فصول من مقاومة يوميّة: كيف تستعيد نساء الأرجنتين السيادة على أجسادهنّ؟ (2)

الصورة من مظاهرة في العاصمة الأرجنتينية، مؤيدة للحق بالإجهاض. من تصوير غوستافو باسو، لجيتي إيميجيز

فصول من مقاومة يوميّة: كيف تستعيد نساء الأرجنتين السيادة على أجسادهنّ؟ (2)

الأربعاء 05 كانون الأول 2018

(لقراءة الجزء الأول من هذا المقال، اضغط/ي على هذا الرابط)

البدايات: الشخصي سياسي؟

في دراسة أجرتها حول «الموجة الثانية» من النسوية المنظّمة في الأرجنتين، اعتبرت كارينا فيليتي، الأستاذة في جامعة بوينس آيرس، سنوات السبعينيات فترة مؤسّسة للانشغال الجدي بقضايا الجندر والجنسانية والحقوق الإنجابية ضمن الدوائر النسوية في مراكز المدن الأرجنتينية. رفعت النسويات الأرجنتينيات حينها شعار «الشخصي سياسي» بتأثير واضح من النسوية الراديكالية في الولايات المتّحدة وحركة المطالبة بتشريع الإجهاض في إيطاليا. أُطلق على نسويات تلك الفترة في الأرجنتين لقب «النسويات المسافرات» لرحلاتهن الكثيرة إلى مؤتمرات نسوية في أوروبا وتعرّضن لانتقادات لاذعة من قبل الأحزاب اليسارية فتارة اتهمن بتشتيت الانتباه عن القضايا الأساسية حقًا، كترسيخ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وقمع الدولة المنظّم، وتارة اتهمن باستنساخ الفكر الأوروبي والاستعماري ومحاولة فرضه على المجتمع الأرجنتيني. ليس هنالك متّسع في هذه السطور لتحليل الحركة النسوية في الأرجنتين خلال السبعينيات ومناقشة نشاطها ولكن من المهم التأكيد أنه على الرغم من مكامن ضعفها ومحدوديتها فقد لعبت دورًا رياديًّا ومؤثّرًا لا يمكن تجاهله أو اختزاله باستنساخ النسوية الغربية. تجدر الإضافة كذلك بأن طرح قضية الحقوق الإنجابية وتحدّي مفهوم الأمومة القسرية لم يكن خيارًا مدروسًا ومبادِرًا بقدر ما كان رد فعل على إجراءات الحكومة القمعية.

مع نجاح التيّار البيروني في انتخابات آذار/مارس 1973 وعودته إلى السلطة بعد ثمانية عشر عامًا من الحكم العسكري، تطلّع الأرجنتينيون والأرجنتينيات إلى بداية «ربيع» ديمقراطي سرعان ما تمخّض عن ثلاث سنواتٍ من الارتجاجات السياسية وصراعات القوى وتناقضات جوهرية ضمن المحور الواحد. بلغت هذه التناقضات والارتجاجات أوجها أثناء فترة رئاسة إيسابيل بيرون (1 تموز 1974-24 آذار 1976) التي أصبحت رئيسة الجمهورية بعد وفاة زوجها خوان بيرون. علاوة على إرهاب الدولة الذي انتهجته حكومة إيسابيل بيرون ضد اليساريين ودعمها التحالف المناهض للشيوعية (Triple A) الذي شكّله وزير الرفاه الاجتماعي الفاشي وذراعها الأيمن خوسيه لويس ريغا. سعت بيرون إلى ضمان دعم الكنيسة الكاثوليكية عبر اتّخاذ حزمة من الإجراءات الاجتماعية المحافظة. نصّبت بيرون نفسها مسؤولة عن حماية العائلة النووية وقيمها واعتبرت الإنجاب واجبًا وطنيًا وبناءً على ذلك أصدرت المرسوم رقم 659/74 القاضي بمنع بيع وسائل منع الحمل في الصيدليات أو تزويد المعلومات عنها كما أُغلقت في عهدها عشرات العيادات المختصة بتنظيم الأسرة. أمام هذه الإجراءات وارتفاع الأصوات المنادية بحصر دور النساء بالإنجاب وتقييد إمكانياتهن بتحديد شكل الحياة والعائلة التي يرغبن بتأسيسها، خرجت الناشطات النسويات إلى الشارع وطالبن بإلغاء المرسوم وإنهاء سياسة التحكم بحقوقهن الإنجابية. كانت تلك المرة الأولى التي تظهر فيها قضية الحقوق الإنجابية كمطلب سياسي صريح يتجاوز غرفة النوم والعلاقة الزوجية، ومثّلت البيانات والمناشير التي صاغتها مجموعة دراسة السياسات الجنسية أوّل خطاب واضح ومباشر ضد الأمومة القسرية.

سنوات الديكتاتورية: صراع على البقاء

رغم إرهاب الدولة المنظّم الذي ساد فترة حكم إيسابيل بيرون القصيرة، تبقّى هامش ضيّق محفوف بالقيود للتنظيم السياسي المعارض والحراك النسوي غير أن هذا الهامش تلاشى بشكل كامل بعد الانقلاب العسكري في 24 آذار/مارس 1976 وبداية الديكتاتورية العسكرية الأخيرة (1976-1983). لم تكتفِ الحرب القذرة أو «عملية إعادة التنظيم الاجتماعي» التي قادتها السلطات الأرجنتينية -مدعومةً من الولايات المتّحدة- باستخدام القوة الفجة والقمع المباشر من خلال عمليات التعذيب والتصفية والإخفاء القسري والاغتيالات والإقالة التعسفية. ركّز الوجه الآخر لعملية إعادة التنظيم الاجتماعي على إرساء منظومة قيم يمينية محافظة ومتماهية مع الكنيسة الكاثوليكية ورؤيتها في الحفاظ على هرمية العائلة النووية والتشجيع على زيادة المواليد ومحاربة محاولات تنظيم الأسرة بوصفها عملًا منافيًا للطبيعة والأخلاق. بالمقابل، حظيت السلطات العسكرية بتأييد حار من قيادة الكنيسة سواء في الأرجنتين أو في الفاتيكان وشارك رجال دين بارزون من قمة الهرم الكنسي الأرجنتيني في حملات الدعاية والعلاقات العامة التي أدارها النظام العسكري الأرجنتيني لتجميل صورته دوليًّا والتصدّي للانتقادات التي طالته بسبب تورّطه بانتهاكات حقوقية جسيمة. في حملة العلاقات العامة التي شاركت فيها الكنيسة نيابةً عن النظام العسكري، أبرزت مساهمة الدولة المهمة في حماية «حقوق» الأجنّة ومكافحة الإجهاض كدليل على التزام الدولة بحقوق الإنسان.

«بأي قيم تتشدّق دول أخرى بينما تحاول تحديد النسل منتهكة بذلك حقوقًا طبيعية وأخلاقية ودينية؟» ردّ المونسنيور أنطونيو بلاسا على إدانة منظمة العفو الدولية جرائمَ الديكتاتورية الأرجنتينية في العام 1978. اشتهر بلاسا بتعاونه المباشر مع الجيش والشرطة وتسليم ابن أخيه للشرطة العسكرية وزيارة السجون ومعسكرات التعذيب ومساندة جرائم الإخفاء القسري واختطاف الرضّع من أمّهاتهم المعتقلات، مما يوضح حدة المفارقة في ادّعائه الدفاع عن العائلة وحقوق الأطفال والأمومة.

«يجب أن لا يقتصر دور مبعوثي لجنة التحقيق على زيارة السجون وإدانة التعذيب» أضاف المونسنيور أوكتافيو ديريسي رئيس الجامعة الكاثوليكية الأرجنتينية تعليقًا على زيارة لجنة التحقيق التابعة لمحكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان إلى الأرجنتين في العام 1979. «على اللجنة أن تدرس مشكلة الإجهاض كونها انتهاكًا لحقوق الإنسان. هذه هي المشكلة الوحيدة التي نعاني منها في الأرجنتين اليوم. فيما عدا ذلك ينبغي أن تكون الأرجنتين فخورة بالسلام السائد هنا حيث يمكن لكل امرأة أن تخرج من بيتها ليلًا وهي مطمئنة».

ليس هذان التعليقان إلا لمحة بسيطة عن الارتباط العضوي بين النظام العسكري والكنيسة واستخدام موضوع الإجهاض كدعاية مضادة لإسكات أي انتقاد قد يتعرض له النظام الأرجنتيني. رجال الدين الذين حاربوا الإجهاض واعتبروه جريمة دافعوا عن جرائم اختطاف الأطفال وتغاضوا عن تفتيت الأسر الذي سببته سياسات النظام الأمنية والاقتصادية. رجال الدين الذين حملوا راية قداسة الأمومة وتعاملوا مع الإجهاض كخطيئة وانتهاك للأمومة عملوا كذلك على التحريض ضد الأمّهات اللواتي تحدّين القبضة الأمنية وتظاهرن في ساحة مايو للمطالبة بالإفراج عن أبنائهن المعتقلين والكشف عن مصير المختفين قسرًا. في هذا المناخ العام من الإبادة السياسية وتحت وطأة استبداد ثالوث الدولة-العسكر-الكنيسة، كان الحديث عن أي شيء آخر غير البقاء والنجاة يعد ترفًا.

عودة الديمقراطية: «لا نريد أن نجهض ولكننا لا نريد أن نموت»

سبعة أعوام من الديكتاتورية العسكرية والقمع الممنهج والإفقار تخلّلتها حرب خاسرة سلفًا مع بريطانيا ألقت بالأرجنتين إلى حافة الانهيار الاقتصادي وخلقت شرخًا اجتماعيًا هائلًا وجراحًا قد تستغرق عقودًا كي تندمل. انعكس هذا في السنوات الأولى من ولاية راؤول ألفونسين (1983-1989) حيث تمحور النقاش العام حول قضايا مرتبطة بالعدالة الانتقالية والمحاسبة وتثبيت مؤسّسات الديمقراطية الهشّة ومنع انقلاب جديد وإنقاذ الأرجنتين اقتصاديًا. لم تُصنَّف القضايا المعرّفة على أنها نسوية بحتة ضمن الأولويات ولكنها في الوقت عينه لم تغب تمامًا عن الأجندة. عبّرت الحركات النسوية في الأرجنتين آنذاك عن موقفها من الإجهاض بهذه الكلمات: «لا نريد أن نجهض ولكننا لا نريد أن نموت بسبب الإجهاض أيضًا». يدل هذا الشعار على أن الحركات النسوية في الأرجنتين كانت مضطرة إلى المحافظة على سقف منخفض في خطابها لأن موضوع الإجهاض اعتبر من المحرّمات ولأن الظرف الموضوعي لم يكن ناضجًا لطرحه. لذلك فضّلت النسويات الأرجنتينيات استخدام مصطلحات مثل الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة عوضًا عن العدالة الإنجابية والإجهاض والتعامل مع الموضوع كمسألة صحة عامّة لا كمسألة سياسيّة.

بقي الإجهاض من الممنوعات لكن الطلاق –وزواج المطلّقين مرة أخرى- المحظور في الأرجنتين منذ الحقبة الاستعمارية أصبح ممكنًا وقانونيًا في العام 1987. «هذا القانون سيدمر الأسرة وسيدمر قيمنا الأخلاقية والاجتماعية» ردّت الكنيسة الكاثوليكية على تعديل قانون الزواج المدني الذي تبنّاه البرلمان الأرجنتيني في حزيران/يونيو 1987. يخوّل التعديل المحاكم المدنية بالمصادقة على الطلاق برضا الطرفين بعد سنة من الانفصال كما يمكّن شخصين مطلّقين من الزواج مرة أخرى، الأمر الذي كان ممنوعًا قبل القانون. شكّل مرور هذا القانون أكبر هزيمة برلمانية للكنيسة الكاثوليكية ولمجموعات الضغط التي تمثلها في مجلسي الشيوخ والنوّاب وترك انطباعًا بأن تطبيق سياسات اجتماعية تقدّمية وعلمانية لم يعد عصيًّا بالضرورة. في العام نفسه أسّست مجموعة من الناشطات النسويات اليساريات بقيادة المحامية والنقابية التروتسكيّة دورا كوليديسكي (1928-2009) اللجنة المستقلّة للحق في الوصول إلى الإجهاض بعد عام واحد على انعقاد اللقاء القُطري الأول للنساء الأرجنتينيات. عملت اللجنة على توزيع النشرات وتنظيم المحاضرات وحلقات النقاش وعقد ورشات في المشافي والجامعات وأماكن العمل حول الصحة الإنجابية والحق في الإجهاض الآمن. أكّدت كوليديسكي التي عادت من المنفى بعد سقوط الديكتاتورية أن العاملات في المصانع سبقن الناشطات النسويات المؤطّرات في تحدّي تابو الحديث المباشر والعلني عن الإجهاض وعن حق النساء بالسيادة على أجسادهن بدون زخارف أو تلعثم.

في 25 أيّار/مايو 1990، نظّمت كوليديسكي ورفيقاتها أول حلقة نقاش عامّة للجنة الحق في الإجهاض في ميدان بالقرب من مقر البرلمان الأرجنتيني في محاولة لإثارة الرأي العام ولكن منظِّمات الورشة ومن بينهن نسويات ومدرّسات وأمّهات المختفين قسرًا وناشطات من حركة «كاثوليكيات مدافعات عن الحق بالاختيار» تعرّضن للمضايقات والشتائم واتهمن بالتحريض على القتل. في ظل الرفض الشعبي العام، رأت النسويات الأرجنتينات ضرورة وجدوى بالتحالف والتشبيك مع ناشطات من كافّة بلدان أميركا اللاتينية والكاريبي للتفكير باستراتيجيات مشتركة للعمل على إنهاء تجريم الإجهاض وكسب المزيد من الالتفاف الشعبي في القارّة. في تشرين الثاني/نوفمبر 1990 اجتمعت 200 ناشطة نسوية في مدينة سان برناردو الأرجنتينية ضمن فعاليات المؤتمر الخامس لنسويات أميركا اللاتينية والكاريبي وخرجن بإعلان سان برناردو الذي دعا إلى ضمان الحق في الوصول إلى الإجهاض ووسائل منع الحمل (للنساء والرجال) بشكل آمن ومجّاني وأعلن عن الثامن والعشرين من أيلول يومًا للنضال لأجل الحق في الإجهاض القانوني في أميركا اللاتينية والكاريبي.

العقد النيوليبرالي: المساومة على أجساد النساء

بعد أشهر قليلة على انتخابه رئيسًا للجمهورية الأرجنتينية في العام 1989 سارع كارلوس ساؤول منعم إلى عرض أوراق اعتماده في البيت الأبيض مؤكّدًا لرئيس الولايات المتحدة آنذاك جورج بوش أن الأرجنتين ستسعى إلى استعادة «شرعيتها» وعقد صداقة متينة مع الغرب. شملت جهود منعم لـ«إعادة تأهيل» الأرجنتين خارجيًّا إرسال سفن حربية للقتال في حرب الخليج إلى جانب التحالف بقيادة الولايات المتحدة وإصلاح العلاقات الديبلوماسية المنقطعة مع بريطانيا منذ حرب الفوكلاندس/المالفيناس في العام 1982 والانخراط الكامل في السوق العالمية. أما داخليًا، وبارتباط وثيق مع سياسته الخارجية، فقد طبّق منعم خلال ولايتيه الرئاسيتين (1989-1999) سياسات خصخصة واسعة استهدفت شركات الاتصالات والخطوط الجوية والمواصلات العامة وخدمات البنى التحتية وقنوات تلفزيونية وشركة المياه الوطنية وشركة الغاز الوطنية وآبار نفط وشركات فولاذ وغيرها من الموارد والشركات العامة. تغنّى منعم بفتح الأرجنتين أمام الاستثمار الأجنبي وتوسيع سوق الخدمات بمقابل إضعاف الصناعات المحلية مما خلق طفرة نمو سطحية استترت من خلفها نسب بطالة متزايدة وتضخّم وتراكم ديون الأرجنتين الخارجية وإفلاس المصانع المحلية.

ولكن، أين حقوق النساء والحقوق الإنجابية، وهي محور دراستنا، من هذه السياسات؟

وظّف كارلوس منعم حقوق النساء وأجسادهنّ كبش فداء لنيل مباركة الكنيسة على سياسات سحق الطبقات الفقيرة التي لطالما زعمت الكنيسة رعايتها وتمثيلها. في العام 1994، عرض منعم مشروعًا لإجراء عدة تعديلات دستورية، بالتوافق مع الرئيس السابق راؤول ألفونسين، تضمنت مقترحًا بالاعتراف بـ«حق الجنين في الحياة» من خلال الإشارة إلى أن الحق في الحياة يبدأ مع لحظة بداية الحمل حتى الوفاة الطبيعية. لم يكن ذلك التعديل ليبقي الإجهاض مخالفة جنائية فحسب بل كان سيحوله لانتهاك دستوري ويجرّم الإجهاض بشكل مطلق. وتمامًا كما كانت الحال قبل عشرين سنة عقب مرسوم إيسابيل بيرون القاضي بمنع بيع وسائل منع الحمل في الصيدليات، وجدت النشاطات النسويات أنفسهن مجبراتٍ على «تسييس» الحق في الوصول إلى الإجهاض والحقوق الإنجابية ونقلها من الحيز الصحي والاجتماعي إلى المجال السياسي، ليس لأنهن خططن لذلك ضمن مبادرة مدروسة بالضرورة بل لأن قمّة الهرم السياسي فرضت هذا التسييس.

بموازاة انعقاد المجلس الدستوري الذي ناقش مقترح التعديل، عقدت 108 منظمة وحركة نسوية لقاءً للرد على التعديلات ووجهت رسالة مفتوحة للمجلس الدستوري. نصت الرسالة على أن التعديل الدستوري المقترح لا يمثل إلا فئة واحدة من المجتمع الأرجنتيني وهي تلك المستحوذة على السلطة بينما يستثني النساء وهنّ المتأثّرات بهذا التعديل وأضافت بأنه لو كانت الحكومة معنية فعلًا بحماية الحق في الحياة وتحسين أوضاع الأطفال كان ينبغي عليها فعل ذلك من خلال تبنّي سياسات وقوانين موجّهة لضمان العدالة الاجتماعية وتحسين الظروف المعيشية.

«السياسات النيوليبرالية المتبعة خلال التسعينيات أنّثت الفقر، ولكن التمرد الذي نشهده منذ احتلال مصنع بروكمان أنّث المقاومة».

شكّلت الحركات والمؤسسات النسوية تحالفًا باسم «نساء مجتمعات من أجل الحق بالاختيار» حضر نقاشات المجلس الدستوري وأصدر بيانات مناهضة للمقترح أكّد أولها على حقّ كل امرأة بإنهاء حملها خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل في حال اختارت هي ذلك. أضاف بيان آخر أن «حكومة تعفو عمن ارتكبوا جرائم القتل الممنهج، بما فيها قتل النساء الحوامل وحرمان الأمهات المعتقلات من أطفالهن، لا تمتلك أي شرعية بشن حملة ضد الإجهاض تحت مطية الدفاع عن الحق في الحياة». نجح الضغط النسوي المكثف بتحقيق تسوية معينة في التعديل الدستوري الجديد حيث ذكر النص النهائي والمبهم من البند بأن الحكومة ملزمة بتوفير برنامج رفاه اجتماعي شامل من شأنه حماية الطفل غير المرغوب به منذ بداية الحمل وحتى نهاية التعليم الأساسي». لم تكن هذه التسوية مرضية للنسويّات بأي حال من الأحوال ولكن النقاش الذي رافق المقترح منحهنّ فرصة لرفع سقف خطابهنّ ووفر مساحة عامة لحوار لم تكن متاحة أو ممكنة. وبعيدًا عن الضجة الإعلامية التي سببها نقاش مقترح التعديل الدستوري، استمرت ناشطات اللجنة المستقلة للحق في الإجهاض بعملهنّ الصامت واليومي لإحداث تغيير على المستوى الشعبي من خلال زيارات متواصلة إلى المحافظات المختلفة والحوار مع نساء يتفقن أو يختلفن معهن والإصغاء لتجاربهن.

بالمقابل، وعلى وقع ارتفاع نسبة البطالة وتصعيد الحراك الشعبي الرافض لسياساته النيوليبرالية، تابع كارلوس منعم حملته الخاصة لتجريد النساء من سيادتهن على أجسادهن. بعد شهر من لقائه البابا يوحنا بولص الثاني في الفاتيكان في العام 1998، أصدر منعم مرسومًا رئاسيًا أعلن فيه عن يوم الخامس والعشرين من آذار/مارس من كل عام يومًا وطنيًا لـ«حقوق» الجنين وشارك بنفسه بتدشين هذا اليوم في العام 1999 برفقة مجموعة من رجال الدين وناشطين وناشطات من التيار اليميني المحافظ. كانت مراوغة شعبوية من كارلوس منعم لحرف الانتباه عن الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي عصفت بالأرجنتين جراء سياساته وهذا الاستعراض الشعبوي لم يخلُ من النفاق وازدواجية المعايير. بعد ستة أشهر على غزوة منعم الشعبوية التي تقلّد فيها صليب الدفاع عن «حياة» من لم يولدوا بعد، كشفت زوجته السابقة سليمة جمعة أنه شجّعها وساعدها على الإجهاض في العام 1986. يعيدنا تصريح جمعة إلى نقطتين مركزيتين كنّا قد شددنا عليهما في الجزء الأول من المادة. بالنسبة للأثرياء وممثّلي النخب، الإجهاض السرّي امتياز يسعون للإبقاء عليه لتلافي الفضيحة، وعدم قانونيته لا يؤذيهم فهم قادرون على توفير إجهاض آمن بظروف مثالية. السرّية لا تقتل إلا الفقراء، وأجسادُ النساء الفقيرات وحياتهن وكرامتهن يمكن الاستغناء عنها بنظر الدولة ومؤسساتها وقياداتها. يظهر اعتراف جمعة كذلك بأن حرب النخبة الأبوية والكنسية على الحق في الإجهاض لا تحرّكها أي قيمة إنسانية ولا تدفعها خشية صادقة على الحياة. ما يشعل فتيل هذه الحرب هو إصرار المنظومة الأبوية-الدينية-الرأسمالية على التحكّم بأجساد النساء وتحويلها إلى بيادق في معركة فكرية وبطاقات تفاوض ومقايضة في الحلبة السياسية.

الانتفاضة الشعبية: النسوية تعود إلى الشارع

خلف فرناندو دي لا روا كارلوس منعم في رئاسة الجمهورية في العام 1999. تابعت الأرجنتين سقوطها الحر نحو الهاوية وغادرها المستثمرون الأجانب وبلغت معدّلات الدين الخارجي مستوياتٍ قياسيّةً وتوقّفت مجلّة الـ(Economist) بشكل مفاجئ عن نشر المقالات والتحليلات المهللة للإصلاحات وطفرة النمو والانفتاح والحداثة وما عدا ذلك من ثمار يانعة لسياسات الخصخصة واقتصاد السوق الحرة. كانت حركات البيكيتيروس التي انطلقت في أواسط التسعينيات وشارك فيها محتجون ومحتجات ممن فقدوا وظائفهم بسبب موجات إغلاق المصانع، قد امتدت من بتاغونيا لتصل كل المحافظات الأرجنتينية. اعتمد البيكيتيروس إغلاق الشوارع الرئيسة والحيوية بأجسادهم ونصب المتاريس أسلوبًا لنضالهم ونقلوا ثقل الحراك العمالي من المصنع –الذي طُردوا منه- إلى الشارع الذي يرابطون فيه بعد تجاوز معدلات البطالة العامة 30% (44% في المدن) وفقدانهم المصنع كحيّز للإنتاج والتنظيم والمقاومة. مع نهاية العام 2001 وجد أبناء وبنات الطبقة الوسطى أنفسهم في خندق واحد مع البيكيتيروس بعد حزمة من الإجراءات التقشفية وارتفاع أسعار الأغذية والمحروقات وخفض الرواتب.

بلغت هذه الإجراءات المطبّقة بإيعاز من صندوق النقد الدولي ذروتها في كانون الأول/ديسمبر 2001 حين أعلنت حكومة دي لا روا التجميد الفعلي لحسابات المواطنين لمدة سنة، الإجراء الذي عرف شعبيًا بالـ«كوراليتو». دفعت هذه الإجراءات مجتمعةً أبناء الطبقة الوسطى الذين فقدوا مدخراتهم بين ليلة وضحاها وشاهدوا الأثرياء ورجال الأعمال يهرّبون ثرواتهم خارج الأرجنتين، إلى اللحاق بركب الفقراء والعاطلين عن العمل والنزول إلى الشوارع في بوينس آيرس وغيرها من المدن الأرجنتينية في 19 كانون الأول/ديسمبر 2001. بدأت التظاهرات بالسطو على البنوك والمتاجر الكبيرة (للحصول على الطعام) وتحطيم زجاج مباني الشركات الأوروبية والأميركية والقرع على الطناجر وإطلاق هتاف واحد: «فليرحلوا جميعًا». أدّت الاحتجاجات التي تخللتها اشتباكات دموية مع الشرطة في ساحة مايو وإعلان حالة الطوارئ إلى إسقاط ثلاثة رؤساء في غضون أقل من أسبوعين في نهاية العام 2001.

اندلعت الانتفاضة باستخدام أساليب عفوية للتعبير عن السخط ولكنها أخذت بالتطوّر لتصبح حركة اجتماعية قائمة على احتلال/استعادة المصانع التي هجرها أصحابها وإدارتها ذاتيًّا وإنشاء مجالس أحياء لإدارة الحياة اليومية وتوفير الاحتياجات الأساسية والإشراف على الخدمات الصحية والتعليم الشعبي بشكل مستقل عن الدولة والسلطات المحلية.

ابتكر المنتفضون والمنتفضات أشكالًا متنوعة من التنظيم الأفقي وديمقراطية الشارع المباشرة والتشاركية كانت فيها للنساء أغلبية نوعية وكمية.

طبّقت عاملات مصنع بروكمان للنسيج أول تجربة موثّقة لاحتلال مصنع وإدارته ذاتيًا وتشغيل الآلات بقرار من العاملات في 18 كانون الأول 2001 بعد إعلان مالكه إفلاسه. وحذا حذو عاملات بروكمان آلاف العمال الموزعين على حوالي 400 مصنع وشركة وفندق ومطبعة. «السياسات النيوليبرالية المتبعة خلال التسعينيات أنّثت الفقر» قالت الناشطة ليليان داونس بإشارة إلى الآثار الكارثية التي سببتها سياسات الخصخصة والسوق الحرة على النساء بشكل خاص. «ولكن التمرد الذي نشهده منذ احتلال مصنع بروكمان أنّث المقاومة».

وتحديدًا لأنهن تواجدن في الصفوف الأمامية لتحركات إغلاق الطرق ضمن البيكيتيروس وأشرفن على إنشاء مجالس الأحياء وإدارة الحياة اليومية، خلقت النساء المنتفضات مساحة أوسع لطرح قضاياهن كنساء فقيرات وعاملات ومقاومات وكان من بين النقاط التي أثرنها أن النساء لسن آلاتٍ للإنجاب وأنّ هرمية العائلة تكرّس دورها القهري.

اتّكأت انتفاضة 2001 على مبدأ استعادة الفضاء العام غير أن عمليات الاستعادة التي مارسها الأرجنتينيون والأرجنتينيات لم تقتصر على استعادة الحيز الفيزيائي كالمصنع أو مكان العمل أو الحي بل شملت كذلك استعادةَ النساء أجسادهن من هيمنة الدولة والمؤسسة الدينية ورأس المال. «فليرحلوا جميعًا» لم يكن شعارًا موجهًا لرؤساء الجمهورية والسياسيين ومحافظي البنوك ولم ينحصر بالأفراد بل تخطّاهم ليطال صندوق النقد والبنك الدولي والشركات الأجنبية الكبيرة والمؤسسات المهيمنة وبنى القوى السائدة. بعد انتفاضة كانون الأول 2001 غادرت النسوية أروقة المنظمات غير الحكومية ومكاتب مؤسسات حقوق الإنسان وعادت إلى مكانها الطبيعي، عادت إلى الشوارع والأحياء والمصانع المدارة ذاتيًا والمنازل والتعاونيات.

أمّا على صعيد الحقوق الإنجابية تحديدًا فتجدر الإشارة إلى العام 2003 كنقطة مفصلية في سيرورة الحراك. نظّمت الناشطات النسويات اللقاء القُطري الثامن عشر للنساء في آب/أغسطس 2003 في مدينة روساريو ووضعن إلغاء تجريم الإجهاض والعمل على تشريعه كأولوية سياسية ونضالية وانبثق عن اللقاء اجتماع أسبوعي مفتوح لمناقشة الخطوات المستقبلية. اختتمت المشاركات اللقاء بالسير في تظاهرة حاشدة ضمّت قرابة 10 آلاف متظاهرة إلى الكاتدرائية المركزية في روساريو للمطالبة بالحق في الوصول إلى الإجهاض الآمن وإنهاء تدخل الكنيسة بحياتهن وأجسادهن. «لو كان البابا امرأةً لأصبح الإجهاض قانونيًا» صرخت المتظاهرات. اتهمت قيادة الكنيسة المتظاهرات بأنهن مخربات شيوعيات ومندسّات لا يمثّلن الشعب الأرجنتيني أو النساء الأرجنتينيات «الصالحات».

هنّ نساء فقيرات من لحم ودم لم يطالبن بأكثر من الاعتراف بإنسانيتهن وبحقهن بالحياة والكرامة في ظل منظومة لا تنفك تذكّرهنّ أنهنّ غير جديراتٍ بالحياة والكرامة

«يمكننا اعتبار اللقاء في روساريو نقلةً نوعية وكمّية في الحراك المطالب بتشريع الإجهاض» قالت الناشطة سليمة بالما. «لم يعد الحراك حكرًا على نسويات الطبقة الوسطى. انضمت نساء حركات البيكيتيروس والعاملات والفلاحات والأمّهات الوحيدات».

في أيار 1990 لم يتجاوز عدد الناشطات اللائي دعون إلى تشريع الإجهاض خمسين امرأة وفي آب 2003 اقترب عددهن من الـ10 آلاف. لم ترتفع الأعداد فحسب بل ارتفع سقف الخطاب واتّسعت رقعة المشاركة وانتقل الحراك من مرحلة رد الفعل إلى المبادرة وسادت القناعة بأن القضيّةَ سياسيّةٌ بجوهرها.

لم يكن الحراك متجانسًا بطبيعة الحال، وبرزت خلال التنظيم واللقاءات والنقاشات عدة اختلافات وتناقضات سواء من حيث الاستراتيجيات التي ينبغي اتباعها أو من حيث الأهداف الثانوية. هنالك من انتقدن الخطاب الحقوقي الذي رفعه الحراك وآثرن استخدام خطاب نسوي ثوري، وهنالك من رأين بأن الخطاب الحقوقي ضرورة لا بد منها في محاولة إلغاء التجريم وكسب المزيد من الحلفاء والمتضامنين. هنالك من أخذن على الحراك تركيزه على الوصول إلى أعضاء البرلمان خشية تحول الحراك إلى مجموعة ضغط برلمانية وفقدان حضوره في الشارع، وهنالك من شدّدن على أهمّية التشبيك وبناء علاقات تشاركية مع أعضاء البرلمان. هنالك من عارضن بشدّة أي تحالف أو تقارب مع إدارة نستور كيرشنر (2003-2007) حتى ولو على أساس التقاء المصالح واعتبرنها الوجه المجمّل لنيوليبرالية التسعينيات وإنْ بطلاء تقدّمي. وهنالك من اعتقدن أنه يجب الاستفادة من خطاب كيرشنر التقدّمي والمستند إلى العدالة الاجتماعية والداعم لانتفاضة كانون الأول 2001 واستثمار التغيير الذي وعد به لضمان تأييد الحكومة في قضية إلغاء التجريم.

لم تفتّت هذه الاختلافات حراك العدالة الإنجابية في الأرجنتين لكنها لا تزال حاضرة إلى الآن بل وزادت حدّتها أثناء ولايتي كريستينا فرنانديس دي كيرشنر (2007-2015).

الحملة الوطنية: رفع السقف نحو الحق في إجهاض قانوني وآمن ومجاني

لم تحل الاختلافات حول تحديد الاستراتيجيات وتعريف الأهداف الثانوية دون تشكيل المجموعات التي نظّمت لقاء روساريو في العام 2003 ولقاء ميندوسا في العام 2004 ائتلافًا مستقلًا جامعًا تحت مظلّة الحملة الوطنية للحق في الوصول إلى إجهاض قانوني وآمن ومجاني. «لا شك بأن موقف الكنيسة المتطرّف ساهم في توحيد الحركة النسائية خلف مطلبٍ رئيسٍ واحد وهو إنهاء التجريم» تنوّه المربية والناشطة المخضرمة مارتا ألانيس، إحدى مؤسّسات حركة «كاثوليكيات مدافعات عن الحق بالاختيار». اجتمعت المركّبات المختلفة للحراك في 14 أيار 2005 في مدينة كوردوبا واتفقت على تشكيل الحملة التي انطلقت بشكل رسمي في 28 أيّار 2005 وضمّت عند تأسيسها حوالي سبعين حركة مختلفة متخذةً المنديل أو الوشاح الأخضر، الذي استخدم للمرة للأولى في تظاهرة روساريو في العام 2003، رمزًا لها. يشار إلى أن الأوشحة الخضراء التي تحمل شعار «تربية جنسية كي نقرر ووسائل منع حمل كي لا نجهض وإجهاض قانوني كي لا نموت» هي من تصميم الفنانة والنحاتة الأرجنتينية روكسانا بيوتو وتُحاك وتصنع في تعاونيات وورشات نسيج نسوية مدارة ذاتيًا من بينها «تعاونيّة ناديا إتشاسو» للمتحولات جنسيًا وعابرات الجنس.

كان تحالف الكنيسة مع الديكتاتورية العسكرية في السبعينيات ومن ثم تواطؤها مع سياسات كارلوس منعم الكارثية في التسعينيات قد خلقا شرخًا بين الكنيسة والطبقات الفقيرة.

لم تكن الحملة الوطنية جسمًا متجانسًا ولكّنها حاولت الارتكاز إلى إرث الديمقراطية التشاركية والتنظيم الأفقي المستمد من انتفاضة العام 2001 وحركاتها الاجتماعية. استهلّت الحملة نشاطاتها بتعميم عريضة تطالب بإنهاء تجريم الإجهاض وحصلت العريضة على أكثر من 80 ألف توقيع وخرجت الحملة في أول تظاهرة شعبية في بوينس آيرس للمطالبة بإنهاء تجريم الإجهاض في 25 تشرين الثاني 2005، اليوم العالمي لمناهضة كافة أشكال العنف ضد النساء. رفعت المتظاهرات صورة الشابّة رومينا تيخيرينا التي حكم عليها بالسجن أربعة عشر عامًا في 10 حزيران 2005 بعد إدانتها بقتل طفلتها الرضيعة. كانت تيخيرينا في الثامنة عشرة من عمرها حين حملت بعد تعرّضها للاغتصاب من قبل إدواردو فارغاس في العام 2002 ولم يسمح لها بإجراء إجهاض. «عندما نظرت في عيني ابنتي رأيت وجه الرجل الذي اغتصبني» قالت تيخيرينا أثناء محاكمتها.

بينما برّأ القضاء ساحة فارغاس من تهمة الاغتصاب، سجنت تيخيرينا وأُدينت وحكم عليها رغم معاناتها من اكتئاب ما بعد الولادة وتأكيدها تعرضها للاغتصاب. أصبحت قضيّة تيخيرينا وغيرها من الفتيات والشابات اللواتي دفعن ثمن تجريم الإجهاض إمّا بحريتهن أو بحياتهنّ صرخةً تردّدها ناشطات الحملة ودافعًا لتغيير الصيغة القانونية الراهنة. قدّمت الحملة أول مشروع قانون لضمان الحق في الوصول إلى إجهاض قانوني وآمن ومجاني في 28 أيار 2007 بعد عام على سنّ قانون التربية الجنسية الشاملة الذي دعمته الحملة كذلك. تزامن طرح مشروع القانون الذي طالب بتأمين إجهاض مجاني وآمن في المشافي الحكومية خلال الثلث الأول من الحمل مع أجواء من الحزن والغضب خيّمت على الحركة النسائية في الأرجنتين بعد وفاة الشابة آنا ماريا أسيبيدو في 17 أيار 2007. في تشرين الثاني/أكتوبر 2006 شخّص الأطباء إصابة آنا ماريا، ابنة التسعة عشر عامًا وأم لطفلين من محافظة سانتا فيه، بالسرطان. رفض الأطباء تزويدها بعلاج الأشعّة لأنها كانت قد دخلت الأسبوع الثالث من حملها وإجراء العلاج تطلّب إنهاء الحمل. تقدّمت آنا ماريا وعائلتها إلى مدير المشفى بطلب إجراء الإجهاض وتوفير العلاج الضروري لإنقاذ حياتها لكن مدير المشفى رفض ذلك مشترطًا موافقةً قضائية لم تتمكن العائلة من تحصيلها. لمدة خمسة أشهر لم تتلقَّ آنا ماريا أي علاج باستثناء المسكّنات وعندما خضعت لعملية قيصرية في نيسان/أبريل 2007 وضعت جنينها ميتًا. أكّدت مأساة آنا ماريا ومن قبلها رومينا تيخيرينا أن ضحايا قانون تجريم الإجهاض وطريقة تطبيقه وتفسيره من قبل الجهاز القضائي والطبي ليسوا ضحايا متخيّلين أو افتراضيين. هنّ نساء فقيرات من لحم ودم لم يطالبن بأكثر من الاعتراف بإنسانيتهن وبحقهن بالحياة والكرامة في ظل منظومة لا تنفك تذكّرهنّ أنهنّ غير جديراتٍ بالحياة والكرامة. لم تتوقّع ناشطات الحملة الوطنية للحق في الوصول إلى الإجهاض أنّ هذه المنظومة ستتنازل بسهولة وستعترف بإنسانية النساء وكرامتهنّ دون مقاومة. من هنا، لم تهدف الحملة الوطنية عبر تقديم مشروع القانون الأول في العام 2007 إلى تمرير القانون بقدر ما سعت إلى توسيع دائرة النقاش العام وفرض الموضوع كأولوية سياسية. اعتبرت الحملة الوطنية تقديم مشروع القانون الأول محاولة لجس نبض الشارع ومدى تقبله للتغيير من جهة، وخطوةً إضافيّةً نحو رفع السقف وإلقاء

حجر في المياه الراكدة من جهة أخرى

لم ترُق هذه المحاولة للكنيسة وللتيارات الأصولية ولكنّها هذه المرّة عدّلت بعض الشيء من أسلوب المواجهة واستخدمت الخطاب الحقوقي والمناهض للديكتاتورية لصياغة معادلة من طرفين متساويين. جرائم الديكتاتورية من تعذيب واختفاء قسري واختطاف أطفال مقابل «جريمة» الإجهاض. لم تنطلِ هذه المعادلة على شرائح متعاظمة من الشعب الأرجنتيني لثقتها بأنّ الكنيسة لم تتعامل بأي يوم من الأيام مع ما اقترفته الديكتاتورية كجرائم تستحق العقاب بل أنها دافعت وبضراوة عن طيّها وإفلات المسؤولين عن ارتكابها من المحاسبة. كان تحالف الكنيسة مع الديكتاتورية العسكرية في السبعينيات ومن ثم تواطؤها مع سياسات كارلوس منعم الكارثية في التسعينيات قد خلقا شرخًا بين الكنيسة والطبقات الفقيرة فأصبحت قيادة الكنيسة موصومة بالنفاق وازدواجية المعايير في نظر الكثير من الأرجنتينيين وحتى الكاثوليكيين المؤمنين منهم. مع فقدان الشرعية الشعبية التدريجي تعيّن على الكنيسة عقد حلف غير مريح مع حكومة كريستينا فرنانديس دي كيرشنر وتجاوز الاختلافات الفكرية الجذرية معها. لم تكن إدارة فرنانديس يساريّةً ولكنها بنت تحالفات مع حركات اجتماعية يسارية بما فيها بعض مجموعات البيكيتيروس وتبنّت بعض السياسات الداعمة للمصانع المدارة ذاتيًا وطرحت برنامجًا يمكن وصفه بالديمقراطي الاجتماعي. لن نخوضَ هنا بمراجعة إرث فرنانديس السياسي المركّب وسنكتفي بمناقشة موقفها من الحراك النسوي الدّاعي إلى إلغاء تجريم الإجهاض. كيف تعاملت أول رئيسة جمهورية منتخبة في الأرجنتين مع إحدى أكثر القضايا أهمّيةً وتأثيرًا بالنسبة للنساء؟

رئيستنا امرأة: نعم لزواج المثليين، لا للإجهاض

«لست تقدّمية، أنا بيرونيّة» أجابت كريستينا فرنانديس دي كيرشنر حين سُئلت عن سبب معارضتها للحق في الإجهاض قبل تولّيها الرئاسة، وأضافت لاحقًا أن معارضتها للإجهاض غير نابعة من كونها كاثوليكية مؤمنة فحسب بل من «قناعة عميقة». أكّدت كريستينا مناهضتها لإلغاء تجريم الإجهاض خلال حملتها الانتخابية وحافظت على هذا الموقف خلال سنواتها الثماني في سدّة الحكم حيث استخدمت صلاحياتها لقطع الطريق أمام مناقشة أي من المشاريع التي طرحتها الحملة الوطنية للحق في الوصول إلى الإجهاض في البرلمان. في العام 2012، أوصت كريستينا اللجنة البرلمانية المخوّلة بدراسة تعديل قانون العقوبات باستثناء المواد التي تجرّم الإجهاض من أي تعديل محتمل. بموازاة رفض مناقشة أي مشروع قانون لإلغاء تجريم الإجهاض برلمانيًا واستمرار تعنّت السيّدة الرئيسة في موقفها المعارض، سنّ البرلمان الأرجنتيني قانونين هما من الأكثر تقدّميةً على صعيد التعددية الجنسية والجندرية في أميركا اللاتينية وفي العالم: قانون تشريع زواج المثليين في العام 2010 وقانون الهويّة الجندريّة في العام 2012.

في 15 تموز/يوليو 2010 صوّت مجلس الشيوخ لصالح تعديل القانون المدني الأرجنتيني ليسمح لشخصين راشدين من نفس الجنس بالزواج والطلاق وتبنّي الأطفال. في 21 تمّوز صادقت الرئيسة كريستينا فرنانديس على القانون الجديد: «نحن اليوم مجتمع أكثر مساواةً مما كنا عليه في الأسبوع الماضي» أعلنت فرنانديس بعد توقيعها على القانون الذي جعل من الأرجنتين أول دولة تشرع زواج المثليين في أميركا اللاتينية وثاني دولة في الأميركيتين بعد كندا وعاشر دولة في العالم. جاء موقف الرئيسة المتفهّم للقانون بخلاف موقف الكنيسة الكاثوليكية التي هاجمته بقوة واعتبرته، على لسان رئيس مجلس الأساقفة الكاثوليك في الأرجنتين الكاردينال خورخي ماريو بيرغوليو، «مؤامرة شيطانية» و«حربًا على الله» ووبالًا على العائلة وبقائها. (خورخي بيرغوليو هو البابا فرنسيس، الحبر الأعظم الحالي).

أدّى النضال النسوي المتصاعد، في المدن والقرى والجامعات والمحاكم، إلى إنهاء تجريم الإجهاض على المستوى الشّعبي وتغيير الرأي العام واستقطاب دعم شبابي واسع

أمّا في 9 أيّار 2012 فقد صوّت مجلس الشيوخ الأرجنتيني بالإجماع لصالح قانون الهويّة الجندريّة الذي يضمن لكل شخص الحق في الاعتراف بهويّته الجندرية كما يعرّفها ويدركها بنفسه سواء توافق هذا التعريف مع الجنس المسجل عند الولادة أم لا. يتيح هذا الاعتراف للمتحوّلين والمتحوّلات وعابري وعابرات الجنس الراشدين إمكانية تغيير أسمائهم الأولى وصورهم الشخصية في السجلات المدنية بما يتلاءم والهوية الجندرية التي يختارونها بملء إرادتهم دون الحاجة إلى موافقة طبية أو قضائية. يسمح هذا القانون الذي يعد الأكثر تطوّرًا في العالم من حيث الاعتراف بالتعددية الجنسية والجندرية للمتحوّلين وعابري الجنس بالوصول إلى التدخّل الطبّي الذي يطلبونه، سواء من خلال عمل جراحي أو علاج هورموني شامل، لتغيير صفاتهم الجسدية وأعضائهم التناسلية بما يتوافق مع هويتهم الجندرية. رحّبت الرئيسة كريستينا فرنانديس بهذا القانون وأشادت بجهود الناشطات والناشطين الذين ناضلوا لتمريره. «فخورة بأنّ الأرجنتين أصبحت سبّاقةً عالميًّا في مجال احترام التعددية الجنسية» قالت كريستينا بعيد إقرار القانون. «لا أريد أن أصف هذا بالتسامح وأفضل الحديث عن المساواة».

بدورها انتقدت الكنيسة الكاثوليكية هذا القانون على أن الانتقاد لم يكن بذات الحدة التي قوبل بها إقرار قانون تشريع زواج المثليين في العام 2010. أخذ مجلس الأساقفة على المشرّعين «تجاهل المعطيات البيولوجية والطبيعة البشرية» في تحديد الجنسانية وطالب بتخويل الأطبّاء أو موظّفي دوائر النفوس برفض تطبيق هذا القانون لدواعٍ دينيّة أو أخلاقية.

ليست معارضة قيادة الكنيسة للقانونين مستغربة ولكن كيف يمكن تفسير التناقض الظاهر بين موقف الرئيسة فرنانديس المؤيد لتشريع زواج المثليين والمحتفي بقانون الهوية الجندرية وموقفها المعارض لتشريع الإجهاض؟ هنالك عدة تفسيرات محتملة لهذه الدوّامة أو ما يبدو على أنه تناقض صارخ بيد أنّ أيًّا منها لا يوفّر إجابة وافية بمفرده.

يمكن أن نقرأ زواج المثليين كموافقة ضمنية لفئة غير معيارية على الاعتراف بالمؤسسة البرجوازية التي يرتكز إليها الزواج وبناء العائلة المنتجة. بمطالبتها بتشريع الزواج، لا تحاول الحركة المثلية والكويرية هدم هذه المؤسسة أو حتّى تحدّيه إنما تصبو إلى الحصول على بطاقة انتساب إليها. ليس أمام الدولة إلّا تقبّل الأمر الواقع وتوفير بطاقات العضوية، وإنْ على مضض، لأن هذا لا يهدد هيكل الأسرة المنتجة على عكس إتاحة الإجهاض. ترى السلطة أن حركة كويرية تقبل بقواعد اللعبة وبمنظومة القيم السائدة خيرٌ من حركة كويرية جذرية تعترض على المنظومة بأسرها.

يمكن، كمتابعةً لهذا المنطق، تحليل التناقض المفترض بين تأييد تشريع زواج المثليين وتأييد الحفاظ على تجريم الإجهاض من منظور طبقي. دافعت كافّة مركّبات الحركة الكويرية والمثلية في الأرجنتين عن تشريع زواج المثليين حتى وإن اعتبرته المكوّنات الجذرية محاولة لتدجين الحركة الكويرية وتمييع نضالها. لكن رغم إجماع مختلف مركّبات الحركة الكويرية على دعم تشريع زواج المثليين فلا شك بأنّ داعمي هذا الحراك المطلبي الأكثر بروزًا، وليس بالضرورة الأكثر نشاطًا، مثليون بيض من أبناء الطبقة الوسطى الذين يحظون باعتراف اجتماعي واسع، الأمر الذي ساهم في تسهيل قبول مطلبهم المحدد بتشريع الزواج.

لكن المنظور الطبقيّ أو مفهوم امتيازات النخبة التي تتمتع بها فئة معينة من المثليين المعياريين والناجحين، غير كفيل بفهم سبب إقرار قانون الهوية الجندرية. أتى هذا القانون كنتاج معركة طويلة خاضها المتحوّلون والمتحوّلات جنسيًّا وهم أضعف مكوّنات الحركة الكويرية وأكثرها تعرضًا للعنف والتهميش، بما في ذلك عنف وتهميش وإقصاء من قبل المثليين والمثليات المعياريين وجزء ليس بقليل من المجموعات النسوية.

«وضعنا مختلف عن وضع المثليات والمثليين فنحن الأخوات الأكثر فقرًا في الحركة. متوسّط العمر المتوقّع في الأرجنتين هو سبعون عامًا أما في أوساط المتحوّلات وعابرات الجنس فهو ثلاثون عامًا فقط» قالت المناضلة الترانس والشيوعية الراحلة لوهانا بركينس (1965-2016) في أحد حواراتها. «الموت هو ثابت في حياتنا. لقد فقدت مئات الصديقات جراء العنف أو لأن الشرطة قتلتهن أو بسبب عمليات غير قانونية أو فايروس نقص المناعة المكتسبة أو الانتحار».

إذن، يمكننا أن نرجّح أن قانون الهوية الجندرية لم يخرج إلى النور بفضل امتيازات اجتماعية أو طبقية بل بجهود ونضال بركينس ورفيقاتها.

سبب ثالث يمكن أن نعزو إليه التناقض بين الموقف من الحق في الإجهاض وزواج المثليين والتعددية الجندرية هو اهتمام حكومة كريستينا فرنانديس بالترويج لشكل معين من سياسات الهوية والتعددية الثقافية، التعددية الثقافية بعيون نيوليبرالية ونكهة تقدمية، وانشغالها بالغسيل الوردي أو تسخير مواقفها التقدّمية من حقوق المثليين والمتحوّلين لتلميع صورتها خارجيًّا. تستثمر الحكومات التي تتبنّى سياسات الهويّة المنفتحة هذه السياسات في تحسين سمعتها ورغم إثارتها غضب الكنيسة فهذا غضب مؤقّت يمكن احتواؤه لأن تأثير هذه السياسات يبقى محدودًا، أي أن مغانمها تفوق مغارمها في ميزان الربح والخسارة.

قاد هجوم اليمين الشامل على الحركات الاجتماعية والنسوية والنقابية وعلى الفقراء والملونين والنساء والمختلفين إلى بلورة كفاح أفقي ومستقل عن الأحزاب التقليدية.

لكن أيًّا كانت المبرّرات والتفسيرات لهذا التناقض، فقد حققت الحملة الوطنية للوصول إلى الحق في الإجهاض على الأرض ما أخفقت في إنجازه في ردهات البرلمان. أدّى النضال النسوي المتصاعد، في المدن والقرى والجامعات والمحاكم، إلى إنهاء تجريم الإجهاض على المستوى الشّعبي وتغيير الرأي العام واستقطاب دعم شبابي واسع. وهنا نرى من الضروري الإشارة إلى أنّ كريستينا فرنانديس بنفسها غيّرت موقفها من قضية إلغاء تجريم الإجهاض بعد انتهاء ولايتها الرئاسية الثانية بل وصوّتت لصالح قانون وقف الحمل الطوعي في جلسة مجلس الشيوخ في آب الماضي. «يقول البعض أن ابنتي المناضلة النسوية هي التي دفعتني إلى تغيير رأيي ولكن لا» علّقت كريستينا أثناء التصويت على مشروع القانون في مجلس الشيوخ. «من غيّر رأيي هنّ الآلاف المؤلّفة من الفتيات اللواتي خرجن إلى الشوارع. ينبغي أن تضعنا مشاهدة الفتيات وهنّ يواجهن الأسئلة النسوية وينتقدن ويصفن واقع المجتمع الأبوي في موقع مختلف».

هل تخلّت الرئيسة السابقة عن «قناعتها العميقة» متأثّرةً بالجيل الجديد من الفتيات الثّائرات أم لأنّ اتّخاذ المواقف الشجاعة والمعارضة لموقف الكنيسة يصبح أسهل وأقلّ كلفةً خارج قصر الرئاسة؟ ماذا لو التفتت كريستينا إلى النساء والفتيات المدافعات عن حقهن بتقرير مصائرهن خلال الأعوام الثمانية التي كانت خلالها رئيسة الجمهورية؟ ولماذا تأخّرت كل هذه الفترة كي تصغي إلى أصوات النساء اللواتي تحدّين الوضع القائم؟

بصرف النظر عن ردّنا على هذه التساؤلات وسواها فالحقيقة هي أن كريستينا فرنانديس لم تكن الوحيدة التي تغيّر موقفها من قضية تشريع الإجهاض خلال السنوات الأخيرة.

العصيان مستمرّ: لكي لا يهربن من ظلالهن

رغم أهمية التغيير الشعبي الذي حققته الحملة الوطنية، كان من الصعب إنكار أن الإخفاق في عرض الموضوع على التصويت البرلماني في عهد كريستينا فرنانديس شكّل فرصة ضائعة خشي البعض أنها لن تتكرر. لم يكن مستقبل الحراك النسوي الداعي إلى إنهاء تجريم الإجهاض واضحًا في ظلّ أفول نجم الحكومات التقدمية في الأرجنتين وفي أميركا الجنوبية عمومًا وعودة اليمين إلى السّلطة وتصعيد الحملة القمعية والتحريض الرسمي ضد الحركات الاجتماعية والنّسوية وازدياد تأثير وقوة الكنيسة الإنجيليّة الأكثر أصوليّةً حتى من الكنيسة الكاثوليكية.

لكن كما أثبتت التظاهرات النسوية الحاشدة التي شهدتها الأرجنتين خلال الأعوام الأربعة الأخيرة وتصويت مجلس النوّاب لصالح مشروع قانون إنهاء الحمل الطوعي في حزيران الماضي، فإن مقاومة النساء وأصحاب الجنسانيات غير المعيارية لاستعادة السيادة على أجسادهم لم تذوِ مع صعود اليمين إلى الحكم وتحوّل الخطاب العسكري والذكوري والعنصري إلى نهج سلطة. قاد هجوم اليمين الشامل على الحركات الاجتماعية والنسوية والنقابية وعلى الفقراء والملونين والنساء والمختلفين إلى بلورة كفاح أفقي ومستقل عن الأحزاب التقليدية. كفاحٌ نسوي تقاطعي من الأسفل وباتجاه اليسار واجه الدولة ومؤسساتها والسلطة الدينية ومحرّماتها واليمين الأصوليّ وتهديداته رفضًا للوصاية على الجسد أيًّا كان شكلها وتبريرها. بأوشحة خضراء وصور من قتلتهنّ الأبويّة، تواصل الفتيات والنساء الأرجنتينيّات عصيانهنّ اليومي لكي لا تفقدن أمًّا أو ابنةً أو أختًا أخرى ولكي لا يهربن من ظلالهنّ ولكي لا يبقى الاختيار جريمة.