قواعد اللعبة

الخميس 09 شباط 2012

بقلم يوسف عبدالله

عزيزي الحاكم، وقد تكون أي حاكم في العالم، عندي رسالة هامة لك (مع حفظ الألقاب): ما دمت على رأس حكمك وتحكم بالناس فأنت مسؤول.

يبدو أن هذه القاعدة قد تكون قد أهملت من كتب الدراسة في بعض كليات الحكام، أو أن بعض الحكام تغيبوا لسبب أو لآخر عن حضور المحاضرة التي قدمت فيها هذه القاعدة وشرحت، فلا تفسير منطقي آخر لأن تصل درجة جهلهم الظاهر بها إلى هذا الحد، على افتراض أنهم لا يتجاهلونها.

عزيزي الحاكم، أنا أفترض هنا بك حسن النية، وأعلم أنك تؤمن كل الإيمان بأنك تفني حياتك وتبذل قصارى جهدك في سبيل خدمة وطنك وشعبك، لذلك ففي هذه الأسطر شرح مختصر وخفيف لقاعدة تلازم السلطة والمسؤولية هذه عسى أن تكون عوناً لمن سها عنها، فقد جل من لا يسهو.

عزيزي الحاكم، إذا تعثر طفل على دراجة بسبب تصدعات على الرصيف في بلدك فأنت مسؤول، وإذا كثرت مخالفات السير في شوارع دولتك فأنت مسؤول، وإذا سرق بيت أو اعتدي على فتاة كانت تمشي على طرقات مدينتك فأنت مسؤول.

وكذلك، إذا تفشت في مجتمعك آفات كالمخدرات والدعارة فأنت مسؤول، وإذا كثرت حوادث القتل والترويع والاختطاف في أحيائك سواء الفقير منها أو المزدهر فأنت بدون أدنى شك مسؤول، وإذا انتشر الجهل في صفوف مواطنيك وتقاعسوا عن القيام بواجباتهم من بناء وخدمة وحماية فأنت مسؤول.

عزيزي الحاكم، إذا اجتث الفساد ثمار إنتاج بلادك وتحاملت زمرة من الأشرار على مقدراتك الوطنية فأنت مسؤول، وإذا عاث ظلم القادرين في مال وكرامة شعبك إفساداً وبطشاً فأنت مسؤول، وإذا قتل أفراد من شعبك في ميادينك وساحاتك أو حتى في ملاعبك الرياضية رغبة في إرهابهم وإسكاتهم عن تحميلك المسؤولية، أو إذا صبت آلتك الحربية جام غضبها قصفاً وتنكيلاً بمدن ومعاقل معارضيك وطلاب الكرامة والحرية في ديارك، فعن كل نفس أزهقت، ودمعة ذرفت، وصيحة هزت أواصر الأرض والسماء لوعة وألماً، أنت من كل بد مسؤول.

من الأهمية بمكان هنا أن يتم اتباع مقياس واضح وشفاف لنسبة وتناسب جلال وتأثير الحدث ودرجة تورط الحاكم في ملابساته مع عظم مسؤوليته عنه، فالحاكم الذي أساء اختيار وزير الأشغال المناسب مثلاً، الذي أهمل توظيف مهندس الأرصفة الدؤوب الذي تسبب إهماله بدوره بوجود تصدعات على الرصيف تسببت بتعثر الطفل على دراجته، مسؤوليته بطبيعة الحال ليست بجسامة مسؤولية الحاكم الذي يصدر أوامره صراحة لجنوده بإطلاق النار على المتظاهرين العزل.

لكن فحوى هذه القاعدة والمراد من شرحها هو أن تنصل الحاكم بأي طريقة من الطرق عن تحمله المسؤولية عن كل ما يدور في نطاق حكمه مرفوض، وأول آثاره انخفاض رصيد هذا الحاكم من المصداقية أمام شعبه. ويحضرني هنا قصص تواترت عن عظماء حكامنا الأولين أمثال عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، لعل في مثل هذه القصص عظة بغض النظر – إذا أردتم – عن ارتباطها بالوازع الديني. فقد اشتهر هؤلاء بالزهد والورع إلى حد قد يبدو مبالغاً فيه، ولكن إحساسهم الرفيع بالمسؤولية دفعهم إلى عدم إظهار أي من مظاهر الغنى والعظمة تحسباً لإمكانية أن يكون بعض من أفراد شعبهم يعانون الفقر والعوز. وعن الفقر والعوز في دولتك، عزيزي الحاكم، أنت مسؤول.

مسؤولية الحاكم أنواع مختلفة، منها المسؤولية السياسية والمسؤولية الإدارية والمسؤولية الجنائية والمسؤولية الأخلاقية، وكلها من الخطورة وعمق التأثير بمكان، ومن أهم أوجه خطورتها إنعكاسها على تصرفات باقي أفراد النظام وبالتالي أفراد الشعب. وإن كانت مطالبات الشعوب في الفترة التي نعيشها قد علت بتحمل حكامهم مسؤولياتهم السياسية والإدارية والجنائية، تبقى جذور الأزمة مرتبطة باضمحلال الإحساس العام بالمسؤولية الأخلاقية لدى الحكام والمحكومين سواء.

بالمناسبة، هناك حالات الأصل فيها عدم تحميل الحاكم المسؤولية، منها مثلاً عواقب ممارسات من سبقه من الحكام، أو الكوارث الطبيعية كالزلازل والبراكين والتغيرات المناخية. وأقول أن الأصل عدم تحميل الحاكم المسؤولية في هذه الحالات لأن للشعب، إذا أراد، أن يقرر تحميله المسؤولية عنها، ومن الحكمة له أن لا يرفض تحمل مثل هذه المسؤولية، فللشعب دائماً وأبداً ما أراد، (إذا الله راد) ولو بعد حين.