القصة وراء الصورة: من هو الدركي سليمان الفناطسة؟

الأربعاء 20 حزيران 2018
تصوير علي السعدي

في الرابع من حزيران/يونيو 2018، نشرت المواقع الإلكترونية خبرًا عن استقالة رئيس الوزراء الأردني، هاني الملقي. هذه الاستقالة اعتبرها كثيرٌ من النشطاء انتصارًا جزئيًا لاحتجاجاتهم التي انطلقت بعد إعلان حكومة الملقي رفع أسعار المحروقات في اليوم التالي لإضراب النقابات.

في تلك الليلة، الخامسة من الاحتجاجات التي انطلقت في منطقة الدوار الرابع ومناطق أخرى في عمّان والمحافظات، التقط المصور الصحفي علي السعدي، والذي عمل مع موقع حبر خلال فترة الاحتجاجات، صورة نالت شهرة كبيرة، أخذتها مواقع إلكترونية، وتناقلها مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي، وكتبوا عنها الكثير، وخرجت التكهنات حول قصّتها.

تظهر الصورة صفًّا من رجال الأمن أمامه صفٌ من رجال الدرك يتدافع مع صف المتظاهرين، وفي وسط التدافع، دركي يضحك ضحكة كبيرة ومقابله متظاهر في زاوية الصورة يضحك ذات الضحكة.

انتشرت الصورة، وحولها التكهنات، ومضت الهبّة، وعيّن رئيس وزراء جديد. وكُتب، وسيُكتب الكثير عن هذه الموجة الاحتجاجية، أسبابها ونتائجها، وتعامل الدولة معها، لِمَ تعامل الدرك بهذه الطريقة مع المحتجين، ولم تعامل المحتجون مع الدرك والأمن بهذه الطريقة.

علمنا أن الدركي سليمان الفناطسة هو صاحب الصورة عندما وجدها هو واستخدمها كصورة بروفايله على فيسبوك. تواصلنا معه، ومع المكتب الإعلامي في جهاز الدرك، وتوجهنا إلى معان لمقابلته* وعائلته، حتى يخبرنا قصة الصورة.

الانضمام إلى الدرك

في خريف العام 2011، وبينما كان العالم العربي يشهد موجات متلاحقة من ثورات الربيع العربي، كان الشاب سليمان الفناطسة يقيم، منذ ستة أشهر، في المملكة العربية السعودية.

لم يكن العمل في السعودية حلم سليمان في طفولته، وإنما كان يحلم أن يصير طيّارًا عسكريًا، لكن عدم تمكنه من النجاح في امتحان الثانوية العامّة منعه من متابعة هذا الحلم، فتوجه إلى تبوك في السعودية بحثًا عن عمل، لأن عائلته تملك بعض المحلّات هناك.

في أحد أيّام ذلك الخريف، تلقى سليمان اتصالًا هاتفيًا يخبره أنه قد فُتحَ باب التسجيل في جهاز الدرك لأبناء محافظة معان، واحدة من أفقر محافظات الأردن.

بعد ضغط من والدته، عاد سليمان إلى الأردن، وانتسب إلى جهاز الدرك. «قالتلي والله لأغضب عليك (..) هي اللي تعبت وشقت إذا حكت موت بموت، ورضاها الدنيا كاملة»، يقول سليمان. أمّا عن سبب رغبتها بانضمام ابنها الأصغر إلى جهاز الدرك فتقول والدة سليمان: «كان حتى على المسلسلات السورية أشوفهم درك وهيك أكيّف. إلهم هيبة [و]مميزين».

سليمان هو الأصغر بين 12 أخًا وسبعة أخوات (من ثلاث أمّهات)، لم ينتسب أي منهم للأجهزة الأمنية باستثناء أخ واحد انتسب للدفاع المدني. وتوفي والده عام 1996. يعيش مع والدته وعددٍ من أخوته وأخواته في بيت واحد ويعيل العاملون منهم جميع من في البيت.

الدركي سليمان الفناطسة مع والدته في منزلهم في معان. تصوير معاوية باجس

دوار الداخلية: المهمّة الأولى

في الدرك، تدرّب سليمان في مدرسة التدريب التي تُمنع مغادرتها طيلة  الـ21 يومًا الأولى، وهي فترة تدريب المستجدين. يقول سليمان إنه سأل نفسه كثيرًا في تلك الفترة: «شو اللي جابني لهون؟ دمعتي تنزل». لكنه مع مرور الأيّام اعتاد على الحياة العسكرية.

بعد عام من التدريب المتنوّع، جاءت مهمّة سليمان الأولى. انتقل من ماركا حيث مقرّ كتيبته إلى دوار الداخلية، في عمّان، والذي كان يشهد احتجاجات على رفع أسعار المحروقات، وهي الاحتجاجات التي سيطلق عليها اسم هبّة تشرين.

في اليوم التالي، انتقل سليمان إلى الطفيلة للتعامل مع الاحتجاجات هناك، وفي تلك المظاهرة أصيب ثلاثة من رجال الدرك بالرصاص. «زميلي تصاوب قدامي، أكثر مرحلة نفسية انزعجت فيها بحياتي كاملة»، يقول سليمان.

بموجب وجود سليمان كعنصر في كتيبة المهام الخاصة، فإنه يشارك في العديد من المهام على مستوى المملكة مهما اختلف نوعها، باستثناء تلك الحاصلة في معان، حيث أن أبناء المنطقة لا يمكن أن يقوموا بمهام عسكرية في مناطقهم، بحسب قوله.

أسبوع على الدوار الرابع

يوم الخميس، اليوم الأول للاحتجاجات، كان سليمان يستعد لإفطار كبير في منزل العائلة في معان، إلّا أن خططه تغيّرت نتيجة اتصالٍ أتاه من مديره بضرورة انضمامه إلى كتيبته يوم الجمعة لأمر طارئ.

صباح الجمعة، خرج سليمان إلى عمّان وهو في حالة عصبية كما يقول، بسبب قطع إجازته وانعدام المواصلات. «شافوني معصب قامت [أمي] تصيح أسالك بالله ما تضرب ناس. إوعدني إنك ما تمد إيدك على ناس، هذول اخوانك طالعين عشان أحوالهم ووضعهم. حكيتلها وعد ما أمد إيدي على ناس. بس همّه أصلا فرضوا احترامهم».

على الطريق الصحراوي وقف سليمان من الساعة الثامنة صباحًا وحتى الحادية عشرة ونصف ظهرًا، في انتظار سيّارة تقلّه إلى عمّان كي يلتحق بكتيبته، إذ لا توجد حركة في مجمّع باصات معان يوم الجمعة. بعد ثلاث ساعات ونصف من الانتظار وجد من يقله، ووصل إلى عمّان في الساعة الرابعة عصرًا، وبدأ التحاقه بالاعتصام اليومي بدءًا من يوم السبت.

وعلى مدار الأيّام التالية، كان دوام سليمان يبدأ مباشرة بعد تناوله طعام إفطاره مع بقية أفراد الكتيبة. وتحديدًا في الثامنة والربع مساء، إذ تنطلق الكتيبة في باصات إلى محيط الدوار الرابع، ليبدأ رجال الدرك بممارسة مهامّهم من التاسعة مساءً وحتى الثالثة فجرًا، ليتناول بعدها طعام السحور برفقة زملائه، وأحيانًا برفقة بعض المحتجين، قبل العودة إلى مقرّ الكتيبة.

وكانت الأمور ستمضي بلا ذكريات مميزة عن هذا الاعتصام، لولا الصورة التي التقطها المصوّر علي السعدي، ليلة الإثنين/ فجر الثلاثاء. أمّا قصة الصورة فيقول سليمان أنه كان هناك «شب كان وين ما أروح ألاقيه قدامي، كان يدافش، وكنا نمزح مع بعض. صار تدافع أول ما وصلنا الدوار وقال لا تضربني قلتله أنا ما رح أضربك، وكتّفت إيدي قدامي وحكيتله أنا ما رح أضربك، هي تعال وقف قدامي، فصار تدافع شوي وهو رجع لورا، وصار ينادي علي ويقول أنا جاييك جاييك، فصرت أضحك عليه، بس».

*أجريت هذه المقابلة بوجود مندوب المكتب الإعلامي لقوات الدرك في الجنوب.