الجنة تحت أقدامهن، ويكتوين بالنار

الإثنين 21 آذار 2016
mothers day
تصوير حسام دعنة.

لا خلاف على أن مجتمعاتنا تنظر للأمومة بوصفها وظيفة المرأة الأولى والأساسية، بل أن البعض يراها الوظيفة الوحيدة التي تصلح لها النساء. كما أن ثقافتنا زاخرة بالأمثال والحكم والأقوال التي تعلي من شأن الأم، بعيدًا عن كونها امرأة. وهذه الثقافة الشعبية ذاتها تزخر كذلك بالأقوال التي تحط من شأن المرأة، والرجل نفسه الذي لن يتوانى على أن يسوق لك الأمثال على قلة عقل النساء وعدم أهليتهن للمساواة، سيرفع أمه إلى مراتب التقديس، بوصفها بالأجمل والأطيب والأكثر حكمة.

هذا الفصام لا نعيشه على المستوى الشعبي فقط، فالدولة بأجهزتها ومؤسساتها وتشريعاتها تمارسه أيضًا، لا بالتمييز بين الأم وغيرها من النساء فحسب، بل وفي النظر للأمومة كمهمة تحتاج لرعاية الدولة واهتمامها دون النظر لها كصلاحيات قانونية تمارسها الأم، فللأمومة في تشريعاتنا حدود.

مشرّعو الدستور الأردني الذين أحجموا عن إضافة عبارة الجنس إلى أشكال التمييز المحظورة بموجب الدستور، وامتنعوا عن إضافة كلمة الأردنيات إلى جانب الأردنيين بوصفهن ووصفهم مواطنات ومواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، هؤلاء المشرعون ذاتهم أضافوا بنودًا أخرى إلى المادة السادسة من الدستور تقول إن الأسرة أساس المجتمع وأن القانون يحمي الأمومة. 

ولكن كيف «يحمي القانون الأمومة»؟ يبدو أن تعريف المشرع للأمومة اقتصر على الإنجاب؛ أما الأمومة كحق وصلاحيات قانونية تمارسها الأم فلا يُعترف بها، وليست أحكام الولاية والحضانة والجنسية والإقامة سوى أمثلة مؤسفة على هذه المفارقة.

الحضانة: للأمومة تاريخ انتهاء صلاحية

ينص قانون الأحوال الشخصية على أن الأم النَسَبية أحق بحضانة ولدها وتربيته حال قيام الزوجية وبعد الفراق، إلا أن الأم تحرم من الحضانة إذا كانت تزوجت ثانية بغير محرم من الصغير. فإن انفصلت المرأة عن زوجها عليها أن لا تتزوج وإلا فإنها لم تعد أمًّا تصلح للحضانة وفق القانون، دون النظر إلى حقيقة أن زوجها الجديد قد أصبح محرمًا على أطفالها، وأن طليقها قد يكون ذهب في سبيله ليكون أسرة أخرى ويحظى بأطفال آخرين، ودون أي اعتبار لمصلحة الأطفال الفضلى. وفي حين تمتد حضانة الأم المسلمة إلى 15 عامًا، فإن أهلية الأم المسيحية لحضانة صغيرها من طليقها المسلم تنتهي عند بلوغه السابعة!

وحين تكون الحضانة مع الأم، يشترط ألا تسافر بصغيرها المحضون خارج المملكة دون موافقة ولي أمره، وهناك عديد من الأمهات سواء من غير الأردنيات أو ممن حصلن على فرص عمل جيدة خارج المملكة لا يستطعن اصطحاب صغارهن في سفرهن حتى لو قدمن أي ضمانات مطلوبة طالما أن الأب غير موافق، الأمر الذي يدفع بعض الأمهات إما للتخلي عن مستقبلهن الوظيفي أو التخلي عن حضانة أبنائهن وحرمان الأطفال من رعاية أمهم، في حين أن القانون يبيح للأب الحاضن السفر بالمحضون خارج المملكة دون موافقة الأم.

بل إن حق الأم بالاحتفاظ بحضانة أبنائها قد يكون منوطًا بموافقة ذكور العائلة، فإن كانت الأسرة غير قادرة ماديًا أو تود مناكفة الطليق وعائلته فلن يدفع الثمن سوى الأم والأطفال. وإن تمردت الأم على قرار عائلتها وأصرت على الاحتفاظ بهم وتحمل مسؤوليتهم وحدها، غدت خارجة عن القيم.

ورغم أن للأم حق حضانة صغيرها وأن عليها رعايته؛ إلا أن هذه الحضانة لا تعني أية صلاحيات قانونية تمارسها الأم لصالح الصغير، حيث تظل تلك الصلاحيات تحت يد الآباء والأجداد وأوصيائهم، فلا يحق لها استخراج جواز سفر لأبنائها، ولا يعتد بتوقيعها على أي إجراء طبي عاجل لمصلحة الصغير، وإنما عليها في حال امتناع الولي عن التوقيع اللجوء للمدعي العام أو المحافظ لإجبار الولي عى التوقيع. ويمكن للأب نقل الأبناء من مدارسهم إلى مدارس أخرى، دون موافقة الأم ولو كانت الأم متكفّلة بنفقات التعليم. ولا يعتد برأي الأم حين يقرر الأب ويقتنع القاضي الشرعي أن في زواج الطفلة مصلحة لها!

الأبناء يتبعون الأب في الإقامة

أن تكون ابنًا لأردنية ليس سببًا وجيهًا -بموجب المادة 26 من قانون الإقامة وشؤون الأجانب الأردني رقم  24 لسنة 1973- لتُمنح بموجبه إذن الأقامة، ولا يرتقي بنظر المادة 29 منه كسبب تُعفى على أساسه من ضرورة الحصول على إذن الاقامة. الأم التي تقضي نهاراتها بين الدوائر المعنية للحصول لأبنائها على إذن الإقامة ستسمع تقريعًا بسبب زواجها من غير أردني، وحديثًا مكررًا بأن الأبناء يتبعون أباهم. وحين أراد النواب التقاط فرصة تعديل قانون الإقامة وشؤون الأجانب للنص على منح إذن الإقامة لابن الأردنية، أهدر مجلس الأعيان هذه الفرصة عامدًا.

وفي المزايا المدّعاة التي جاءت منزوعة الحقوق ولم تجد طريقها لتطبيق حقيقي وفعال ينصف الأردنيات وأبنائهن، حُصر تطبيق القرار على الأردنية المقيمة خمس سنوات في الأردن، وما عدا ذلك ستظل الأردنية المتزوجة من غير أردني على حدود بلدها تستجدي أن يسمح لأبنائها بالدخول وإلا عليها أن تعود أدراجها بهم. فكم من أردنية اضطرت للبقاء في دول تاكلها النزاعات المسلحة أو في دول اللجوء دون معيل، أو ظلت تحت طائلة العنف المنزلي لأن أولادها غير مسموح لهم بالدخول لبلدها.

سنسمع كثيرًا اليوم أن الطريق للجنة يكون عبر رضا الأمهات وودهن وإكرامهن، لكن الكثير من الأمهات أنفسهن يعشن جحيمًا يوميًا؛ وتسكن النار أحشائهن قلقًا على مصير أبنائهن، وينمن على شوك فراق أطفالهن. فعن أي أمومة نتحدث وأي أم نكرًم؟

* الصورة أعلاه بعدسة حسام دعنة، ضمن القصة المصورة «قصص عائلات حرم أبناؤها وبناتها من جنسية والدتهم الأردنية».