كيف وصلنا إلى رفع الدعم عن الخبز وسلع أساسية؟

كيف وصلنا إلى رفع الدعم عن الخبز وسلع أساسية؟

الإثنين 27 تشرين الثاني 2017

بعد سنوات من الترقب الشعبي والتصريحات والتسريبات التمهيدية لرفع الدعم الحكومي عن الخبز، أعلنت حكومة هاني الملقي قرارها عبر مشروع قانون الموازنة العامة للسنة المالية 2018 الذي تقدّمت به إلى مجلس النواب أمس الأحد: وقف دعم الخبز، وتوجيه الدعم «لمستحقيه».

لا يعتبر هذا القرار جديدًا من نوعه على الأردنيين، الذين سبق أن عاشوا المشهد ذاته، حينما قررت حكومة عبد الكريم الكباريتي، في آب 1996، رفع الدعم عن الخبز بناء على طلب من صندوق النقد الدولي، كجزء من برنامج التكيّف الاقتصادي الرئيسي الثاني في الأردن. وفي ذلك التاريخ، حاولت الحكومة كذلك «توجيه الدعم لمستحقيه» من خلال تقديم تعويض قيمته 1.28 دينار للشخص الواحد شهريًا بدل ارتفاع أسعار الخبز. ورغم ذلك، اندلعت سلسلة احتجاجات في أنحاء المملكة رافقتها أحداث عنف في أحداث أطلق عليها اسم «انتفاضة الخبز»، أعقبها تراجع الحكومة عن القرار وإعادة الدعم.

قرار الحكومة الأخير الموضّح في مشروع الموازنة لم يأتِ فجأة، فالناطق الرسمي باسم الحكومة محمد المومني ومسؤولون حكوميّون لم يتوقفوا طوال الشهرين الماضيين عن الحديث حول القرار الحكومي ومبرراته وعوائده وآلية تعويض المواطنين المستحقين للدعم عن فرق الأسعار.

يوضّح مشروع الموازنة العامة لعام 2018 أن الدعم الحكومي للقمح سيلغى تمامًا بعد أن بلغت قيمته العام الماضي 135 مليون دينارًا. كما توضّح أرقام الموازنة أن الحكومة ماضية كذلك في رفع الضريبة على مجموعة من السلع الأساسية، ستؤدي إلى زيادة عوائد الحكومة من الإيرادات الضريبية بمقدار 540 مليون دينار عن العام الحالي.

ما هو الدعم؟

مرّ دعم الخبز في الأردن عبر العقود الماضية بتغييرات عديدة، يعود بها المحلل الاقتصادي مازن مرجي إلى ما قبل سبعينيات القرن الماضي، عندما «كنّا مكتفيين ونصدّر» القمح، بحسبه. قبل أن تتولد الحاجة إلى إنشاء وزارة تموين عام 1974 بسبب تزايد الكثافة السكانية وغلاء الأسعار، ما استدعى وجود جهة تضبط الأسعار.

لاحقًا تدفق القمح الأمريكي على الأردن على شكل منح ومساعدات، ما أدى إلى تراجع زراعة القمح محليًا، وزيادة اعتماد المواطن على الدولة في استيراد وتوفير القمح له، بحسب مرجي.

ولا تدعم الحكومة الخبز مباشرة، وإنما تدعمه عن طريق دعم الطحين. يستورد الأردن مليون طن قمح سنويًا من مناشئ مختلفة، أبرزها السوق الأمريكي وروسيا وأوكرانيا ورومانيا، وذلك عبر مناقصات تطرحها وزارة الصناعة والتجارة في الأسواق العالمية ويتم الشراء بموجبها «وفقًا لأفضل الأسعار» بحسب الناطق باسم الوزارة ينال البرماوي.

يحوم سعر طن الطحين في الدول التي تستورد منها الأردن حول 200 دولار للطن (141.8 دينار أردني) بحسب منظمة الأغذية والزراعة في الأمم المتحدة، في حين يباع الطن للمخابز في الأردن بسعر يتراوح بين 40 إلى 50 دينارًا وفق البرماوي الذي يقول إن الحكومة تدعم الطحين سنويًا بمبالغ تقدّر بنحو 120 إلى 140 مليوناً، كي يظلّ سعر كيلو الخبز العادي 16 قرشًا.

يُصنع الخبز العادي (الكبير) من الطحين المدعوم، ومن ذات الطحين تَصنع المخابز الآلية الخبز الصغير الذي يبلغ سعره 24 قرشًا للكيلو ويحتاج إلى كمية أكبر من السكر. وتبيع المخابز الحجرية خبز الطابون المصنوع من الطحين المدعوم بـ18 قرشًا للكيلو.

يصل الطحين المدعوم إلى المخابز عبر الناقلين الذين يشترونه من مطاحن تتولى عملية شراء القمح من الحكومة وبيعه للمخابز بموجب «كوبونات» تحدد حصة كل مخبز من الطحين المدعوم. كما تشتري العديد من المخابز أنواعًا أخرى من الطحين غير المدعوم لصناعة أصناف خبز مختلفة.

ما هي مشكلة الدعم؟

على مدار سنوات عدة، تزايدت تصريحات الحكومة حول الإشكاليات التي تواجهها آلية الدعم، اختصرها المومني مرارًا بـ«هدر الخبز» الحاصل على الدعم، والذي يأخذ عدة أشكال، منها استخدام القمح المدعوم في صناعة أنواع مختلفة من الخبز، وتهريب الخبز المدعوم إلى دول الجوار، واستخدام القمح المدعوم علفًا للأغنام والمواشي، واستفادة غير الأردنيين المقيمين في الأردن من الدعم على السلع ومن بينها الخبز، بحسب المومني.

يقول البرماوي، الناطق باسم وزارة الصناعة والتجارة إن ما بين 30 إلى 40% من القمح المدعوم يذهب «هدرًا» للمقيمين من غير الأردنيين، كون المقيمين يشترون الخبز بذات السعر الذي يدفعه المواطن الأردني.

حديث الحكومة عن المقيمين غير الأردنيين «معيب»، بحسب مرجي، وتشوبه إشكاليات «أخلاقية وأدبية وثقافية واقتصادية»، ذلك أنه بحسب العرف العالمي فإن اللاجئ لا يعامل معاملة استثمارية أو تمييزية، كون الدولة المضيفة ملزمة «حقوقيًا» بتوفير متطلبات عيشه.

اقتصاديًا، يقول مرجي إن اللاجئين السوريين والعمالة الوافدة في الأردن عامل محرّك للاقتصاد الأردني في الوقت الحاضر، نظرًا للمساعدات المالية التي تصل اللاجئين السوريين من المنظمات الخارجية، والتي تحقق للخزينة إيرادات ضريبية من خلال الضرائب المفروضة على السلع والخدمات، إلى جانب ما تدفعه العمالة الوافدة من رسوم للحكومة لقاء إقامتها في الأردن.

يختلف وزير المالية الأسبق محمد أبو حمور مع مرجي حول التمييز الحاصل في رفع الدعم، ويقول إن الحكومة الأردنية مسؤولة عن حماية الطبقات الفقيرة في الأردن، لكنها «مش مسؤولة عن حماية الطبقة الفقيرة في كل العالم».

من جانب آخر، يطالب مرجي الحكومة بضبط الهدر في استخدام الطحين المدعوم في غير أوجهه عبر إجراءات محاسبة ومكافحة للفساد. في الوقت الذي تؤكد فيه وزارة الصناعة والتجارة وجود ضبط مستمر للعديد من المخالفات في استخدامات الطحين المدعوم، إلى جانب رقابتها المستمرة على المخابز والمطاحن والناقلين، بحسب البرماوي، الذي يقول إن الإجراءات لم تكن كافية لحل العديد من إشكاليات الهدر، ما يستدعي إيجاد حل «جذري».

رفع الدعم لعوائد مالية، أم التزامات دولية؟

يتفق أبو حمور ومرجي بأن رفع الدعم عن الخبز سيوفّر مبالغ متواضعة مقارنة بحاجات الحكومة لسد عجز موازنتها، قد لا تتجاوز قيمته 50 إلى 100 مليون دينار بحسب تقديرات كليهما.

«مش جايبة همها»، يقول مرجي. لكنه يرى أن سبب رفع الدعم قد يكون لأنه يعتبر شكلًا من أشكال التشوهات الاقتصادية في نظر المؤسسات الدولية التي تسعى الحكومات الأردنية إلى الالتزام بمفاهيمها وتلبية متطلباتها.

وكان مسؤولون حكوميون استندوا في تصريحاتهم حول دعم الخبز إلى التزامات الأردن أمام صندوق النقد الدولي. ثم خرج صندوق النقد الدولي ببيان يحث الحكومة الأردنية على عدم رفع الدعم عن الخبز، فردّت الحكومة بأنها لا تعمل وفق اشتراطات الجهات الدولية.

بعيدًا عن الجدل الرسمي مع صندوق النقد الدولي، يقول أبو حمور إنه بحسب النظريات الاقتصادية فإن مفاهيم الدعم بمختلف أشكاله تخلق تشوهات في الإنتاج والتوزيع والاستهلاك. ويضيف إن شراء السلع بأقل من قيمتها الفعلية يؤدي إلى هدر في استهلاكها، «لما تكون مسعّرة صح، بَستهلك حاجتي»، يقول أبو حمّور.

لكنّ مرجي يرفض اعتبار الدعم شكلًا من التشوهات الاقتصادية، لأن الحكومة في المقابل مسؤولة عن تحسين المستوى المعيشي وخلق الوظائف ومحاربة الفقر وإيجاد شبكة أمان اجتماعي، عدا عن أن رفع الدعم سيؤدي إلى تراجع القوة الشرائية للمواطن وبالتالي تراجع الإيرادات الحكومية.

دعم الخبز هامشي، وعين الحكومة على ضرائب السلع

مع تواضع المبلغ الذي ستحققه الحكومة جرّاء رفعها الدعم عن الخبز، يقول أبو حمّور إن الحكومة ماضية في إلغاء الإعفاءات الضريبية على العديد من السلع الأساسية والخدمات، أي أن العديد من السلع الأساسية التي كانت تخضع للإعفاءات الضريبية، أو نسبة أقل من الضرائب على المبيعات، ستصبح خاضعة للضريبة العامة على المبيعات وقيمتها 16%، وهو ما سيشعر به المواطنون بشكل أساسي. «الناس اهتمت كثير بالخبز بس الشيء اللي رح يلمسوه عن جد إعفاءات السلع الأساسية، اللي بستهلكها الفقراء بشكل أكثر»، يقول أبو حمّور.

وترتفع الإيرادات الضريبية على السلع والخدمات في مشروع الموازنة العامة لعام 2018 بمقدار 569 مليون دينار عن مقدارها لعام 2017، لتبلغ قيمتها للعام المقبل نحو 3 مليار و600 مليون دينار، أو ما نسبته 72% من مجموع الإيرادات الضريبية، و47% من مجموع الإيرادات المحلية.

وأعلن وزير المالية عمر ملحس في خطاب الموازنة الذي قدّمه أمام مجلس النواب «التخفيض التدريجي للإعفاءات على السلع والخدمات»، وأشار في ذات الخطاب إلى استثناء معظم السلع والمواد الأساسية. يأتي هذا الإعلان رغم أن الصحف اليومية نقلت إن الحكومة ماضية في رفع أسعار المواد المصنعة والمعلبات. وكان رئيس الوزراء هاني الملقي قال في مقابلة له عبر التلفزيون الأردني مطلع العام الحالي أن 70% من السلع الأساسية سترتفع أسعارها في عام 2018.

الدعم «للمستحقين»: ليس فقط عن الخبز

مع إلغاء الدعم على الخبز في مشروع الموازنة العامة للسنة المالية 2018، استحدثت الحكومة بندين جديديْن في نفقاتها، دعم الأعلاف بقيمة 20 مليون دينار، والدعم النقدي لمستحقيه بقيمة 171 مليون دينار، وهذا الأخير أكبر من المبلغ الذي كانت الحكومة تخصصه لدعم الطحين في السنوات السابقة، والبالغ 135 مليون دينار عام 2017. أي أن إنفاق الحكومة سيرتفع بمقدار 36 مليون دينار في حال كان الدعم الموجه لمستحقيه يتعلق فقط بالخبز.
لكن الحكومة «لا تخسر» بحسب أبو حمّور، لأن دعم المستحقين يأتي لتغطية ارتفاع كافة أسعار السلع التي من المتوقع زيادتها في حال إقرار مشروع الموازنة العامة، من خلال تخفيف ووقف الإعفاءات الضريبية على عدد من السلع والخدمات. إلغاء هذه الإعفاءات سوف يحقق للخزينة «مبالغ طائلة»، بحسب أبو حمّور، «تعوض الـ36 [مليون] وقدها على 10 و15 مرة».

أما الآليات التي ستتبعها وزارة المالية لتوجيه الدعم نحو مستحقيه، فأوضحها وزير المالية ملحس في خطاب الموازنة، ويؤكد أنها ستشرف وحدها عليه. هذا الدعم سيقدّم للأسر التي لا يزيد دخلها عن 12 ألف دينار في السنة والأفراد الذين لا يزيد دخلهم عن ستة آلاف دينار في السنة، شريطة ألا تمتلك الأسر أكثر من سيارة خصوصي، وألا تمتلك أراضٍ وعقارات تزيد قيمتها عن 300 ألف دينار.

الدعم، بحسب ملحس، سيقدّم بشكل مباشر على الرواتب الشهرية لموظفي الحكومة والمتقاعدين العسكريين والمدنيين ومتقاعدي الضمان الاجتماعي ومنتفعي صندوق المعونة الوطنية. أما مستحقي الدعم الآخرين فسيتعيّن عليهم تسجيل بياناتهم على موقع خاص ليتم تحويل قيمة الدعم إلى حساباتهم البنكية أو من خلال أحد البنوك، بحسب ملحس.

لكن الأردنيين لهم تجارب سابقة مع قرارات الحكومة في توجيه الدعم النقدي المباشر الذي يتوقف بعد إطلاقه، بحسب مرجي، الذي يشير إلى القرار الحكومي بتحرير أسعار المشتقات النفطية مقابل دفع دعم مباشر للمواطنين عام 2012، دون أن يستمر ذلك.

رد المومني خلال لقاء تلفزيوني على التخوفات من توقف الدعم النقدي أن «مصداقية الحكومة» ستؤسس لقبول توجهات حكومية قادمة بشأن الإصلاح الاقتصادي، لذلك فهي -أي الحكومة- حريصة على تأكيد استمرارية الدعم. ويطالب المومني بأن يكون هناك وعي اجتماعي وإعلامي ليتم معاقبة أي حكومة تعود عن الإصلاحات الاقتصادية لاحقًا، «لأنه لا يجوز العودة عن اتخاذ القرارات المتعلقة بالإصلاحات الاقتصادية».

بعد تقديم الحكومة مشروع الموازنة العامة لمجلس النواب، بعجز يبلغ 543 مليون دينار تقريبًا، أحال المجلس القانون إلى لجنته المالية لمناقشته. وبحسب الفقرة 4 من المادة 112 من الدستور، فإن «لمجلس الأمة عند المناقشة في مشروع قانون الموازنة العامة (..) أن ينقص من النفقات في الفصول بحسب ما يراه موافقًا للمصلحة العامة وليس له أن يزيد في تلك النفقات لا بطريقة التعديل ولا بطريقة الاقتراح المقدم على حدة، على أنه يجوز بعد انتهاء المناقشة أن يقترح وضع قوانين لإحداث نفقات جديدة».