رأي

تعيين الرزاز: هذا ليس تغييرًا للنهج

الثلاثاء 05 حزيران 2018
Omar Razzaz

رغم تراجع زخم المظاهرات في الأردن في يومها الخامس، يبدو واضحًا أن الكثيرين في الحراك الحالي لم يكتفوا باستقالة حكومة هاني الملقي أمس كتحقيق لمطالبهم التي شملت، إلى جانب إقالة الحكومة، إعادة دعم الخبز والمحروقات، وإعفاء السلع الأساسية من ضريبة المبيعات، وسحب مشروع قانون ضريبة الدخل ونظام الخدمة المدنية، وهو ما لم يتحقق أي منه حتى الآن. اللازمة التي باتت تتكرر على لسان المتظاهرين والنقابيين والأحزاب والنواب وحتى الوزراء السابقين هي أن المطلوب تغيير النهج والسياسات، لا رؤساء الحكومات. لكن مع تكليف عمر الرزاز رسميًا بتشكيل حكومة جديدة، بدأت فئات من داعمي الإضراب والمشاركين في الاحتجاجات تقرأ هذا القرار كـ«خطوة في الاتجاه الصحيح» قد تسفر عن تحقق باقي المطالب بصفة الرزاز «مختلفًا» عمن سبقوه.

بدايةً، من المهم التفريق بين إقالة الملقي وتكليف الرزاز كقراريْن مختلفين في أسبابهما ونتائجهما. يجب أن يظل واضحًا أن حكومة الملقي سقطت بقرار الشارع، حتى وإن لم تكن إقالته سوى رأس جبل المطالب، وحتى وإن كانت لا تضمن تحقيق أي تغيير فعلي في السياسات الاقتصادية التي قادت إلى هذا الوضع المأزوم. الصلاحية الدستورية للملك بتعيين الحكومة وإقالتها لا تعني أن هذا القرار لا يكلف الديوان الملكي شيئًا. حين عيّن الملك الملقي كان يريد له أن يتم الأربع سنوات، فقد قال بوضوح في خطابه عند افتتاح الدورة العادية الأولى لمجلس الأمة الثامن عشر قبل سنتين إنه يأمل أن «تستمر [حكومة الملقي] طيلة فترة مجلس الأمة الثامن عشر طالما حظيت بثقة مجلس النواب». وما سمعناه من انتقادات بأثر رجعي للحكومة المستقيلة بالقول إن «الوزرا، ما عدا أكم واحد، كانوا نايمين»، وإن الملك كان «يعمل عمل الحكومة» هي أقرب لمحاولة لشرعنة الحكومة المقبلة من كونها دليلًا على الانحياز إلى لمطالب الشارع، خاصةً بالنظر إلى ما جاء في رسالة قبول استقالة الملقي، إذ شكره الملك على تحمله مسؤولية «اتخاذ القرارات الصعبة التي لا تحظى بالشعبية أو الرضى». وكل هذا بالطبع إلى جانب الفيل الهائل في الغرفة المتمثّل في مسؤولية الملك عن أداء الحكومات التي يعينها؛ المسؤولية التي ما تزال نظرية لا دستورية.

صحيح أن النظام يحاول منذ يومين حَلب الاحتجاجات واستثمارها سياسيًا في الخارج، وهو ما يتجلى بوضوح تام من تصريحات أيمن الصفدي، وزير الخارجية في حكومة الملقي، حول ضرورة «تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته» وتحويله اللوم بالكامل على اللجوء السوري، إلى تصريحات رئيس مجلس النواب، عاطف الطراونة، العاتبة على «أشقاء وأصدقاء الأردن» الذين تركوه «وحيدًا» أمام أزماته التي عزاها إلى ظروف الإقليم، إلى اتصالات الملك الإقليمية في اليومين الماضيين، خاصة مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. لكن محاولات استثمار حدث جارٍ في الشارع أمر (وهو ما لا يمكن للمحتجين منعه بأي حال)، وتحريكه أو الوقوف وراءه أمرٌ آخر. والاستخفاف بضغط الشارع ليس بعيدًا عن الدقة فحسب، بل هو متساوق مع خطاب سلطوي يكرّس إحباط إمكانات العمل السياسي، ويتماهى مع أسطورة انتظار «النضوج الديمقراطي» التي لطالما استخدمتها السلطة.

إذا التفتنا لتعيين الرزاز والاحتفاء به كخيار «جديد» و«مختلف»، فمن المهم أن نسأل «مختلف عمّن؟». إن كان مختلفًا بالفعل عن بيروقراط الدولة و«ديناصوراتها» المحافظة التي قد تكون أخّرت تكليفه وحاولت عرقلته، فهل هو مختلف عن متبعي «النهج» الاقتصادي الذي هاجمه المحتجون وضجّوا من إنهاكه لهم؟ هل هو مختلف في شرعيته السياسية التمثيلية عمن سبقوه من رؤساء معينين؟ لعل هذه أول مرة يحتج الشارع بشكل واضح على تدخلات صندوق النقد والبنك الدوليين، بعد أن كانت المطالبات الاقتصادية غالبًا تتعلق بالأثر المباشر على معيشة الناس أو بالفساد، أو بالخصخصة في حالة عدد من الحراكات العمالية. وفوق ذلك، فقد خرجت هتافات «لن يحكمنا البنك الدولي» و«فليسقط حكم الصندوق» من حي الطفايلة، أحد أحياء عمّان الفقيرة، قبل أن تتردد في المفرق وإربد والدوار الرابع وغيرها. لكنها بالتأكيد ليست أول مرة يحتج فيها الأردنيون على نهج تعيين الحكومات من قبل الملك ويطالبون بانتخاب الحكومة. في ظل هذين المعطيين، تأتي المفارقة الفاقعة في تعيين رئيس حكومة هو مدير مكتب البنك الدولي في لبنان سابقًا، لا بل وتسويق ذلك على أنه استجابة للإرادة الشعبية.

الاستخفاف بضغط الشارع متساوق مع خطاب سلطوي يكرّس إحباط إمكانات العمل السياسي، ويتماهى مع أسطورة انتظار «النضوج الديمقراطي» التي لطالما استخدمتها السلطة

بالتأكيد، تشمل سيرة الرزاز المهنية أكثر من هذا الموقع في البنك الدولي؛ من رئاسة مؤسسة الضمان الاجتماعي، إلى صندوق الملك عبد الله الثاني للتنمية، ومنتدى الاستراتيجيات الوطني، ولجنة تقييم التخاصية، إلى جانب وزارة التربية والتعليم وقيادة فريق الاستراتيجية الوطنية للتشغيل، وغير ذلك. لكن المسألة لا تتعلق بموقعه كموظف سابق في مؤسسة دولية ما بحد ذاته بقدر ما تتعلق بما يعكسه ذلك الموقع من خيارات سياسية وأيديولوجية، عبّر عنها الرزاز بوضوح في محطات عدة، وتمكننا من توقع طبيعة الخط الذي سيمضي الرزاز فيه بحكومته. وهذا ما يغيب عن الافتراض بأن خبرته في البنك الدولي ستترجم تلقائيًا إلى «قدرة على التفاوض» مع الجهات الدولية المانحة، بمعزل عن أي علاقات قوى تحكم هذا النوع من المفاوضات.

بعيدًا عن تقييم النوايا، إذا أردنا أن نأخذ مثالًا واحدًا على هذه الخيارات السياسية والأيديولوجية يمكننا الالتفات إلى دور الرزاز كرئيس للجنة تقييم التخاصية التي شكلها الملك عام 2012 لمراجعة قرابة عقدين من الخصخصة، وبالأخص، إلى جزئية توزيع عوائد الخصخصة، وهي كاشفة بالذات كونها مكمن الأسئلة حول أولويات الإنفاق وشبهات الفساد. ينطلق تقرير اللجنة الصادر عام 2014 من معايير «الممارسات الفضلى» المالية الدولية التي تعطي الأولوية لإطفاء الدين. فبحسب التقرير، ما يفوق المليار ونصف دينار من العوائد ذهبت «لسداد وشراء ومبادلة وإعادة هيكلة ديون الحكومة الأردنية»، وفق بيانات وزارة المالية، وهو ما شكّل أكثر من 88٪ من إجمالي العوائد. أي أن معظم ما عاد للدولة من مال نتيجة خصخصة 15 مؤسسة وطنية (إلى جانب 4 اتفاقيات ورخص بناء و/أو تشغيل) لم يستثمر في مشاريع إنتاجية قادرة على تحقيق شكل من الاستدامة الاقتصادية. بالنسبة للرزاز، كان هذا الخيار «استخدامًا جيدًا للعوائد»، طالما جاء ضمن سياسة مالية تحاول تخفيض المديونية، وهو ما أفشله تنامي الإنفاق العام. أما المسؤولية عن تراكم هذه الديون التي «تشمل نادي باريس وديون شركات عدة مثل الملكية الأردنية» بحسب الرزاز، فأمر آخر لا يتناوله التقرير.

بالإضافة لذلك، فإن ما تبقى من عوائد الخصخصة (قرابة 200 مليون دينار) التي استُثمرت في مشاريع تنموية، كانت بحسب تقرير اللجنة مكمن «نقاط الضعف الأساسية» في عملية استخدام العوائد، حيث افتقرت هذه المشاريع إلى «التوثيق السليم والمنظم والأرشفة للقرارات والوثائق»، كما افتقرت قرارات الإنفاق فيها «إلى متطلبات أساسية في القانون مثل إجراء دراسات الجدوى وإدراج المشاريع في الموازنة». رغم كل ذلك، تمسك الرزاز عام 2014 بالقول «إننا نعلم جيدًا أين ذهبت الأموال»، وعند السؤال عما تثيره «نقاط الضعف» من شبهات فساد، قال الرزاز ببساطة «ليس لدينا صلاحية التحقيق والاستجواب، لذا لا يمكننا اتهام أي شخص بالاعتداء [على المال العام]». وهذا ليس مفاجئًا بالنظر إلى أن عملية التقييم برمتها كانت تقنية بحتة، تتعلق بفكرة «غياب الكفاءة» في إدارة الخصخصة، بمعزل عن الفساد وعن الآثار التدميرية الكبرى التي انعكست على قطاعات رئيسية كالتعليم والصحة بعد دخول رأس المال الخاص للاستثمار به لغايات ربحية، بعيدًا عن أي بعد اجتماعي تنموي حقيقي، وهو ما ترافق مع سياسة الخصخصة كنهج في التعاطي مع احتياجات المجتمع، لا مجرد بيع لمجموعة محددة من المؤسسات الوطنية. كما أن تبني خيار الخصخصة في الأردن جاء «مبررًا» بحسب تقرير لجنة تقييم التخاصية في ظل «الأزمة الاقتصادية في الثمانينيات» و«التوجه العالمي نحو الخصخصة»، بعيدًا عن الأبعاد السياسية لهذه الأمور، وارتباطها بعلاقات قوى داخلية وبهيمنة نموذج اقتصادي واحد عالميًا، تأتي برامج صندوق النقد والبنك الدوليين في صميمه.

كما أن معاملة الدولة على أنها طرف واحد متجانس يتلقى القروض ويديرها ويصرفها على نفسه تغيّب طبيعة علاقات القوى بين النخب السياسية الحاكمة ومحكوميها. لا أحد يتساءل عن الشرعية السياسية لمثل هذه القرارات الكبرى حين تتخذها حكومات معيّنة تعيينًا من قبل جهة مصانة دستوريًا من المحاسبة؛ حكومات هي نفسها التي اتخذت قرارات الاستدانة أولًا. بكلمات أخرى، حين باعت حكومات غير منتخبة موارد البلد، ذهبت عوائد البيع لإطفاء ديون لم يُستشر الأردنيون في أخذها ولم يلمسوا نفعًا مباشرًا منها. هذه الفجوة بين المستدين والمستفيد من الاستدانة من جهة، ومن يسد الدين من جهة أخرى ليست هي المشكلة، من المنطلق الذي يعبر عنه الرزاز، بل هي مشكلة كفاءة في إدارة العملية فحسب، وهذا ما يتماهى معه من يصورون مديونية قرابة 27.4 مليار دينار كما لو أنها ديون أفراد، من المعيب لنا التهرب من سدادها.

اللقاء «غير الرسمي» الذي عقده الملك أمس بمجموعة من كبار الصحفيين وكتاب الرأي، ثم كتاب تكليف الرزاز بتشكيل الحكومة اليوم، يعكسان بوضوح النية في التمسك ببرنامج «الإصلاح» الاقتصادي المدفوع من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين بصفته الحل الصعب الذي لا مفر منه، لكن مع محاولة احتواء الاحتقان بلجنة حوار وطني (أخرى) و«مراجعة شاملة للمنظومة الضريبية»، إلى جانب التركيز على خطاب «ترشيق» الأداء الحكومي وعدم التساهل مع أي تقصير بعد اليوم، بـ«التخلص من البيروقراطية وضبط الإنفاق الحكومي بكل حزم». وفي إطار ذلك، بدأت تتعالى الأصوات التي تعتبر الحديث عن «تغيير النهج» كلامًا عائمًا وغير واقعي في ظل متطلبات التعامل مع العجوزات المالية المتراكمة، وكأن هذه العجوزات لم تكن موجودة قبل أيام حتى يبدأ الحديث عنها فقط مع تعيين الرزاز.

الأهم من ذلك، هو أن خلف الحراك الحالي إرث من تسمية الأشياء بمسمياتها تركه حراك 2011 وهبة تشرين؛ إرثٌ حاضر اليوم بوضوح لو نظرنا فقط أبعد من الدوار الرابع. حين يعلو هتاف «ليش نلف وليش ندور؟ عبد الله إنت المسؤول» في عمّان، فالنهج المقصود هو تركز السلطة التنفيذية بيد الملك الذي كرّسته التعديلات الدستورية عامي 2014 و2016، وغياب أي قناة حقيقية للمحاسبة على كيفية استخدام هذه السلطة، سواء كان هذا الاستخدام اقتصاديًا بوضع السياسات التي تنتج عنها قرارات الاستدانة أو الخصخصة أو التقشف أو الإنفاق، أم سياسيًا في تسمية الوزراء وإقالتهم ومزاحمتهم على صلاحياتهم.

النهج المقصود هو تركز السلطة التنفيذية بيد الملك الذي كرّسته التعديلات الدستورية عامي 2014 و2016، وغياب أي قناة حقيقية للمحاسبة على كيفية استخدام هذه السلطة

هل هذا الهتاف وحده يمثل بديلًا عن النهج؟ بالطبع لا، فضغط الشارع، على قيمته، يحتاج لقنوات تنظيمية تعمل على بلورة مطالبه في برامج محددة، لكن ما لا ينبغي أن يغيب في نقاش البدائل هو أن حالة الشح التنظيمي والحزبي وحتى الأكاديمي والصحفي هي من صُنع النظام قبل أي طرف آخر، حين آثر تجريف الحياة السياسية الأردنية وإضعاف الأحزاب والتضييق على الجامعات ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام بصفتها مكامن تهديد. وبغض النظر عن تقاعس بعض النخب عن العمل أو استسهالها للجوء إلى العموميات، فالقدرة على تحويل المطالب إلى برامج ليست مسألة إرادة ولا حتى سقف سياسي، بل هي مسألة قدرة على التنظيم والبناء والمأسسة، وهذه ليست مسألة ذاتية.

ختامًا، من المستبعد أن يخرج الرزاز عن النهج الاقتصادي والسياسي الذي خرجت الناس إلى الشوارع لتغييره. فقد وافق الرزاز على أن يأتي إلى الرئاسة في مركب «التعيين» السائر منذ عشرات السنوات، الذي يتعامل مع الأردنيين باعتبارهم قصّر، غير ناضجين سياسيًا لاختيار ممثليهم. قبل سنوات، تحدث الرزاز كثيرًا عن الحاجة لعقد اجتماعي جديد ينقلنا «من دولة الريع إلى دولة الإنتاج»، معرفًا دولة الريع بأنها الدولة التي يحدث فيها «التزاوج الخطير جدًا» بين «سلطة غير ديمقراطية [و] مصادر دخل لا تحاسب عليها ولا تساءل عليها»، إذ تُقلب قاعدة «لا ضرائب دون تمثيل سياسي» لتصبح «لا حاجة للتمثيل السياسي حيث لا تفرض الضرائب». ورغم أن الرزاز كان يرى في الأردن دولة شبه ريعية تنتهج بعض السياسات الريعية لكنها تملك بعض آليات المحاسبة، فإن السؤال الديمقراطي اليوم يغيب أكثر فأكثر، رغم توالي توسيع الضرائب وتقليص أشكال الدعم الحكومي. ويتجلى ذلك بوضوح أكثر حين نقرأ في كتاب تكليف الرزاز اليوم إن «فرض الضرائب وتوفير خدمات نوعية أمران متلازمان»، أما التمثيل السياسي فهو خارج الصورة.

لا أحد في السلطة يتساءل عن العلاقة بين تدهور نوعية الخدمات العامة وغياب التمثيل السياسي الحقيقي الذي يمكّن من محاسبة السلطة التنفيذية. لا أحد في السلطة يتحدث عن أن الواقع قد أثبت فشل نهج التعيين بعد أن أوصل البلاد إلى هذه الحالة المأزومة. بدون طرح هذا السؤال، يصعب أن نتوقع من الرزاز تغييرًا في «النهج»، مهما كان خبراته أو كفاءاته أو نواياه، فالمسألة ليست برغبات الشخوص، بل بالقواعد السياسية التي أرستها المجموعة الحاكمة المتمسكة بخيار التعيين، والنظام الاقتصادي المكرّس باعتباره الخيار «العقلاني» الوحيد، الذي يستمد عقلانيته ببساطة من هيمنته عالميًا لا من تجربة محلية فعلية تبرر التمسك به.