من الملكية إلى الوصول: ثورة الاقتصاد الجديد

الخميس 01 كانون الأول 2016
جيريمي ريفكن وكتابه. الصورة لأولف آندرسن، غيتي إيمجز.

في غمرة البحث عن حلول ثقافية للمشاكل التي نواجهها، قليلًا ما يحظى الاقتصاد، والكتب التي تتناوله، باهتمامنا، على الرغم مما للاقتصاد من أهمية في حياتنا.

في هذه المقالة سأحاول عرض، كتاب «عصر الوصول: الثقافة الجديدة للرأسمالية المفرطة»، لمؤلفه الباحث الأميركي جيرمي ريفكين، رئيس مؤسسة الاتجاهات الاقتصادية في واشنطن، والذي نقلته إلى العربية المنظمة العربية للترجمة.

يعتبر الكتاب واحدًا من أهم الكتب التي تناولت الاقتصاد الرأسمالي المعاصر. فهو، ورغم أنه صدر عام 2000، وتُرجم للعربية عام 2009، إلا أنه يبقى من بين أفضل الكتب الاقتصادية، التي رصدت وحللت متغيرات ومميزات الاقتصاد الرأسمالي المعاصر، بحسب عدد من النقاد.

سبق لمؤلف الكتاب أن أصدر عملًا آخر لا يقل أهمية عن هذا الكتاب بعنوان «نهاية العمل» تناول فيه تغير طبيعة العمل والاستخدام، محللا تأثير التقدم العلمي التكنولوجي على العمل والبطالة.

من الملكية إلى الوصول

يتكئ الكتاب على فكرة أن الإنسانية بدأت تدخل مرحلة جديدة في حياتها، وإذا كنا نعيش سابقًا في عهد المُلْكية الخاصة كأساس للرأسمالية، فإننا دخلنا اليوم عصر الرأسمالية «اللامادية». أن تكون غنيًا لا يعني أن تكون مالكًا لأشياء كثيرة، إنما أن تستطيع الوصول إلى أكبر قدر من الخدمات، وكما يقول ريفكين: «الثروة لن تكون منوطة بالموجودات والرأسمال المادي بل في القدرة الإبداعية الإنسانية».

وبما أن التغيير هو الثابت الوحيد في المجتمعات الحالية، فإن امتلاك أشياء كثيرة يعني البقاء مقيّدًا إلى الماضي، وإذا كانت مُلكية الأشياء عنت قديمًا تراكم الثروة، فهي اليوم ليست أكثر من مضيعة للوقت ذلك لأنها تتقادم بسرعة فتعود بلا نفع.

هذه هي الفكرة الأساسية للكتاب، الوصول إلى المنافع والخدمات هي سمة مجتمعنا الحالي، والثروة تُقاس دائمًا بالقدرة على الوصول إلى المنافع التي تقدمها الأشياء، وليس بملكيتها.

ولأجل دعم فكرته هذه، فإن ريفكين يورد مئات الأمثلة في الكتاب، فيتحدث مثلا عن عقود استئجار الشاحنات من قبل الأفراد، أو الشركات خاصة، للانتفاع من خدماتها عوضًا عن امتلاكها. والحال نفسه مع السكن الفردي «الملكية المتعددة»، التي تتيح للمشترك استخدامها فترة من الزمن، أي شراء وقت وليس شراء ملكية.

الفكرة الأساسية الثانية عند ريفكين، هي تسليع الثقافة؛ بمعنى تحويل التجارب والخبرات الثقافية إلى سلعة تباع وتشترى. والانتقال من الثقافة إلى التسلية، هو نتاج للرأسمالية الحالية.

يبدأ ريفكين القسم الثاني من الكتاب بالإشارة إلى فيلم «ذا ترومان شو»، الذي عرض عام 1998، للإشارة إلى مدى التغيير الذي طرأ على علاقاتنا مع الآخرين والأشياء، هذه العلاقات التي تصبح في كل يوم أكثر زيفًا، وتصبح معها الثقافة أكثر تسطيحًا.

هاتان الفكرتان هما أساس الكتاب. لكن هذا ليس كل شيء، وسأحاول تاليًا أن أعرض أهم الأمثلة والأفكار التي اشتملت عليها فصول الكتاب:

عندما تخلي الأسواق موقعها للشبكات

إذا كان العالم ناتانيال هاوثرون تساءل في عام 1851 عن مدى التغيير الذي ستحدثه الكهرباء في حياة الناس، بجعلها عالم المادة وقد أصبح عصبا عظيما، وأن الكرة الأرضية ستتحول إلى دماغ كبير، فان هذا التساؤل أو التندر أصبح واقعا الآن مع انضمام الإلكترونيات المايكروية والحواسيب والاتصالات عن بعد في شبكة اتصالات واحدة متكاملة، أي كنوع من نظام عصبي عالمي يحيط بالكرة الأرضية.

هذا التحول أتاح لنا طريقة جديدة في إدارة الأعمال أو ما بات يدعى اليوم «الطريقة الشبكية» للحياة الاقتصادية.

في اقتصاد الشبكات هذا تفسح الأسواق، بشكلها الجغرافي، المجال لعالم الشبكات وتستبدل الملكية بصورة مضطردة بإمكانية الوصول.

مع هذا التحول تقل الرغبة في إشباع الحاجات عبر التملك، أو الملكية، وتستبدل بإمكانية الوصول لهذه الحاجات. طبعًا هذا لا يعني أن الملكية ستختفي، بل ستستمر بالوجود لكن إمكانية تبدلها في الأسواق ستكون أقل احتمالا بكثير. وهذا التغيير الواقعي سوف يعكس نفسه أيضًا على طريقة دراستنا للاقتصاد الذي سوف ينظر إليه من منظور الوصول إلى الخدمات والخبرات لا من منظور ملكية الأشياء.

وقد يجادل البعض في قضية التحوّل هذه، لكن أليست نظرتنا للملكية قد تغيّرت عبر التاريخ، وأن مفهوم الملكية، مثله مثل كل المفاهيم الأخرى، هو نتاج لمرحلة تاريخية ما، يخضع للتبدل والتحول، اعتمادا على المكان والزمان.

الاقتصاد «اللامادي»، اقتصاد منعدم الوزن

في الاقتصاد الحالي سيتحوّل رأس المال الفكري إلى القوة الدافعة للعصر الجديد. وستكون المفاهيم والأفكار والرؤى، لا الأشياء المادية، المواضيع الحقيقية ذات القيمة في الاقتصاد الجديد.

يعني هذا أن السمة المادية للاقتصاد سوف تتقلص، فإذا كانت سمة الاقتصاد الصناعي هي تراكم رأس المال والملكية المادية، فإن الثقافة ستصبح أهم مصدر تجاري، بحيث يصبح الوقت والانتباه أهم الممتلكات الثمينة، وتصبح حياة الفرد الشخصية هي السوق النهائية.

هذا التحوّل أيضًا سوف ينعكس على طريقة دراستنا ونظرتنا للمجتمع، فهو يتحدى كل الافتراضات الأساسية الاجتماعية التي لا زلنا نحلل بها واقع المجتمعات، كما سيدفعنا إلى إعادة تفكير شاملة بالعقد الاجتماعي الذي تقوم عليه الدول والمجتمعات اليوم، كما وفي كيفية النظر إلى أنفسنا في أعمق مستويات الوعي الإنساني.

احتكار الأفكار

إن عصر الوصول لا يعني بحال من الأحوال أفول الرأسمالية، القائمة على الملكية وتراكم الثروة، ولا يعني كذلك أنها في أزمة لا سبيل الى الخروج منها، إنما، العكس، فالرأسمالية تعيد إنتاج نفسها في اقتصاد الشبكات، وتتخلى باضطراد عن الأسواق «المادية الجغرافية». وفي هذا العصر تنشأ مؤسسات اقتصادية رأسمالية أكبر وأخطر وأكثر قدرة من كل المؤسسات التي سبق وشهدتها المجتمعات الإنسانية.

كل شيء خدمي

الأمر الأبرز الذي يميز بداية الانتقال من عصر الملكية إلى عصر الوصول هو أننا سنبدأ مستقبلا في النظر إلى الحياة الاقتصادية من منظور مدى إمكانية الوصول إلى الخدمات، لا منظور امتلاكنا لأشياء مادية.

الثقافة الجديدة للرأسمالية

إننا أمام نوع جديد من الرأسمالية ينمو ويتطور ويكاد يحل محل الرأسمالية الصناعية، في هذا النوع أو هذه المرحلة الجديدة من «الرأسمالية الثقافية»، تتحوّل وباضطراد الموارد الثقافية إلى مواد تسلية وتجارب شخصية مدفوعة الثمن، كما كانت الرأسمالية الصناعية قد حولت في مراحل تطورها السابقة الموارد الطبيعية إلى سلع.

المعاني الدفينة للثقافة الرأسمالية

في هذا الفصل يبدأ المؤلف بفيلم «ذا ترومان شو»، للإشارة إلى التغييرات ليس في العلاقات الإنسانية، بل وأيضا في طريقة حياتنا. وإذا كان بطل الفيلم الخيالي الذي ترعرع في بيئة متلفزة يحاول الهروب من هذه البيئة المصطنعة إلى العالم الواقعي، فإن أغلبنا يسير في الاتجاه المعاكس.

تعمل الرأسمالية على إغراقنا كل يوم في أوساط محاكاة إلكترونية، ويحدث قدر متزايد من تجاربنا في بيئات مصطنعة، وهذا بدوره يمثل تغيرا في كيفية عيش الكائنات الإنسانية حياتها، وطالما نعيش جزءًا كبيرًا من تجاربنا في بيئات إلكترونية مصطنعة، في عالم فوق واقعي سيكون كل شيء مجرّدا ورمزيا ولا ماديا.

مرحلة ما بعد الحداثة

هذا الاقتصاد الجديد، أو عصر الوصول هذا، سيخلق نموذجا جديدا من البشر، يرى العيش المريح في المجال السايبري وفي الواقع الافتراضي. إنه نموذج حسن الاطلاع والمعرفة بطريقة عمل الاقتصاد الجديد وأقل اهتماما بتملك الأشياء، لكنه أكثر اهتماما في الحصول على تجارب ممتعة ومسلية، وقادر على التعامل والتفاعل مع عوالم متوازية بصورة آنية، وسريع في تغيير شخصيته لتتماشى مع أي واقع جديد يوضع أمامه سواء كان هذا الواقع حقيقيًا أم مزيفًا.

المرتبطون والمفصولون

يرى المؤلف في هذا الفصل أن توحيد أو تجميع أو تشبيك كل الحواسيب؛ والاتصالات عن بعد؛ وتلفزيون الكابل؛ والإلكترونيات الاستهلاكية؛ والإذاعة والنشر والتسلية في شبكة اتصالات متكاملة تتيح للشركات والمصالح التجارية الكبرى درجة من التحكم غير مسبوقة على طريقة اتصال الكائنات الإنسانية ببعضها.

نحو إيكولوجيا جديدة للثقافة والرأسمالية

ماذا يعني العيش في عالم سلكي حيث استبدلت التعاملات السوقية بشبكات تجارية معقدة، وحيث يصبح امتلاك العقار أقل أهمية من امتلاك حق الوصول، وحيث نعيش قدرا متزايدا من حياتنا الاجتماعية والاقتصادية في المجال السايبري، وحيث تصبح الثقافة نفسها السلعة النهائية، وحيث تصبح العلاقات الإنسانية المدفوعة الثمن هي القاعدة، وتصبح التجربة المعاشة شيئا يُشترى، وحيث تتخلى الذات المستقلة عن طريقها لتأخذه شخصيات متعددة ووعي مسرحي، وحيث يُنظر إلى المجتمع بتعابير مسرحية وتكون حياة كل شخص متألفة من نصوص لا تحصى يتم أداؤها على مسارح جغرافية افتراضية؟

إن عصر الوصول لا يجلب معه وسائل جديدة لتنظيم الوجود الإنساني وحسب، بل تعاريف جديدة لما يعنيه أن تكون إنسانا.

أمام كل هذا، يرى الكاتب، بأنه لا بد من إعادة إحياء الثقافة، ليس لأنها توفر المواد الخام للإنتاج الثقافي، أو لأنها تولد ثقة اجتماعية وتعاطفا، بل يجب أن يعاد لها شبابها من أجل ذاتها وحسب شروطها لأن الثقافة وحدها هي مصدر القيم الإنسانية.

كما يرى المؤلف أن أمام التربية مهمة جديدة في مواجهة هذا العصر وتتمثل في إعداد الشباب لتولي مسؤولياتهم في المجتمع المدني والثقافة. ويفترض بهذه التربية المدنية أن تكون مهمتها الأولى إعداد التلاميذ لكي يكونوا قادرين على الوصول إلى ثقافتهم المشتركة، وإلى أن يصبحوا مشاركين فعالين فيها. إنها تربية يشترك فيها التلاميذ مع الآباء ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسة الأكاديمية.

لكن إذا كانت التربية المدنية أداة أساسية في إعادة تأسيس بيئة متوازنة بين الثقافة والتجارة، فهذا وحده لا يكفي، كما يرى الكتاب، فالمطلوب أيضا القيام بتغييرات أكثر جوهرية لإعادة الثقافة إلى موقعها المهيمن في العلاقات الإنسانية.

ذلك لن يتم إلا من خلال «تسييس القطاع الثالث»، ويقصد المؤلف بهذا التعبير الثقافة بوصفها تقف بين الاقتصاد والحكومة. والحكومة عملت على تشذيب دور الثقافة والاقتصاد ألحقها بالتجارة ولم تعد الثقافة مستقلة. ولن تتمكن المجتمعات من إعادة الاعتبار للدور الحاسم للثقافة، خاصة المحلية، إلا من خلال جعلها متماسكة وواعية لقوتها السياسية. والحفاظ على التنوع الحيوي والثقافي كترياق مضاد لاقتصاد الشبكات الرأسمالي.