رأي

عن كل شيء إلا النساء

الثلاثاء 08 آذار 2016
ليلى الشوا

سأحتفل اليوم بعيد ميلاد أمي. لن يكون هذا الاحتفال أكثر من اتصال هاتفي أسألها فيه عن أحوالها وأشاركها فيه أخبار فقاعتي الصغيرة. سأسألها عن صحتها التي تحترف إهمالها والفحوصات التي وعدت بإجرائها، وعن حديقتها الصغيرة التي دمرت فرس الجيران الهائمة مزورعاتها. قد نتحدث عن آخر فتوحاتي في المطبخ (اقتحمت مؤخرًا عالم الخَبز) وعن نيتي -الجدية هذه المرة- في التسجيل في نادٍ رياضي قريب، وربما أسهب في تفاصيل يومية أخرى كثيرة، في محاولة مشوشة للتعبير عن الحب وتخفيف الشعور بالذنب لبعدي عنها. لكن المؤكد هو أن آخر ما سيخطر ببالي أو في بالها هو المعايدة بيوم المرأة العالمي.

لطالما مزحت أمي بأن كل نساء العالم يحتفلن بعيد ميلادها، لكنني كنت دائمًا أفكر بأن هذه المصادفة تضيء على العكس تمامًا. حين نحتفل بيوم المرأة، بمن نحتفل حقًا؟

هناك كائن هلامي يُستحضر بجدية ساذجة في اجتماعات المنظمات غير الحكومية وبسخرية وضيعة في أي دائرة حكومية؛ كائن وحيد الهوية، متجانس، لا يعي ذاته، وغالبًا ما يُعرّف ضديًا دون أن يعرفه أحد حقًا؛ كائن اسمه «المرأة»، لا يشبه أمي في شيء.

في مقال بديع، كتبت الشاعرة منى كريم مانيفستو ضد هذه المرأة «التي تظن بوقاحة أننا واحد، (..) التي انتفخت مؤخرتها فوق كرسي مريح من مميزات المواطنة والطبقة والعرق. (..) هذه المرأة تشابه دولتها وطبقتها، لا نساء أخريات».

هذه «المرأة» التي يُحتفل بها اليوم -أو يُشفق عليها- لا وجه لها، بل هي قناع يغطي وجوه النساء المختلفات. هي أداة حجب لا إبراز، تُسقِط لنا دليلًا لما يجب أن نكونه كنساء كرتونيات متّسقات مع ذواتهن إلى أبعد حد. والاحتفاء بها على اختلاف النوايا من ورائه لا يؤدي في النهاية سوى دورًا قمعيًا طامسًا لتجارب النساء في مواقعهن وفرصهن وانحيازاتهن المختلفة، لصالح رواية واحدة موحدة لا تكاد تنطبق على أحد.

لكن من هي هذه المرأة فعلًا؟ إنها تلعب أدوارًا عدة تؤديها حسب الغرض والمناسبة: فقد تكون أمًا عاملة في الديوان الملكي، أو مرشحة للرئاسة الأمريكية، أو فنانة حالمة تثير غيرة صديقاتها المتزوجات. وقد تخاطبنا بأصوات مختلفة، تارة من باب نسويّتها التجميلية المتعجرفة، وتارة من باب توفيقها الاعتباطي بين الدين وكل شيء آخر. هي ببساطة دمية الوضع الراهن التي تلطّف سلطوية المجتمع والنظام السياسي والاقتصادي بتغليفه بـ«أنوثتها». لكنها على اختلاف أدوارها وأصواتها تتجنب دومًا كل ما يخدش اتساقها من أسئلة.

حين نحتفل بالمرأة، هل نحتفل بإنجازات نساء لا يمتلكن طرف المتتالية السحرية «تعليم، فعمل، فاستقلال، فحرية»؟ هل نحتفل بتمرد نساء لا يعدو الحديث عن «الخيار الشخصي» بالنسبة لهن سذاجة متعالية على الواقع؟ هل نحتفل بحنان نساء تركن أطفالهن خلفهن وطرن آلاف الأميال للعمل تحت إمرة امرأة تحتاج للتركيز في عملها الريادي؟ لن تجيبنا على ما سبق «المرأة» السعيدة الواثقة صاحبات الإنجازات والمتمتعة بدعم مطلق من ذكور حياتها.

من السهل التفكير في هذه الأسئلة والميل نحو تبني سردية مظلومية غاضبة ذات بعد واحد (الطبقة، العرق، الدين، الهوية الجنسية..)، لكن ردة الفعل تلك لن تكون إلا رفضًا محضًا يمارس طمس الاختلافات نفسه الذي تمارسه المرأة الدمية، ويسقط في مقتل تراتبية القمع، بتعبير الكاتبة أودري لورد، محاولًا تصنيف الآلام البشرية على سلم الأولويات ومنح ما يراه أشدها وسام الصراع الأساسي.

ليس الحل نفي النسوية على أنها منتج رأسمالي قمعي معني بالوعظ حصرًا، بل قد يكمن في استعادتها كإطار نظري ثوري لرفض أي اعتقاد بتفوق أصيل لجنس أو عرق أو طبقة أو هوية.

في مقالتها الشهيرة «العمر، العنصر، الطبقة، والجنس: النساء يعدن تعريف الاختلاف»، تقول لورد مخاطبةً النسويات البيضاوات اللاتي يتجاهلن وجوه القمع الأخرى: «ثمة بعض المشاكل التي نتشاركها بوصفنا نساءً وثمة البعض الذي لا نتشاركه. فأنتن تخشين أن يكبر أطفالكن لينضموا إلى السلطة الأبوية وينقلبوا عليكن، ونخشى نحن أن يُجرجَر أطفالنا من سيارة ما ويُطلق عليهم الرصاص في الشارع، وأن تدرن ظهوركن لأسباب موتهم». لكن لورد التي تضع يدها على زيف الأخوية التي تبشّر بها النسويات البيضاوات، تساءل مجتمعها الأسود عن ذكوريته كذلك، وتساءل نسوياته أيضًا عن إقصائهن للمثليات جنسيًا. «ببساطة، لا أؤمن أن أي جانب من هويتي يمكن بأي حال أن ينتفع من قمع جانب آخر منها»، تقول لورد.

ليس الحل نفي النسوية على أنها منتج رأسمالي قمعي معني بالوعظ حصرًا، بل قد يكمن في استعادتها كإطار نظري ثوري لرفض أي اعتقاد بتفوق أصيل لجنس أو عرق أو طبقة أو هوية. لقد تحول يوم المرأة العالمي منذ سنوات إلى مناسبة للتندر على كل ما يُربط بالنسوية أو ينسبها لنفسه. بطبيعة الحال، في هذا التندر الكثير مما يمكن صرف النظر عنه بوصفه مجرد ذكورية فجّة أو محاولة للتنفيس عن ذكورية لم يعد لها مكان علني في حياة رجال تهمهم شعبيتهم بشدة. لكن فيه أيضًا ما يؤشر إلى سخط محق تجاه التجاهل الفظ لتعدد وجوه القمع وتداخلها؛ سخط ينطلق من الإقصاء والتنميط وإهمال السياق والاختلافات. وإذا كنّا نريد الخروج من مربع الدفاع الممل عن النسوية أمام من يعتبرها دخيلًا غربيًا غريبًا على مجتمعنا، وخلق شروخ حقيقية في جسد الهيمنة الذكورية، علينا أن نحاول تبديد هذا السخط بتكوين خطاب يعي الاختلافات ويحترمها، ويخدم نساءً حقيقيات مركّبات الهوية، لا امرأة مثالية متخيلة.

* الصورة أعلاه جزء من لوحة «كائنات مهددة بالانقراض»، للفنانة الفلسطينية ليلى الشوا، ١٩٨٨.