الكلفة المميتة لحمل العاملات المهاجرات في الأردن

عاملة مهاجرة من بنغلادش. تصوير: ناديا بسيسو.

الكلفة المميتة لحمل العاملات المهاجرات في الأردن

الثلاثاء 05 كانون الأول 2017

(نُشر هذا التقرير بالإنجليزية في مجلة النيويوركر الأمريكية في 18 آب الماضي، وننشره مترجمًا بالاتفاق مع المجلة والكاتبة).

أخبرتْ جوجو دانا، في البداية، أن الأمور تجري بشكل جيد [وهي في] شمال الأردن. تقريبًا، أرسلتْ لدانا رسائل واتساب وفيسبوك بشكل يوميّ، تفيض بالحديث عن حصولها على عمل جديد، براتب جيد ومال أكثر لأطفالها في الفِلِبين. لكن بعد ذلك، بدأتْ جوجو بالتحدث عن النزيف. «كانت تقول: «إنني متعبة، لا يوجد طعام، فقط خبز وقطعة جبن»»، تستذكر دانا. في محادثات مبهمة، قالت جوجو إن مدير مكتب التوظيف المسؤول عنها لم يصدق أنها كانت مريضة، ولم يكن ليتركها ترى طبيبًا. «أقول لها: كُلي. كوني قوية. لا تفكري كثيرًا. إن الله يرعاك»، تقول دانا، التي هي أيضًا عاملة فلبينية مهاجرة في الأردن. في الخامس من شباط، قالت جوجو إن مكتب التوظيف وعدَ بشراء تذكرة تعيدها إلى الفلبين. في اليوم التالي، دانا راسلتْ جوجو، لكنها لم تتلقَّ ردًّا. بعد ثلاثة أيام، سمعتْ دانا [أخبارًا] من صديقةٍ لعائلة جوجو كانت قد تواصلتْ معها السفارة الفلبينية. كانت جوجو قد ماتتْ.

أخبرتني دانا، في مقابلة حديثة [جمعتنا]: «لا أريد تصديق ذلك». التقتْ هي والشابتان اللتان طلبتا من دانا ألا يُفصَح عن أسمائهن لأسباب تتعلق بسلامتهن، في مبنى سكني في عمان، حيث عاشت العشرات من عاملات خدمة المنازل الفلبينيات وصرن صديقات سريعًا. غير قادرةٍ على تقبّل موت جوجو، ذهبتْ دانا إلى مستشفى الأمير حمزة في عمان الذي نُقلَتْ إليه جوجو من الشمال، وأصرّتْ على أن ترى جثمان صديقتها. كشف الأطباء عن وجهها فقط، لكنها كانت جوجو [فعلًا]. «بكيت وسقطت أرضًا فقط»، استذكرتْ دانا. «لا أعرف إن قتلوها أو ما الذي حصل، لأنها قوية».

أُدخلتْ جوجو إلى مستشفى جرش في السادس من شباط، وفقًا لنسخة من تقرير للشرطة الأردنية، بسبب «نزيف حيضي حاد». وجد الأطباء أنها حامل بالأسبوع السابع، لكن الجنين كان قد توفي. زودوها بمضادات حيوية، لكن دون فائدة. في تلك الليلة، ماتت جوجو. تفيد السجلات الطبية بأنها ماتت بسبب التهاب في الحوض ناتج عن إجهاض غير مكتمل، والذي قد يكون طبيعيًّا أو مطبقًا ذاتيًّا. الإجهاض غير قانوني في الأردن، رغم أن دواء السايتوتِك (Cytotec) للإجهاض الذاتيّ، الذي ينصح الأطباء بتناوله فقط بوجود الإشراف الطبي، متوفر في السوق السوداء. توقعت بعض صديقات جوجو تناولها للسايتوتيك، لكنْ لم تكن أي منهن متأكدة. لم تخبر جوجو أحدًا حتى أنها كانت حاملًا. كان الإفصاح سيعني خطر الاعتقال، والترحيل، وخسارة فرصها للعودة إلى العمل.

تعد الصحة الجنسية والإنجابية جانبًا نادر الطرح فيما يتعلق بهشاشة وضع العاملات المهاجرات. ترتبط أجساد النساء، في مجتمع الأردن المحافظ، بـ«شرف» العائلة. [مؤخرًا] فقط، ألغى البرلمان الأردني قانونًا سمح للمغتصبين بالفرار من العقوبة إن تزوجوا ضحاياهم. أمضى أنصار حقوق المرأة ما يزيد عن عقد من الزمن في النضال من أجل ذلك التغيير. تمثّل حقوق النساء المهاجرات أولوية أقل، مما يعني أن النساء المستغلات جنسيًّا [بينهنّ] سوف يحاولنَ تدبُّرَ مشاكلهنَّ مهما كان ذلك خَطِرًا.

 الإجهاض غير قانوني في الأردن، رغم أن دواء السايتوتِك للإجهاض الذاتيّ، متوفر في السوق السوداء.

يُقدَّر عدد العمّال المهاجرين في الأردن بـ1.2 مليون عامل وعاملة، وفقًا لتمكين (مجموعة دعم قانوني أردنية تُعنى بالمهاجرين)، ربعهم فقط يحملون تصاريح عمل. أكثر من 50 ألف [منهم] هنّ عاملات منازل مهاجرات، في الغالب نساء من الفلبين، وسيريلانكا، وبنغلادش، وكينيا. مثل جوجو، الكثيرات يهربن من أرباب العمل الذين كفلوا تأشيرات [استقدامهن إلى الأردن]، أملًا بزيادة في دخلهن المنخفض. «الغالبية يهربن ليس لأن الناس يعاملونهن بشكل سيء، وإنما لأنهنّ يرِدن مزيدًا من المال»، هكذا أخبرني محمد الخطيب، الناطق باسم وزارة العمل. حيدر الشبول، مدير وحدة مكافحة الاتجار بالبشر في الأمن العام أكّد على كلامه: «إنهم يخرقون القانون ليعملوا بدوام جزئي (Part-time) [آخر]. ويحصّلون الكثير من المال».

لكنّ العمال المهاجرين في الأردن يتبعون قانونيًّا للكفيل. إن تركوا رب العمل ذاك، فإن أوراقهم تصير غير سارية المفعول، ويصيرون عرضة للاعتقال والترحيل. تقول ليندا كلش، مديرة تمكين، إن العديد من المهاجرين يريدون العمل بشكل قانوني إلا أنهم [بموجب ذلك] لا يستطيعون تغيير أرباب العمل دون موافقة الكفيل، والتي لا يستطيعون تحصيلها عادةً. وإن تعرَضتْ مهاجرة للضرب أو التحرش الجنسي، فإن خياراتها هي أن تتحمل ذلك أو أن تهرب وتواجه احتمالية الاعتقال والترحيل.

تنتشر نظم كفالة مشابهة في الشرق الأوسط، خالقةً خللًا في توازن القوى على صعيد المنطقة ما بين أرباب العمل والمهاجرين؛ خللٌ يؤدي غالبًا إلى إيذاء المهاجرين، أو حتى موتهم. في لبنان المجاورة، تموت العاملات المهاجرات بمعدّل اثنتين في الأسبوع، وفق ما قال لي مسؤولون في الحكومة اللبنانية. في الأردن، عدد وفيات المهاجرين غير معروف. سألتُ كلش إن كان من المفترض وجود تقرير حكوميّ لأي وفاة [بين المهاجرين] في المملكة. قالت لي: «إن تابعنا [الموضوع]، نعم، لكن إن لم نتابعه، فلا. هنالك مشكلة في العقلية الحكومية تجاه هؤلاء المهاجرين»، وأضافتْ: «إنهم لا يعتبرون هؤلاء الناس بشرًا، ولا يهتمّون لذلك».

سمعت لأول مرة عن جوجو بينما كنت أتحدث لمهاجرة فلبينية أخرى اسمها روز، قطنت نفس المبنى السكني الذي قطنته كل من جوجو ودانا، في عمّان. التقينا في شقة روز؛ وحدة سكنية سوداء، وعفنة، تتكون من غرفتين، بالقرب من محل بقالة في وسط عمان. تقع البقالة أمام درجٍ تتناثر فيه القمامة، ويصل ما بين 22 شقة جميعها تعود لحبيب روز، أبو عمر. رجل متزوج ذو 37 عامًا، من السلط. يؤجر أبو عمر شققه تحديدًا للفلبينيات، وغالبًا ما يكنّ هاربات، وبعضهنّ كنَّ حبيبات له. «أنا زلمة بسيط. قلبي أبيض، خصوصًا مع البنت. مش محتاج أستغلها عشان الجنس أو المصاري»، أخبرني أبو عمر في لقاء حديث. قال لي إنه يؤجر [شققًا] للفلبينيات منذ ما يقارب الأحد عشر عامًا. «يمكن 250 حدا من الـ300 صديق اللي عندي على الفيسبوك فلبينيات. أنا بسمع كثير قصص. بحاول أساعدهم».

قال أبو عمر أنه «ساعد» الهاربات عن طريق تدبّر أوراقهنّ، وتقديم مكان للسكن، وإخافة الرجال الذين آذوهنّ. إحدى حبيباته السابقات، مثلًا، هربتْ من سيدتها واعتقلتْ ثم أُطلق سراحها، فقط ليبقيها أحد رجال الشرطة في منزله من أجل الجنس والمال. عندما سمع أبو عمر عن هذه القصة، قال أنه دفع مقابل أن يحصل على إقامة الفتاة وتصريح عمل لها مكفول باسمه. كما أنه ادعى ضرب ذلك الشرطي بدلًا من أن يشكوه لسلطة أعلى. قال لي «أنا ما بحبّ أمشي زي ما بدها الشرطة، زي ما بدها الحكومة يعني». آوى أبو عمر الفتاة الفلبينية، متكفلًا بالأجرة والطعام بينما عملتْ لدى سيدة أخرى. قال إن كرمه انتهى عندما نامتْ حبيبته مع زوج تلك السيدة.

لم تخبر جوجو أحدًا حتى أنها كانت حاملًا. كان الإفصاح سيعني خطر الاعتقال، والترحيل، وخسارة فرصها للعودة إلى العمل.

«هي ما بدها تخسر شغلها. بتفكّر إذا ما خلّتْ الزلمة ينام معها رح يطردوها»، أخبرني أبو عمر. اتصل مع زوج السيدة ليتأكد. «الزلمة حكى: «بدي أقول لك شغلة. إذا البنت ما بدها الجنس ما حدا بقدر يجبرها»». «هذا صحيح. عفوًا يعني، ما رح تقدري تفتحي رجليكِ إذا ما كان بدّك. صح؟ وهو حكالي إنه هاي ما كانت أول مرة» [يقول أبو عمر]. كان تبرير الزوج مقنعًا لأبي عمر، لذلك ألغى أوراق حبيبته وعمل على ترحيلها إلى الفلبين. «لغاية اللحظة، بتتصل عليّ وبتحكيلي «حبيبي، بدي أرجعلك». أنا بحكيلها ما في مجال، فرصتك راحتْ». قال أبو عمر، رافعًا حواجبه وهو يشخر. جلستْ روز بجانبه على الكنبة، تنظر نحو هاتفها، صامتة.

جاء موت جوجو كصدمة لكل نزيلات المبنى لأنهن عرفنها صلبة، بل ومدافعة عن الفلبينيات الأخريات. أخبرتني كلير، الفتاة ذات الـ26 عامًا والتي طلبتْ عدم استخدام اسمها الحقيقي، أن جوجو حمَتْها عندما كان الرجال يقتربون منها في الشارع؛ «إن سألني بعض العرب: شو اسمك؟ اعطيني رقمك، فإنها تصرخ دائمًا: لا! إنها أختي، خلص، لا تتحدثوا إليها». جالسةً في مطعم فلبينيّ، قالت كلير إن وجودها في الأردن لم يتعدَّ العام، لكنها تخطط للرحيل في آذار. قالت أنها هربتْ من ربّ عملٍ أجبرها على تنظيف أربعة منازل بدلًا من المنزل الوحيد المذكور في عقدها، وعلى رعاية الأطفال في يوم عطلتها أيضًا. قالت كلير إنها لا تستقلّ التكاسي، لأن أحد السائقين في إحدى المرات حاول لمسها. ذكَّرتها [تلك الحادثة] بزوجها السابق الذي حبسها هي وبناتها بمنزلهم حتى عاد ليلًا غضبانًا ومخدّرًا. أنقذها جيرانها في الفلبين، وهنا في الأردن، كانت جوجو أمانها. «هنا هي بمثابة أختي. إن واجهتني مشكلة، أتحدث لـ«آتي» جوجو، وحدنا، وهي لطالما نصحتني»، أخبرتني كلير، مستخدمة الكلمة التي تعني بالفلبينية «أختي». «تقول لي لا تتحدثي للرجال العرب، لأنني أعرف ماهيّتهم. أقول لها لا بأس».

أخبرتني روز عن صديقة أخرى أسمتها جيني. في إحدى الليالي، اتصلتْ جيني بروز مذعورةً، تمام الواحدة بعد منتصف الليل، وطلبتْ منها أن تجيء لشقّتها. عندما وصلتْ روز، علمتْ أن جيني قد تناولت ست أقراص من السايتوتيك. رغبتْ روز بالمغادرة، إلا أن الوقت قد فات. كان وجه جيني أبيض، باهتًا كبهتان ملاءات السرير قبل أن تغرقها بالدماء. سكبتْ روز لها الماء، مسحتْ لها وجهها بينما كانت جيني ترتعش وتبكي. «لماذا تبكين، هل هو الألم؟ إنكِ من فعلتِ ذلك»، تذكرتْ غضبها على صديقتها. «أنتِ مجنونة، هل تريدين الموت هنا؟»، قالت لي روز أنها رغبتْ بصفع جيني [لحظتها]. كان عليها أن تكون أكثر وعيًا، خصوصًا أنها مسلمة وسبق أن كانت متزوجة في الفلبين. حبيب جيني السابق كان مهاجرًا مصريًّا غير مسجَّلٍ اختفى حينها، ولم تكن إحداهن تحمل أوراقًا قانونية في الأردن.

«إن ماتت، ما الذي سنفعله؟ جميعنا سنذهب إلى السجن»، قالت لي روز. قررتْ روز أن تأخذ جيني إلى المستشفى إن نزل ضغط دمها إلى سبعين على ستين، وتتركها هناك. سيسأل الأطباء أسئلة كن متأكدات أنها ستوصلهن إلى السجن: إن لم يكن من أجل الإجهاض، فمن أجل الزنا، وإن لم يكن من أجل ذلك، فمن أجل العمل في الأردن دون تصريح. من الأفضل أن تنزف، كما فعلتْ جيني لمدة أسبوع بينما جلبتْ لها روز الفيتامينات والفواكه. نجتْ جيني وعادتْ إلى العمل في فندق، لكن بعد ذلك اعتقلتها الشرطة، وسجنتْ لشهر، ومن ثم رُحّلتْ إلى الفلبين. «قلت لها إنه حظكِ السيء، أنتِ في الأردن»، قالت لي روز. «إنه، بالفعل، حظّكِ السيء».

العديد من عاملات المنازل المهاجرات يخترن العمل بشكل غير قانوني، بالرغم من وضعهن الحسّاس، لأن لديهن مشاكل أكبر في المنزل. عندما كنت وحدي مع روز، أخبرتني أن والدها تحرّش بأختها غير الشقيقة وحاول اغتصابها عندما كان عمرها 18 عامًا. «لا أريد العودة حتى يموت أبي»، قالت. أخبرتني دانا أيضًا عن تجارب سيئة مع الرجال عندما التقينا في شقتها. حيطانها الزرقاء مزيّنة بصورٍ لبناتها ذوات الـ12 والـ14 عامًا في الفلبين. سافرتْ دانا عندما كان عمرها 19 عامًا، لتعمل بداية في الكويت ثم في عُمان، حيث ضربها رب عملٍ لرفضها تغيير حفاظة طفلٍ بينما كانت مريضة. في بداية الأمر، أرسلتْ دانا المال لزوجها في الفلبين، لكن في المرة الأولى التي عادتْ فيها من الكويت أخبرها بعض الجيران أنه أنفق المال كله على المومسات.

«يقضي وقتًا مرحًا هنا وهناك»، قالت لي دانا بينما كانت تطعم أسماكها الذهبية. «عندما عدت للمنزل، لم أجد أية نقود. أخبرني الجيران بفعلته». تعمل هي الآن في صالون للتجميل في عمّان وترسل النقود مباشرة لابنتها البكر. حسبتْ دانا أنها، في غضون ست سنوات، ستمتلك المال الكافي لمستلزمات التعليم الجامعي للفتيات. قالت: «سأكون في السابعة والثلاثين حينها، لا أزال شابة، لن أعود هنا».

العديد من عاملات المنازل المهاجرات يخترن العمل بشكل غير قانوني، بالرغم من وضعهن الحسّاس، لأن لديهن مشاكل أكبر في المنزل.

كانت جوجو أيضًا قد استمرّتْ في العمل، بدلًا من العودة إلى الفلبين، لأنها احتاجتْ المال لأطفالها، كما أخبرتني دانا. ستجد عملًا كنادلة في مطعم اسمه La Storia، بالقرب من جبل نيبو. علمتُ من المسؤول المباشر عنها، مدير المطعم بشار الطوال، أن جوجو كانت ودودة ومشهورة ما بين الزبائن. «كانت مِرْحة كثير، دايمًا بتضحك وبتمزح»، قال لي الطوال. أخبرَته جوجو أنها كانت عاملة منزل سابقًا، إلا أن تلك العائلة [التي عملتْ لديهم] باعوها لمنزل آخر. قال إن موتها كان مفاجئًا وغامضًا، بالنسبة له ولأصدقائها. أخبرني الطوال أيضًا أنه كان لجوجو حبيبٌ سوريٌ اسمه عماد. كانوا على اتصال عبر الهاتف، وكان الطوال قد سأله عن موت جوجو. ادعى عماد أن لا علم لديه بالأمر.

كان لجوجو أسرارها، كما قالت كل من كلير ودانا. لم تكن دانا متأكدة حتى من وجود حبيب في حياتها. كانت كلير تعلم بأمر عماد، لكنها ظنتْ أنه عاد إلى سوريا. لم تعلم عائلة جوجو أنها كانت هاربة، ولم تعلم كلير ودانا أنها كانت متخلفة عن دفع الإيجار. لكنّ أبو عمر قال إن جوجو حملتْ قبل ذلك. اتصل به عماد مرةً، منذ حوالي سبعة أشهر، وطلب نقودًا للتخلّص من طفل. هنالك أدوية وأطباء في الخفاء مستعدون للمساعدة مقابل المال المجزي، إلا أن أبو عمر أكّد على أنه لم يعطِ أيًّا من المال لعماد. «مستحيل، هذا قتل. ما بدي أقتل طفل، حتى لو [نموُّه] مش مكتمل»، قال أبو عمر. لكنه سأل جوجو عن الأمر لاحقًا. «حكت لي «مزبوط، عملتها بهاي الطريقة»، قلت لها «الله يرحمه»».

عندما اتصلت برقم عماد الذي أعطاني إياه الطوال، كان الخط مفصولًا. غيّر عماد رقم هاتفه، إلا أن أبو عمر كان قادرًا على تتبّعه. فتح عماد الخط وتحدث بصوت فيه صفير، يسعل ويلهث كما لو أنه كان مريضًا. سألت إن كان من الممكن أن نلتقي للحديث حول جوجو. «مو اليوم»، قال. لم يردّ على هاتفه بعد ذلك أبدًا.

أخبرتني كلير أن جوجو أُرغمتْ على مغادرة عمّان في كانون الثاني (يناير). كنّ عائدات من حفلة في وقت متأخر، بعد الثانية فجرًا، ولم يكنّ نزلتا بعدُ من التكسي حين توقّفَ رجال شرطة وسألوهن عن هوياتهن الشخصية. كانت أوراق دانا سليمة، أما جوجو فلا، لأنها لم تعد تعمل لدى كفيلها الأصلي. لذا، أخذت الشرطة جوجو إلى السجن. بعدها، أخرجها مكتب توظيف أردني بكفالة، جالبًا إياها لمنزل شمال مدينة جرش وواعدًا إياها بعمل.

أخيرًا تحققتُ من تفاصيل مسألة جوجو في ملجأ للنساء تديره السفارة الفلبينية في الأردن. قدمتْ جوجو إلى الأردن في الثامن من آب 2015، وهربتْ من رب عملها الأول في آذار 2016، واعتُقلتْ في كانون الثاني 2017. دخلتْ مستشفى جرش في السادس من شباط، بسبب نزيف حيضي حاد، وفقًا لتقرير الشرطة الرسمي. يذكر سجلّها الطبي السبب [بأنه]: إجهاض إنتانيّ (Septic abortion) [إجهاض يصاحبه تعفن في الرحم]. وفقًا لسجلات الشحن، أرسلتْ السفارة الجثة إلى الفلبين في الثامن عشر من شباط.

يُدعى المكتب الذي أخذ جوجو إلى جرش بـ«السلام». موجود في الطابق الثاني من عمارة في وسط البلد، في نهاية ممر ضيق، بباب عُلّقت عليه مطبوعة تقول بالعربية:

شركة السلام للخادمات

كينيا – بنغلادش – الفلبين

جلس مدير المكتب، سلطان أبو ماجد، خلف مكتبه مرتديًا بدلة رمادية. قال لي: ما اعترفَتْ إنها حامل، قالت إنه عندها الدورة. أضاف أن جوجو كانت تعاني من تشنجات لكن لم تكن لتذهب للمستشفى. «حاولنا مية مرة نوخذها. ما كانت تقبل. كانت تحكي «أنا منيحة، بعرف وضعي». كان المفترض تسافر اليوم اللي بعده». عندما أتوا بجوجو إلى مستشفى جرش، في السادس من شباط، اكتشف الأطباء حَملها. سألتْ ممرضةٌ فلبينية عن الأب. قالت جوجو فقط أنه سوري، وأنه خارج البلاد. جدولوا لها عملية تفريغ رحم (Uterine evacuation) صباح اليوم التالي، السابع من شباط.

«دفعت من فلوسي، عارفة؟ دفعنا 350 دينار عشان هاي العملية»، قال لي أبو ماجد. لكنّ جوجو ماتتْ قبل الصباح، حول الواحدة بعد منتصف الليل. كيف مات الجنين؟ هل حاولت جوجو أن تقوم بالإجهاض بنفسها؟ هل يعرف الأب الأمر؟ تساءل أبو ماجد. «كانت هاربة. الله وحده بيعلم».