الانتحاريون .. صناعةُ الموت التي تسلّلت الى تونس

الانتحاريون .. صناعةُ الموت التي تسلّلت الى تونس

الثلاثاء 22 كانون الأول 2015

تقرير: وليد الماجري

(نشر هذا التقرير في موقع إنكيفادا بتاريخ 13 ديسمبر 2015)

 تسرّبت العمليات الانتحارية إلى معجم التونسيين بعد هجوم محمد الخامس الذي خلّف خسائر بشرية جسيمة في صفوف جهاز الحرس الرئاسي.

كيف يُصنَع الانتحاريون؟ وما الذي يدفع بهم إلى تحويل أجسادهم إلى قنابل بشرية موقوتة؟

استيقظ باكرا ليصلّي الفجر حاضرًا. اغتسل وحلق لحيته وانتبذ من معسكره مكانًا قصيًّا يتلو من القرآن آيات تحثّ على «الجهاد» حتّى لا تضعُف عزيمته. كتب وصيّته الأخيرة مودّعا والديه، داعيا ايّاهما إلى تحريض بقية أخوته على النفير والخروج للجهاد ضدّ «الكفّار». تدثّر بحزامه الناسف واستوى أمام الكاميرا يسجّل كلماته الأخيرة يتبنّى من خلالها، ومن ورائه التنظيم الذي جنّده، العمليةَ شارحا الدوافع الشرعية، ثمّ غادر باتّجاه «العدوّ» المفترض.

صابر العياري، 23 سنة، شاب تونسي أصيل منطقة ديبوزفيل على أطراف العاصمة، فجّر نفسه يوم 19 يونيو 2013 بعد أن تمّ تجنيده لتنفيذ عملية انتحارية استهدفت ثكنة عسكرية «شيعية» في العراق أسفرت عن مقتل 18 عسكريا.

ما قام به صابر لا يختلف كثيرا -إلّا في بعض التفاصيل الشكلية- عمّا أتاه حسام العبدلّي بتاريخ 24 نوفمبر 2015 في قلب العاصمة التونسية، شارع محمد الخامس، عندما قام بتفجير نفسه وسط حافلة تقلّ فريقًا من الحرس الرئاسي ليضع حدّا لحياة ما لا يقل عن 12 عونًا ينتمون إلى نفس التوجّه المذهبي (المذهب السنّي) الذي يتبنّاه الانتحاري.

اختلفت الأسماء والمنطلقات غير أنّ النتيجة كانت واحدة: تفجير انتحاري تختلط فيه أشلاء الانتحاري بأشلاء ضحاياه.

الانتحاريون، الصناعة الجديدة

لم يكن التفجير الانتحاري الذي هزّ شارع محمد الخامس بالعاصمة، الأوّلَ من نوعه في تونس، فقد سجّلت منطقة الساحل التونسي تفجيرا انتحاريا في أكتوبر 2013 على مقربة من نزل «رياض بالما» بسوسة، لم يسفر سوى عن مقتل الشاب الانتحاري أحمد العيادي، 22 سنة أصيل منطقة الزهروني التابعة لولاية منوبة غرب العاصمة، ليُشفع في اليوم ذاته بمحاولةِ انتحاريّ ثان تفجيرَ نفسه في رحاب روضة آل بورقيبة بالمنستير قبل أن يتمّ إجهاض العملية وايقافه.

العمليتان الانتحاريتان في الساحل كشفتا النقاب -آنذاك- عن خطر جديد بات يهدّد المجتمع التونسي والوطن بشكل عام. هذا الخطر تمثّل في تنامي قدرة المجموعات الإرهابية على تجنيد الشبّان والمراهقين من الأوساط الاجتماعية الفقيرة (ديبوزفيل، الزهروني، دوار هيشر الخ) و تم غسل أدمغتهم لتنفيذ عمليات انتحارية تستهدف أهدافا داخلية قد لا تكون بالضرورة مصالح دبلوماسية واقتصادية غربية.

ولئن أسفر ترسُّخُ الفكر الجهادي في صفوف الشباب التونسي على مدى السنوات الخمس الأخيرة عن ظهور «مهن مستجدّة» تنهل من قاموس الجهاد على غرار «مهنة المقاتل» و «مهنة الاتصالي» الذي تُعهد اليه مهمّة الظهور الإعلامي وتوظيف وسائل الاتصال الحديثة لايصال أفكار التنظيم والدعاية له و «مهنة صانع الألغام والمتفجرات» و «مهنة المهرّب» و «المسؤول عن المؤونة»، فانّ عمليات سوسة والمنستير ومحمد الخامس كشفت النقاب عن ميلاد نوع آخر من المهن، يحظى بمكانة مرموقة وشرفية في التنظيمات الجهادية، ألا وهو «مهنة الانتحاري» حيث يتبيّن من خلال القاء نظرة أولية على ملمح انتحاريي سوسة والمنستير ومحمد الخامس أنّ هؤلاء الشبان وقع «انتدابُهم» حديثًا لكي يكونوا انتحاريين على اعتبار عدم مشاركتهم -وفق ماهو متوفّر من معطيات- في عمليات قتالية أو دعوية سابقة.

نمط جديد من تقنيات الإرهاب

ويُعَدّ الانتقال من مرحلة العمليات «الجهادية» في مستواها الأوّل (الاشتباك مع القوات النظامية) إلى مستواها الأقصى (تنفيذ تفجيرات انتحارية) نقلة نوعية في المشهد الأمني التونسي، قد تقودنا مباشرة إلى نمط جديد من تقنيات الإرهاب، يتمثّل أساسا في اختطاف رهائن ومقايضة الدولة من أجل تحريرها مقابل تحرير بعض «الأسرى» (إرهابيون في السجون).

4-bardo-arp-attaque-1920-inkyfada
ساحة باردو غداة الشروع في اجلاء الرهائن وتأمين مبنى البرلمان بعد الهجوم الارهابي بتاريخ 18 مارس 2015

لا يمكن فهمُ ارتماء شريحة من الشباب التونسي بين أحضان التنظيمات «الإرهابية» والمرور بسرعة إلى تنفيذ عمليات انتحارية عبر القراءة الأمنية فقط للأحداث، لأنّ «العقل الإرهابي» هو نتاج خلطة معقّدة من التراكمات النفسانية والاجتماعية والعَقَدية والاقتصادية يتطلّب تفكيكُها الاستنجاد بخبراء في شتّى المجالات المذكورة.

رحلة في عقل إرهابي لمازن الشريف

يفرّق الدكتور مازن الشريف، رئيس قسم الاستشراف ومكافحة الإرهاب بالمركز التونسي لسياسات الأمن الشامل، في كتابه «رحلة في عقل إرهابي» الذي صدر منتصف 2015 ، بين صنفين من العقل الإرهابي : العقل المدبّر، والعقل المدمّر.

«العقل المدبّر هو عقل مخابراتي يتقن فنون البرمجة العقلية والنفسية، يبحث في الثغرات ويحاصر عقل ضحيته بنظم فكرية وبرمجية حتى يخترقه ويتمكن من غسله وإعادة برمجته على أمر واحد وهو التفجير. وأما العقل المدمّر فهو عقل تمت برمجته على التدمير، ومرّ بمراحل النظرية الثلاثية (التنظير، التكفير، التفجير)، وهو عقل مُدمَّر قبل أن يكون عقلا مدمِّرا، فيتم تدمير كل قدرات التحليل والتمييز والنقد لديه، ثم يتم حشوه بآليات التدمير ومبرراته «المقدسة»».

كتاب «الموت من أجل النصر: المنطق الإستراتيجي للعمليات الانتحارية الإرهابية» لمؤلفه روبارت باب (نسخة إنجليزية)

وجدير بالذكر أنّ العوامل الدينية والأفكار الجهادية لا تكون مسؤولة وحدها عن ظاهرة «التفجيرات الإنتحارية» حول العالم، حيث تبين أنّ جانبا كبيرًا هذه العمليات كانت تتبناه جماعات غير دينية أوعلمانية أو ماركسية.

5-Tamouls-manif-paris-inkyfada
عدد من جالية التاميل في باريس يتظاهرون دعما للانفصاليين في سريلانكا ويساندون العمليات القتالية التي يقوم بها نمورالتاميل. صورة من موقع اذاعة فرنسا الدولية.

ويختلف «المقدّس» من وسط اجتماعي إلى آخر حيث كانت جماعات مثل نمور التاميل وحزب العمال الكردستاني قد طورت أساليب التفجيرات الإنتحارية قبل أن تتبناها المجموعات الجهادية بوقت طويل، اذ أنشأ نمور التاميل في سريلانكا مراكز يطلق عليها (الحديقة الحمراء) تمّ تخصيصها لتربية أطفال يتامى تناهز أعمارهم العاشرة. وكانوا يخضعون لعمليات تدريب صارمة قائمة على الولاء الكامل لقائد المجموعة. وبعد ثلاث سنوات من هذه التدريبات يتم إرسال الطفل لتنفيذ العملية الانتحارية التي يقدم عليها دون تردد وفق ما اكّده الدكتور مصطفى العاني مدير وحدة الأمن ومكافحة الإرهاب بمركز الخليج في حديث له مع موقع العربية نت.

كيف يتمّ تجنيد الانتحاريين ؟

صورة الانتحاري حسام العبدلي (هجوم محمد الخامس) تمّ نشرها على صفحات تابعة لتنظيم داعش في اطار تبنّي التنظيم للعملية
صورة الانتحاري حسام العبدلي (هجوم محمد الخامس) تمّ نشرها على صفحات تابعة لتنظيم داعش في اطار تبنّي التنظيم للعملية

من الصعب جدًا، وفق بعض الخبراء ممّن تسنّى لنا الحديث اليهم، حصر الانتحاريين في نموذج واحد جرّاء اختلاف الدوافع الفكرية والأيديولوجية والسياسية، غير أنّ المتأمّل في ملامح الجهاديين الانتحاريين يجد عديد القواسم المشتركة بينهم.

تتعدّد الأسباب المباشرة للتجنيد والاستقطاب ولكنّ الأسباب العميقة تلُوح في أغلب الأحيان مشتركة: حداثة العهد بالتديّن، مستوى تعليمي متدنّ، وسط اجتماعي هشّ وفقير، التعرّض لدمغجة (عملية غسيل دماغ) مكثّفة على أيدي متشدّدين في الجوامع والأحياء الشعبية إلخ.

هذا على الأقلّ ما يمكن أن نستشفّه من خلال دراسة ملمح (بروفيل) عدد من الشبّان التونسيين الذين أقدموا على تنفيذ عمليات انتحارية داخل تونس وخارجها وفي مقدّمتهم صابر وأحمد وحسام العبدلّي.

infographie-étapes-kamikaz-1920-inkyfada

عموما، وبالاستناد إلى ما سبق من معطيات، يمكن حصر عملية صناعة الانتحاريين في ثماني مراحل أساسية : تنطلق رحلة الانتحاري من مرحلة الاستقطاب حيث يتمّ استدراجه في المساجد والجوامع والحلقات الدعوية داخل الأحياء والكليات وفضاءات العمل قصد اقناعه بالالتحاق بالجماعة أو بالتنظيم.

الخطوة الثانية تتمثّل في إخضاع الملتحق الجديد، سواء بشكل مباشر أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت، إلى عملية دمغجة مكثّفة بهدف زرع فكرة «الجهاد» والتضحية بالنفس والاستشهاد في سبيل الله في عقله ووجدانه معتمدين في ذلك على آيات من القرآن وتأويلات متطرفة لأحاديث نبوية.

المرحلة الثالثة تُسمّى مرحلة «العزل» حيث يتمّ عزل الشاب عن بقية المجموعة، بعد معاينة ظهور مظاهر التشدد عليه، من أجل جعله أداة طيّعة بين يدي من يشرف عليه، وكذلك تفادي أيّ تأثير خارجي عليه حتّى يتسنّى للمشرف السيطرة على وجدانه وعقله بشكل كامل.

ويصف الدكتور مازن الشريف هذه المرحلة قائلًا:

«اجتثاث الشاب من ذاته وزرعه في واقع زماني ومكاني وروحاني آخر مختلف عن واقعه الأصلي حيث يتمّ جعله، وفق تمشّ وهمي، يعيش في السنوات الأولى لهجرة الرسول، فيُخيّل له أنّه فاتح من الفاتحين».

بعد العزل تأتي مرحلة التدريب التي تحتوي على طورين أساسيين: طور التأهيل النفسي لتقبّل فكرة التضحية بالنفس، وطور التأهيل القتالي الذي ينحصر عادة في تدريب الشاب وتعويده على كيفية ارتداء الحزام الناسف والتنقّل به والانغماس وسط الهدف وتنفيذ العملية الانتحارية.

المرحلة الخامسة هي مرحلة التكليف حيث يتمّ إعلام الشاب رسميا من قبل المشرف عليه بشكل مباشر، وفي إطار ضيّق جدا، بأنّه وقع عليه الاختيار لينال «شرف» التكليف بالقيام بعملية «استشهادية». وبمجرّد تقبّل الشاب للفكرة يتمّ المواصلة في مواراته عن الأنظار وعزله عن العالم الخارجي حتّى تحين ساعة الصفر، عندها يتمّ المرور إلى المرحلة السادسة التي تتمثّل في اخضاعه لحصة تسجيل بالكاميرا لتوثيق ما قبل العملية وتسجيل رسالة الوداع التي تتضمّن عادة حثّا لبقية الشباب على اتّباع خطاه وشرح الدوافع الشرعية والعقائدية.

مرحلة التنفيذ هي المرحلة النهائية في رحلة الانتحاري من عالمه الواقعي إلى عالم الأموات. وعادة ما يكون التنفيذ مشفوعا بخطوة أخرى تتمثّل في تبنّي التنظيم أو الجماعة للعملية من خلال نشر مقطع الفيديو للانتحاري (رسالة الوداع) على شبكات التواصل الاجتماعي.

بهذا تنتهي رحلة الانتحاري لينطلق التنظيم في إعداد انتحاري آخر لتنفيذ عملية أخرى مُتّبعا الخطوات ذاتها مع مراعاة بعض الاختلافات الشكلية.

التفجيرات الانتحارية .. دخيلة على الاسلام؟

اذا كانت العمليات الانتحارية تستمدّ جذورها من حركات المقاومة في كردستان واليابان و سيريلانكا وغيرها، فإنّه من الضروري التساؤل عن التأصيل الشرعي والفقهي الذي يلجأ إليه الإسلاميون لتبرير هذا النوع من العمليات، واضفاء الشرعية عليه والحال أنّ قتل النفس محرّم في الإسلام بشكل صريح.

غفران الحسايني باحث في الحضارة العربية والاسلامية وإمام خطيب، يعتبر العمليات الانتحارية بمثابة «الفعل الطارئ» عن الإسلام حيث لم يسبق أن تمّ تنفيذ عمليات انتحارية على مدى التاريخ الاسلامي:

«ليس هنالك أي آية أو حديث نبوي يشرّع للانتحار بل هنالك آيات تحثّ على القتال المباشر (الجهاد) فقط. فالقعقاع بن عمر (صحابي) كان يفدي نفسه في مقدمة الجيش ويرتقي فوق الحصن ويهاجم الصفوف الأولى للعدوّ لفتح البوابة لجيوش المسلمين ولكنّه -رغم اقتباس مصطلح فدائي من هذه الواقعة- لم يقم بقتل نفسه».

يضيف الحسايني أنّ أحد الصحابة في غزوة أُحُد كان قد أصيب بجروح غائرة فقتل نفسه برُمح بعد أن اشتدّ به الألم، فقال الصحابة «مات شهيدا»، فردّ الرسول محمد (ص) «ليس بشهيد»، ما ينزع عن الجهاديين الانتحاريين صفة الشهيد حسب قوله.

وبالتوازي مع القراءات المعتدلة للدين الاسلامي فانّ هنالك قراءات أخرى تميل إلى التشدد والتعصّب، تستند إلى آيات من القرآن لاضفاء الشرعية على العمليات الانتحارية بالاضافة إلى فتاوى تحرّض على تنفيذ مثل هذه العمليات تحت مُسمّى «الجهاد».

تنظيم أنصار الشريعة الارهابي (فرع القاعدة في تونس) يُعتَبر من أوّل التنظيمات التي حملت السلاح في تونس بعد الثورة وجنّدت المقاتلين. أرشيف انكيفادا
تنظيم أنصار الشريعة الارهابي (فرع القاعدة في تونس) يُعتَبر من أوّل التنظيمات التي حملت السلاح في تونس بعد الثورة وجنّدت المقاتلين. أرشيف انكيفادا

ويختلف التعاطف الشعبي، وكذلك، الرسمي من عملية إلى أخرى حيث يستبشر كل العرب والمسلمين، تقريبًا، بالعمليات التي تحدث في فلسطين ضدّ الاحتلال الاسرائيلي (أهداف مدنية أو عسكرية) معتبرين إياها عمليات فدائية واستشهادية لها مبرراتها الوطنية و الفقهية والشرعية، في حين تستهجن نسبة كبيرة من العرب والمسلمين ما يقوم به تنظيم «داعش» وبقية التنظيمات «الجهادية» داخل الدول العربية وحتى الأوروبية (أحداث باريس مثلا) معتبرين إياها عمليات إرهابية.

شيخ الأزهر، محمد سيد طنطاوي، مثلا، كان قد أكّد خلال محاضرة له في كلية الإعلام بجامعة القاهرة أن « من يفجرّون أنفسهم، من رجال المقاومة الفلسطينية في مواجهة الأعداء هم شهداء».

أقوال العلماء في جواز العمليات الاستشهادية

كما أيّد يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين «العمليات الاستشهادية» رفقة الرئيس السابق لجامعة الأزهر، أحمد الطيب، ومفتي القدس والديار الفلسطينية، الشيخ عكرمة صبري.

ويفرّق الدكتور مسلم محمد جودت اليوسف مدير معهد المعارف لتخريج الدعاة في الفلبين سابقًا والباحث في الدراسات الفقهية القانونية بين قتل النفس المسمّى انتحارًا وبين «جواز الانتحار حبًا بالله وطلبًا لجنته».

ويقول المصدر ذاته في هذا السياق :

 «لعل خير السبل لصدّ تلك الهجمات (يقصد الهجمات ضد المسلمين) سبيلُ الجهاد سواء بالجهاد التقليدي، أو الجهاد المبتكر كالعمليات الاستشهادية حيث يضع المجاهد بعض المتفجرات أو القنابل بحزام يحيط بها جسمه، أو يضعها في مركبة أو ما شابه، ثم يقتحم على الأعداء مقرهم أو مكان تجمعهم، ثم يقوم بتفجير تلك المتفجرات بقصد القضاء على العدو، ولو عن طريق التضحية الحتمية بنفسه».

صورة أرشيفية من جريدة السفير كانت تحتفي بالعمليات الانتحارية التي يتمّ تنفيذها في فلسطين ضد أهداف اسرائيلية وتعتبرها فدائية

ويستند مؤيدو العمليات الانتحارية إلى جملة من الآيات من القرآن لاضفاء الشرعية الدينية على هذه العمليات:

– «ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد». سورة البقرة الآية 207

– «إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون». سورة التوبة الآية 111

– «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم». سورة الأنفال الآية 60

– «فإمَا تثقفنّهم في الحرب فشرّد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون» . سورة الأنفال الآية 57

تعتبر طائفة الحشاشين أوّل فصيل ديني نفّذ عمليات انتحارية مطلع القرن الحادي عشر. ومع منتصف القرن الثامن عشر انطلق عدد من حركات المقاومة والتحرر في مناطق مسلمة من الهند وأندونيسيا والفلبين في تنفيذ عمليات، باسم الدين والجماعة، ضدّ المستعمر الأوروبي. وانتقلت العدوى أواخر الثمانينات من القرن الماضي إلى حركات المقاومة الاسلامية في الشرق الأوسط (حركة حماس بغزة وحزب الله بجنوب لبنان)، قبل أن تصبح رائجة لدى كل الحركات الجهادية بقيادة تنظيم القاعدة شرقًا وغربًا.

انتحاريّون تونسيون في داعش : القائمة الاسمية

هجوم شارع محمد الخامس الانتحاري بثّ حالة من الخوف في قلوب التونسيين ودفع بشقّ واسع منهم للتساؤل عمّا إذا كانت هذه الثقافة الجديدة، ثقافةُ التفجيرات الانتحارية، ستصبح بمثابة السلوك الاعتيادي للمجموعات الإرهابية في تونس أم أنها مجرد سحابة عابرة من غير الوارد تكرارها.

شقّ آخر مازال يعتقد أنّ الشباب التونسي محصّن، ولو نسبيًا، من شبح الانزلاق إلى تنفيذ العمليات الانتحارية. بالرغم من مشاركة عدد كبير منه (أكثرمن 5 ألاف حسب الأرقام الرسمية) في مهام قتالية داخل تونس وخارجها. الإجابة عن هذه التساؤلات لا تبدو صعبة المنال، إذ يكفي القيام بتتبّع العمليات الانتحارية التي ينفذها داعش وجبهة النصرة وأنصار الشريعة وبقية التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق وليبيا إلخ، حتى يتبيّن لنا أنّ العمليات الانتحارية ليست غريبة عن الشباب التونسي.

عدد من انتحاريي « داعش » من أصل تونسي نفذوا عمليات انتحارية في سوريا والعراق تبناها التنظيم لاحقا
عدد من انتحاريي « داعش » من أصل تونسي نفذوا عمليات انتحارية في سوريا والعراق تبناها التنظيم لاحقا

وكان تنظيم داعش قد احتفى مؤخّرا بمن يعتبرهم «شهداءه» الذّين لقوا حتفهم على خلفية تنفيذهم لعمليات انتحارية ضدّ من يصفونه ب «الجيش الصفوي» و «جيش الدجّال» في كل من سوريا والعراق. وظهر في قائمة الانتحاريين عدد من التونسيين الذّين تسبّبوا في تفجير عدّة مواقع عسكرية ومدنية وقتلوا وجرحوا المئات.

وفي ما يلي القائمة الاسمية لعدد من الانتحاريين مرفقة بتواريخ العمليات التي نفّذوها:

– أبو عبد الحميد التونسي، اقتحم بسيارته المفخّخة تجمّعا لآليات الجيش السوري في منطقة «المشاهدة» بتاريخ 9 ديسمبر 2013 فقتل وجرح العشرات.

– أبو عبد الرحمن التونسي، اقتحم رفقة 3 انتحاريين آخرين مقرّ اللواء 22 للجيش السوري في منطقة «المشاهدة» بسيارتين مفخختين وحزامين ناسفين، فقتل 45 شخصا وجرح عددًا آخر بتاريخ 7 نوفمبر 2013.

– أبو دجانة التونسي، اقتحم رفقة انتحاري آخر (بأحزمة ناسفة) تجمّعا كبيرًا للجيش في مدينة الصدر ببغداد فقتل وجرح 395 . تاريخ العملية 15 سبتمبر 2013.

– أبو خديجة التونسي، استهدف بحزام ناسف عناصر للجيش في بغداد وكانت الحصيلة مقتل وجرح العشرات في 18 فبراير 2014 .

– عبد الفهار الهلالي التونسي، استهدف بحزام ناسف عناصر للجيش في بغداد وكانت الحصيلة مقتل وجرح 90 شخصا بتاريخ 11 سبتمبر 2013 .

– أبو حمزة التونسي، اقتحم بسيارته المفخّخة تجمّعًا للجيش السوري في مدخل الطارمية بتقاطع منطقة «المشاهدة» فقتل 13 جنديا من بينهم ضابطان بتاريخ 27 جانفي 2014 .

– أبو مسلم القيرواني، اقتحم رفقة عنصرين آخرين بسيارة مفخخة وأحزمة ناسفة مقرّ قائم مقام الطارمية فقتل 30 وجرح 51 ودمّر المقر بالكامل بتاريخ 2 ديسمبر 2013 .

التفجيرات الانتحارية، ثغرة الأمن القومي

« تونس بعد 24 نوفمبر .. لن تكون ذاتُها قبل 24 نوفمبر». أصبحت هذه الشعارات وغيرها تطغى على خطابات الخبراء والأمنيين والمحللين السياسيين منذ هجوم شارع محمد الخامس بهدف الإشارة إلى أنّ الواقع التونسي، وخاصة على المستوى الأمني، قد تغيّر كليا بعد دخول الانتحاريين على خطّ الهجمات الإرهابية.

الهجوم الانتحاري بشارع محمد الخامس بوسط العاصمة تونس بتاريخ 24 نوفمبر 2015/ عدسة لسعد بن عاشور
الهجوم الانتحاري بشارع محمد الخامس بوسط العاصمة تونس بتاريخ 24 نوفمبر 2015/ عدسة لسعد بن عاشور

وتعتقد الأجهزة الأمنية في تونس بأنّ التفجيرات الانتحارية تعتبر ثغرة في الأمن القومي على اعتبار أنّه يصعب التصدي لها في حال تمكّن الانتحاري من التسلل إلى الهدف المُراد استهدافه. وترى الأجهزة الأمنية أنّ قانون مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال النافذ في تونس يحتوي على ثغرة كبيرة تتمثّل في استثناء الأصول والفروع في العائلة (الوالدان والأبناء) من إجبارية التبليغ عن الجريمة الإرهابية ما يتيح للانتحاري فُرصا أكثر لتنفيذ عمليته بنجاح دون أن تكشف العائلة -إلّا في حالات نادرة- أمره للسلطات الأمنية.

ختامًا، يمكن القول انّ الدوافع والأسباب التي أهّلت الشاب صابر العياري، انتحاري منطقة ديبوزفيل، لتفجير نفسه في العراق قد تختلف عن تلك التي حرّضت حسام العبدلي على استهداف حافلة الحرس الرئاسي في تونس غير أنّ النتيجة واحدة : قنبلتان بشريّتان تمّت برمجتهما على القتل والتدمير.

* أشرف على التقرير مالك الخضراوي.

رسوم: قيس زريبة.

تطوير تقني: عبير بن سمية.