«الله يوخذني على عمّان»: كيف أعادت الإنفلونزا في الجفر هاجس التهميش؟

تصوير دانة جبريل

«الله يوخذني على عمّان»: كيف أعادت الإنفلونزا في الجفر هاجس التهميش؟

الأربعاء 10 كانون الثاني 2018

 «إنتِ من عمان؟ الله يوخذني على عمّان وما يرجعني إن شاء الله»، تقول هنوف*، الفتاة العشرينية من قضاء الجفر، وهي على سريرها داخل غرفة عزل في مستشفى معان الحكومي بعد إصابتها بفيروس الـ(H1N1) خلال الأسبوع الثاني لانتشار الفايروس في الجفر، الشهر الماضي. جملة هنوف التي قالتها ضاحكة تلخصّ أحاديث طويلة مع العديد من أهالي قضاء الجفر التي سجّلت أول حالة وفاة بالفيروس في الأردن في العام 2017.

منذ العاشر من كانون الأول الماضي وحتى الثلاثين منه، استقبل مستشفى معان الحكومي ومستشفى الملكة رانيا العسكري 120 حالة مصابة بأمراض تنفسية، ستّون منها اشتُبه بإصابتها بفيروس (H1N1)، وثبتت إصابة أربعين منهم. أدّت هذه الإصابات إلى وفاة واحدة، بحسب مدير صحة معان تيسير كريشان.

وبعد انتشار الفيروس سجلت عدة مستشفيات في المملكة 400 إصابة بالمرض، توفي منها 15 شخصًا، بحسب بيانات وزارة الصحة.

إثر انتشار الفيروس، توقفت حياة طلاب المدارس في الجفر لأسبوعين على الأقل، والتزم الكثير من الأهالي منازلهم خوفًا من الإصابة بالعدوى. لاحقًا بدأت الحياة اليومية تعود لطبيعتها مع استمرار تسجيل إصابات «معدودة» بحسب مدير صحة معان. لكن هذه الأزمة التي عاشها الجفر على مدار الشهر الماضي، خلّفت وراءها شعورًا جديدًا بالتهميش بحسب وصف الأهالي، معتبرين أنهم لم يلقوا الاهتمام الرسمي المتوقع خلال فترة اشتداد الفيروس، وهو ما يزيد من اعتقادهم بأن ما حصل لا ينفصل عن واقع كامل يعيشه القضاء.

كيف بدأت قصة (H1N1) في الجفر؟

بدأت الأزمة في الجفر بعد وفاة سيدة ثلاثينية منتصف كانون أول الماضي بسبب فيروس (H1N1)، وإصابة أبنائها الأربعة به، بعد أن انتقلت لهم العدوى نتيجة سفر السيدة لدولة مجاورة، بحسب ما يرجّح مدير صحة معان تيسير كريشان. وفاة السيدة وتزايد الإصابات بالمرض أثارت مخاوف الأهالي الذين عبّروا عن عدم ثقتهم بالإجراءات الصحية المتخذة للتعامل مع انتشار الفيروس، فأوقفوا أبناءهم عن الدراسة، وراحوا يقبلون على المركز الصحي الشامل في القضاء يسألون عن مطعوم يحمي العائلات من العدوى.

 

قبل عام 2017 لم يسبق لقضاء الجفر أن شهد أي إصابة بفيروس (H1N1) منذ بداية انتشاره عالميًا قبل سنوات بحسب كريشان، ما جعل من وفاة أول إصابة يشهدها القضاء سببًا لحالة «هلع» كما يقول.

سُجّلت أول إصابة بفيروس (H1N1) في الأردن عام 2009، وأدّى المرض إلى العديد من الوفيات حول العالم حتى أدرجته منظمة الصحة العالمية بصفته وباء عالميًا في ذات العام. لكنها أعلنت عن نهاية الوباء في عام 2010 وأكدت على استمرارية الإصابة بالفيروس ضمن «الإنفلونزا الموسمية»، بحسب رئيس قسم رصد الأمراض السارية في وزارة الصحة سلطان القصراوي خلال مقابلة له على قناة رؤيا.

من المسؤول عن «هلع» إنفلونزا «الخنازير»؟

توقف أهالي الجفر عن إرسال أبناءهم للمدارس منذ يوم الخميس الرابع عشر من كانون الأول، بعد وفاة السيدة وإصابة أولادها. «ابن المرحومة داوم الخميس قبل وفاة والدته وكان مصاب بالرشح الموسمي، بعدها بيومين تبين إنه هناك خمس إصابات بنفس المدرسة وبينهم ابن أختي». يقول عايد أبو تايه، مدير مدرسة الجفر الأساسية للبنين. وفاة السيدة لم توقف التعليم في المدارس فقط، بل وكانت سببًا في انتشار حالة من «الهلع» واسعة كما وصفها العديد من الأهالي الذين قابلتهم حبر.

في الوقت الذي أكد به وزير الصحة محمود الشياب وجود «تهويل وتناقل إشاعات» بالتزامن مع انتشار الفيروس، يشرح الأهالي تجربتهم في التعامل مع هذه الإنفلونزا التي لا يعرفون عنها سوى أنها «انفلونزا ذبّاحة» بحسب أبو عادل، والد طفلين أحدهما أصيب بالفيروس وتعافى، والآخر توفي، وكان يُشكّ بأن وفاته ناتجة عن الفيروس.

في يوم الأربعاء، الثالث عشر من الشهر الماضي، ساءت حالة سلطان، ابن السبعة شهور، بعد اشتداد الإسهال وظهور علامات الجفاف عليه، وهو الذي كان مريضًا بالرشح بحسب والدته قبلها بأيام. نقلت العائلة الطفل وأشقاءه الذين كانت باديةً عليهم علامات «الإنفلونزا» لمركز صحي الجفر الذي يبعد كيلومترات قليلة عن منزل العائلة، وهناك تم تحويل الطفل لمستشفى معان الحكومي الذي يبعد نحو 60 كيلو مترًا عن المركز، ويستغرق الوصول إليه 40 دقيقة بالسيارة.

دخلت أم عادل مع أبنائها الأربعة إلى قسم الطوارئ، وكشف الكادر الطبي على سلطان وأوصى بضرورة إدخاله للمستشفى لإصابته بالجفاف، لكن أحدًا لم يكشف على الأطفال الآخرين. فقط تلقت العائلة نصيحة بضرورة إخراج إخوة سلطان من المستشفى حتى لا ينتقل لهم فيروس انفلونزا (H1N1) من الحالات الموجودة هناك. «الممرضين لابسين كمامات ويحكوا برة برة برة، الممرضة إجت شافت سلطان وحكتلي هذول الأطفال إحنا خايفين عليهم يفوتوا يكسبوا المرض. في فيروس جوا»، تقول الأم. فقرر الوالدان إخراج الجميع من المستشفى بما فيهم سلطان خوفًا من فيروس (H1N1).

عادت العائلة لمنزلها، وبدا أن سلطان يتحسن صحيًا، لكنّ في صباح اليوم التالي ساءت حالته من جديد فعاد للمركز الصحي بالجفر الذي أعاد تحويله للمستشفى، لكن الطفل توفي في الطريق. بحسب تصريحات لمدير المستشفى فإن عينات أخذت من سلطان لتحديد سبب الوفاة، وأثبتت النتائج عدم إصابة سلطان بالفيروس، وأن الوفاة ناتجة عن حالة الجفاف التي أصيب بها.

تصوير: دانة جبريل.

في اليوم التالي من وفاة سلطان ازدادت حالة شقيقه الأكبر «مشعل» سوءًا، ونقلته العائلة مجددا للمستشفى وثبت إصابته بالفيروس بحسب العائلة، قبل أن يتلقى العلاج اللازم ويعود لمنزله بعد أربعة أيام.

 

بحسب أبو عادل فإن الهلع لم يأت من فراغ، «إحنا أول مرّة يصير عنا فلونزا الخنازير، المرض هاظ نسمع إنه إللي يصيبه ما يطلع منه، هاي المعلومة اللي عندنا، ليش حد ما نبهنا قبل؟ لو عندنا دولة علمونا شو نوعية المرض؟ إحنا نعرف إنه فلونزا الخنازير يعني إنه عزرائيل جاي، هاي موت!».

في لقاء له عبر فضائية رؤيا، يقول مدير قسم الأمراض السارية في وزارة الصحة ردًا على عدم قيام الوزارة بالتوعية اللازمة قبل بدء انتشار موسم الإنفلونزا، بأن الوزارة طبعت «بروشورات» خاصة بالإنفلونزا منذ آب الماضي، بالإضافة لورشات عمل عقدتها في كل المستشفيات الحكومية بالمملكة قبل شهرين للأخصائيين وكوادر المستشفى.

لماذا لم يصدّق أهالي الجفر أنها انفلونزا موسمية؟

في يوم وفاة السيدة المصابة بفيروس (H1N1)، نشرت مواقع إخبارية أخبارًا نقلتها عن مصادر طبية، عن وفاة سيدة كانت إمّا مصابة بفيروس (H1N1) أو «إنفلونزا الطيور» كما كتبت تلك المواقع. لاحقًا نفت وزارة الصحة تسجيل حالات إنفلونزا الطيور في الأردن، ووضّحت بأن الإصابات هي بفيروس (H1N1).


التأكيد الرسمي على أن الإصابات في الجفر هي جرّاء الإصابة بالإنفلونزا الموسمية، اعتبرها بعض الأهالي محاولة حكومية للهرب من المسؤولية في التعامل مع «إنفلونزا الخنازير»، أو كما يصفها محمود أبو تايه، عمٌّ لأطفال أصيبوا بالفيروس، «تغطية الشمس برغيف». لم يصدّق الأهالي التصريحات الرسمية حول موسمية الفيروس: «كل سنة الرشحة الموسمية تمرّ وما يحدث حالات وفاة»، يقول مدير المدرسة عايد أبو تايه.

يستند أبو تايه في توضيح سبب عدم ثقة الأهالي بالحكومة إلى قصة السيدة الثلاثينية التي توفيت بالمرض، كونها راجعت المستشفى دون أن يتم الاشتباه بأنها مصابة بإنفلونزا الخنازير بحسبه. وهي القصّة التي قالت لنا هنوف أنها تكرّرت معها، إذ أنها راجعت مركز صحي الجفر مرتين يوم الجمعة، أي في اليوم التالي لوفاة السيدة، بسبب ارتفاع حرارتها وشعورها بوجع في مفاصلها وسعال شديد. فحصها أحد أعضاء الفريق الطبي القادم من عمّان «صاروا يحكولي عادي ما في شي إنفلونزا عادي». في اليوم التالي راجعت هنوف وزوجها المركز للمرة الثالثة حيث فحصها الطبيب العام في الجفر وأوصى بتحويلها لمستشفى معان الحكومي.

يقول قريب السيدة المتوفاة لحبر، بأن قريبته راجعت مركز صحي الجفر نتيجة ارتفاع حرارتها وإحساسها بتعب عام، وتم تحويلها لمستشفى معان الحكومي حيث بقيت في المستشفى لتسع ساعات أخذت خلالها المسكنات ثُم تم تخريجها، «الدكتور يقول طلعوها ما فيها شي» بحسب قريبها الذي رفض ذكر اسمه. في صباح اليوم التالي ساءت الحالة الصحية للسيدة، ونُقلت لمستشفى معان قبل أن تنقلها العائلة لأحد المستشفيات الخاصة في عمّان حيث أدخلت للعناية الحثيثة وتوفيت لاحقًا بعدما تبيّن إصابتها بإنفلونزا «الخنازير». وهي القصة التي يؤكدها طبيب في مركز صحي الجفر. شكّلت وزارة الصحة لجنة للتحقيق في ظروف وفاة السيدة ولم تنه عملها بعد بحسب كريشان.

الجفر: واقعٌ يعزّز الإحساس بالتهميش

تقدّر دائرة الاحصاءات العامة عدد سكان قضاء الجفر، المصنّف واحدًا من أربعة عشر جيب فقر في الأردن، بثمانية آلاف نسمة، ويعدّ مستشفى معان هو الأقرب إلى القضاء، و يستقبل الحالات المحوّلة من مركز صحي الجفر الذي يملك سيارة إسعاف واحدة، وبجانبه يقع مركز دفاع مدني يمتلك ثلاث سيارات إسعاف. يقول مصدر في المركز الصحي بأن نقل المرضى للمستشفى لا يعدّ إشكالية، لأن سيارات الإسعاف كانت تحتاج نحو ساعة ونصف لنقل كل حالة وهو ما يعتبره الطبيب وقتًا عاديًا في ظل توفر أربع سيارات إسعاف، لكن الكثير من العائلات لا تملك كلفة العودة للجفر، بحسبه، فيفضلون العودة بذات سيارة الإسعاف، ولذا تفكّر العائلات بشكل مطوّل قبل الذهاب إلى المستشفى.

يستغرب رئيس بلدية الجفر فوّاز النواصرة عدم توفير الجهات الصحية مستشفى ميداني خلال فترة انتشار المرض، لتسهيل الأمر على الأهالي وزيادة الطمأنينة لهم، إلا أن أطباء في المركز الصحي يقللون من أهمية المستشفى الميداني في التعامل مع الفيروس. «شو بده يعمل المستشفى الميداني؟ مهو إلّلي عنده عندنا [إياه] بالمركز، ما رح يفيد اشي، بكل الحالات لازم تحويل على المستشفيات عشان الحجر والعزل». وهو ما يتفق معه مدير صحة معان .

لكن ردود الأطباء لم تكن كافية لإقناع أهالي الجفر بأن الإصابات بفيروس (H1N1) وطريقة التعامل معها بعيدة عن ما يصفونه بأنه تهميش للقضاء بشكل عام. «أنا مريضة سكري، عمري ما شفت الدكتور، لا علاجات ولا كوادر طبية ولا وسائل نقل مرضى. ما في صيدلية حتى بالجفر» تقول جدة سلطان. «إسألي كم ست حامل ولدت على باب المركز، أو بالطريق للمستشفى».

في المركز صحي الجفر ستة أطباء عامين. وكان يزور المركز ثلاثة أخصائيين كل يوم ثلاثاء، «باطنية وأطفال ونسائية»، كانت زيارتهم الأسبوعية تسبب اكتظاظًا كبيرًا من قبل الأهالي، حتى أصبح يطلق على يوم الثلاثاء «بيوم الحشر». لكن مطالبات الأهالي لوزير الصحة خلال زيارته للواء إثر انتشار الفيروس أدت لتخصيص طبيب أسرة مقيم طوال الأسبوع في المركز.

رغم عودة الحياة إلى طبيعتها، بشكل تدريجي، إلّا أن ما حصل خلال العشرين يومًا، هي عمر الأزمة، نتج عنه عشرات الاستنتاجات عن الجفر، وأسباب انتشار المرض، وساعد على تكوين آراء راسخة عن عمق تهميشهم وحجم الفجوة التي تفصل بين العاصمة والقضاء الذي لم يذكره الإعلام في العام 2017 إلّا مرتين، واحدة عند محاكمة معارك أبو تايه، والثانية عند الحديث عن إنفلونزا الخنازير.

____________________________________________________________

*هنوف اسم مستعار بناء على طلب من صاحبته.

تم إعداد هذا التقرير بدعم من مؤسسة صحفيون من أجل حقوق الإنسان.

  • عبدالله محمد

    مانقول غير حسبي الله والنعم الوكيل
    الله يلعنها من دوله فاشله وخاينه وفاسدةالله يورينا فيهم يوم……….. دمار شامل اشاء الله ماعندنا شي نخسرة