العبدلي، في خطوة أثارت وقتها احتجاجات بين تجّار السوق.

حادثة انهيار السور تسبّبت بحالة من الغليان بين التجّار الذين حمّلوا أمانة عمان المسؤولية كاملة عنها، وأكّد عدد منهم لـ«حبر» أن الانهيار نتيجة طبيعية لـ«إهمال» الأمانة شروط السلامة العامة في السوق. في وقت قالت فيه أمانة عمان لـ«حبر» إن «لجنة السلامة العامة [في الأمانة] برئاسة الحاكم الإداري، والمشكّلة من عدّة جهات رسمية، ومن خلال الخبراء والفنيين والمهندسين هي من تقرر الأسباب الحقيقية للانهيار».

في يوم الحادثة، كانت المملكة تحت تأثير منخفض قطبي، لهذا لم يكن في السوق أكثر من 20% من البسطات المعتادة، كما قال الشاب المصاب عمر الحجاوي، الذي التقته «حبر» حيث يرقد في مستشفى خاص في عمان. يقول الحجاوي إنه كان وقتها جالسًا مع كرم بمحاذاة السور الاستنادي، حيث أشعلا نارًا، وكانا يشربان الشاي، عندما التفت ولاحظ أن الزينكو المثبت أعلى السور ليظلل البسطة بدأ يميل: «ناديت عليه يا كرم اهرب، وأنا هربت، بس هو ما لحّق. أنا وقع عليّ الزينكو ومن فوقه الأحجار، وهو وقع عليه السور نفسه». ويضيف أن المتواجدين في السوق رفعوا الزينكو فتمكّن من الزحف على يديه والخروج من تحته.

عمر الحجّاوي (يمين) وكريم طه

صهيب اللهواني، أحد الباعة في السوق، كان من بين الذين ساعدوا في رفع الزينكو عن الحجاوي: «عمر طلّع حاله وأسعفوه الشباب. دوّرنا على كرم ونادينا ما حدا جاوب. بس راسه وإيديه كانوا مبينين». يقول اللهواني إن استخراج كرم من تحت الأنقاض استغرق قرابة الساعتين، لأن قطعة كبيرة من السور كانت فوقه. وقد احتاجوا إلى أن يكسروها أولًا ليتمكنوا من رفعها بـ«ونش».

إبراهيم البنّا، وهو صاحب العمل الذي كان كرم يعمل عنده، قال إنه كان مع عمر وكرم عند السور قبل أقلّ من دقيقة من وقوعه: «إجاني تلفون، طلعت أحكي، السور كلّه وقع وراي». البنّا، الذي كان التأثر الشديد واضحًا عليه، قال إن كرم الذي يعمل لديه من سبع سنوات، أي «من أيام العبدلي»، خطبَ قبل أقل من سنة، وكان من المقرر أن يعود إلى مصر خلال أشهر قليلة ليتزوج: «8 سنين متغرّب عشان يتجوز، بس الله ما كتبله ياها».

الأحوال الجوية التي بدا، وفق الأخبار المتداولة، أنها لعبت دورًا في الحادثة، كانت في الحقيقة، كما يقول التاجر في السوق، عبد الكريم شلطف، سببًا في الحدّ من أن تكون المأساة أعظم. يقول شلطف إن معظم البسطات المحاذية للسور تبيع البضائع «الستاتية»، وفي الأيام العادية تكون مزدحمة بعشرات النساء مع أطفالهن، إضافة إلى الباعة على هذه البسطات: «لو كان السور مليان لكان صارت كارثة».  

وتنتشر وسط التجّار قناعة بأن أحد الأسباب الأساسية لانهيار الجدار هو العدد الكبير من آليات الأمانة الثقيلة، من جرافات وقلابات ولودرات، والتي كانت مصطفة على الشارع في الجزء المحاذي للجدار. وهي آليات كانت جزءًا من استعدادات الأمانة للمنخفض الجوّي. وفق التجّار، فإن الجدار الذي اتّضح بعد انهياره أنه خالٍ تمامًا من حديد التسليح، وكان خاليًا أيضًا من ثقوب لتصريف المياه، لم يتحمّل ثقل هذه الآليات.

لكن أمانة عمان تقول في المقابل، إن «الجدار مؤمّن بحماية ورصيف ومعزول، وأن انهيار جزء منه خارج عن الإرادة». ومن المعروف، لدى تجار السوق، أن السور المحيط بالموقع هو ذاته سور شركة الدخان الذي لم تزله «الأمانة» مع المباني التي هدمتها. وهذه معلومة أكدّها لحبر موظفو «أمانة»، تحدثوا بشكل غير رسمي.

عصر يوم الأحد الماضي، تجمع العشرات من تجّار السوق في الموقع، وسط حالة من القلق والتوتر، في محاولة لمعرفة ما قررت «الأمانة» اتّخاذه من إجراءات. لكن، لم يكن القلق وحده هو المسيطر على الجو؛ فقد عبّر العديد من التجّار عن خيبة أملهم من ردّة فعل الأمانة تجاه ضحيتيّ الحادث. يقول البنّا: «عاتبناهم إنه ليش أمانة عمان ما زارت الشّب؟ ما حكت معه؟ ما طيبت خاطر أهله؟».

بعد هذا «العتاب» تحرّكت «الأمانة». الحجاوي الذي قال لحبر إنه لا يملك تأمينًا صحيًّا، كان أُسعف الجمعة إلى مستشفى البشير، وقرر الطبيب أنه بحاجة إلى عملية. ويقول إنه ظل إلى مساء الأحد، حتى حدث أول تواصل معه من قِبل الأمانة، التي تكفّلت بنقله إلى مستشفى خاص، وتعهّدت بتحمّل كلفة علاجه.

أما كرم، فيقول ابن عمه، أحمد، الذي عاش معه في البيت نفسه خلال الست سنوات الماضية، فلم يزره أحد من أمانة عمان ولا حتى اتّصل به أو بعائلة كرم في مصر للتعزية. أحمد الذي ينتظر أن ترسل العائلة في مصر توكيلًا يمكنه من رفع قضية للمطالبة بتعويض من أمانة عمان، يقول إن السفارة المصرية، في عمان، هي من قام بكلّ الإجراءات المتعلّقة بتسفير جثمان كرم إلى قريته في محافظة البحيرة، حيث دُفن ظهيرة يوم الأحد. والجثمان، بحسب أحمد، كان في حالة سيئة إلى درجة أنه احتاج إلى ساعات من الترميم من قبل طبيب مختصّ هنا في عمان، ليخفّف من حجم الأذى الذي تعرّض إليه.

مشاكل وشكاوى مستمرة

يقول التجّار إن مشكلة السوق ليست محصورةً بالسور المنهار، ويشكون مما يقولون إنه «تردٍ» في شروط السلامة العامة في الموقع. يصف التاجر أحمد بطاح، والذي يعمل في المهنة منذ 15 سنة، السوق المحاط بأسوار عالية والمغلق ببوابة، بأنه «مثل السجن. يعني لو لا سمح الله صار إشي، الناس ما بتقدر تروح. عكس العبدلي اللي كان مفتوح من كل الجوانب». يؤكد على ذلك موظف أمانة تحدث بشكل غير رسمي: «لو فقعت جرة غاز والله الناس لتموت فعص فوق بعض». ويعلّق على الأمر ذاته إيهاب البواعنة، الذي يعمل أسبوعيًّا، منذ أربع سنوات في السوق مع أبناء عمه: «يعني ممكن مكتب صغير يوقّف ترخيصه على طفّاية. هون لو بتلفّي السوق كلّه ما بتلاقي طفّاية وحدة».

يشكو العاملون في السوق كذلك من مساحته. فبحسب موظف الأمانة السابق الذكر، فإن الموقع في راس العين لا يزيد عن 40% من الموقع القديم. وهذا يعني، كما يقول التجّار، إن قسمًا كبيرًا منهم، لم يحصلوا على «نُمر» [مواقع بسطات] في السوق الجديد، أي أنهم فعليًّا فقدوا مصادر أرزاقهم.

وحتى من انتقلوا إلى الموقع الجديد، فإنهم يشكون بمرارة. يقول بطّاح: «إحنا مش بس تضرّرنا، إحنا اتدمرّنا، انشطبنا». في العبدلي، كان السوق، كما يقول، في موقع متوسّط بين العمّانين: الشرقيّة والغربيّة، فكان الزبائن من الجهتين. أما في راس العين، الواقعة في قلب عمان الشرقية، فقد فقدوا «زبون عمان الغربية اللّي بدفع». إضافة إلى ذلك، يقول بطّاح إن طبيعة سوق العبدلي المفتوح والمكشوف من كل الجهات «للصغير والكبير»، كانت أكثر أمنًا: «كان الساعة 2 بالليل بتلاقي النسوان ماشيات براحتهن. هون بعد الساعة 8، ما بتلاقي ولا ست».