المفاوضات النقابية وفجوة الأجور: أزمات الصحافة الدنماركية

الخميس 24 تموز 2014

حين تعصف ببلد ما أزمة عارمة نتيجة سفر أحد سياسييه على الدرجة الأولى بدلًا من درجة الأعمال في إحدى رحلاته وعدم التزامه بمنع التدخين في أحد الفنادق، من السهل أن يتشكل لديك الانطباع بأن مشاكل هذا البلد ليست على مستوى عالٍ من التعقيد والجسامة.

هذه هي الحالة في الدنمارك، وفي الواقع، لا يبدو أن الكثير من الدنماركيين يعترضون على هذا الانطباع. فمتوسط الدخل مرتفع، والقانون يسري، والحياة السياسية تخلو من دراما التقلبات، والحريات الشخصية مصونة بوجه عام.

لكن حالة الرخاء العامة لا تعني خلو الصراعات، على الأقل هذا ما يقوله كلاوس ليبنغ، مستشار اتحاد الصحافيين الدنماركيين.

الاتحاد الذي يضم 80% من الصحفيين الدنماركيين، هو طرف في اتفاقات يعقدها باسم أعضائه مع أصحاب العمل، أي إدارات وسائل الإعلام الدنماركية العامة والخاصة. فرغم أن الدنمارك كدولة رفاه توفر الكثير من الضمانات لعمالها بشكل عام، كرواتب البطالة وتعيين المحامين عند الحاجة على سبيل المثال، إلا أنه لا حد أدنى للأجور وما من قوانين ملزمة حول ساعات العمل والرواتب.

“عمل الاتحاد يتركز في إبرام اتفاقات مع وسائل الإعلام باسم الأعضاء. لدينا اتفاق مع وسائل الإعلام الحكومية، ولدينا اتفاقات جمعية مع معظم وسائل الإعلام الخاصة واتفاقات فردية مع الباقين”، يقول ليبنغ.

هذا النظام الذي يقوم على التفاوض لإرساء شروط عمل تسري على جميع عاملي وسيلة الإعلام بشكل ملزم موجود في معظم النقابات والاتحادات الدنماركية، وهو نظام فعال بسحب ليبنغ، معظم الوقت على الأقل.

” لدينا الآن مشكلة مع التلفزيون والراديو الرسميين. انتهت صلاحية اتفاقنا ونحن نفاوض من جديد لتجديده، لكن هناك خلافات”. عدم اتفاق الطرفين على الشروط دفع مؤسسة الإعلام الرسمي الأولى في الدنمارك (DR) للتهديد بطرد أعضاء الاتحاد من عامليهم في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق.

“إذا تم ذلك سيضطر الاتحاد لدفع رواتب كل الاعضاء المطرودين” يقول ليبنغ. لأجل هذه الغاية، يخصص الاتحاد صندوقًا من اشتراكات الأعضاء ومساهمات الحكومة للاتحاد، لكنه لن يستطيع الاستمرار مطولا في ذلك.

“هناك حوالي 1000 عضو من الاتحاد يعملون في التلفزيون والراديو الرسميين، ولدينا في كامل الاتحاد 16 ألفًا. نأمل أن يكون هناك اتفاق لكن هناك ضغط كبير علينا”.

ورغم أن الأزمة الحالية هي مع وسائل إعلام حكومية، إلا أن ليبنغ يقول إن التفاوض مع وسائل الإعلام الحكومية يظل أسهل من التفاوض مع القطاع الخاص، لأن العديد من وسائل الإعلان الخاص يمر حاليًا بمشاكل اقتصادية تجعل قدرة الاتحاد على الضغط أعلى.

كذلك، يقول ليبنغ أن وسائل الإعلام الحكومية باتت تحاول الإفلات بشروط عمل أسوأ مما كانت تقدمه سابقًا، مقتدية في ذلك بوسائل الإعلام الخاصة التي نجحت أحيانًا في فرض شروط عمل متدنية مقارنة بالمطالب النقابية.

الحل الجذري لهذه المشكلة [فجوة الأجور بين الصحفيين والصحفيات] هو إبطال الأسباب التي تجعل تفضيل أصحاب العمل للرجال ممكنًا بالأساس

 قد تكون هذه الأزمة عابرة في وسط الصحفيين الدنماركيين، لكن المشكلة التي لا تزال قائمة منذ سنوات وعصية على الحل هي الفجوة بين أجور الصحفيين وأجور الصحفيات، على الرغم من تقدم الدنمارك في جهود المساواة بين الجنسين في أماكن العمل، قانونيًا واجتماعيًا.

ليزبيث لانغوادت، مديرة التحرير في صحيفة إكسترا بلادت تقول إن هذه المشكلة محصورة في القطاع الخاص بمجمله، إذ أن الحكومة ملزمة بالقانون بتحديد الرواتب نفسها للرجال والنساء في لنفس المناصب، لكن لا أحد يجبر القطاع الخاص على تحديد ذلك. “أنا حتى لا أعرف ما يجنينه زملائي الذكور، لذا لا يمكن أن أعرف حتى إذا كان هناك فرق”.

لذلك، يقول ليبينغ أن ما يحاول الاتحاد فعله هو دراسة رواتب العاملين والعاملات في كل وسائل الاعلام بالتواصل معهم ومعرفة ما تدفعه هذه المؤسسات بالعادة للرجال والنساء. “عندها نتواصل مع النساء وهنّ يتفاوضن بشكل شخصي مع أصحاب العمل لتشجيعهن على طلب ما يحصل عليه الرجال في مواقع مشابهة”.

لكن الحل الجذري لهذه المشكلة، بحسب ما تراه معظم الاتحادات الدنماركية، هو إبطال الأسباب التي تجعل تفضيل أصحاب العمل للرجال ممكنًا بالأساس.

“في الدنمارك، يحصل الأم والأب على إجازة يتفقان على توزيعها بينهما عندما يرزقان بطفل، لكن النساء بالعادة تأخذ 90% من فترة هذه الإجازة. إذا تغيرت التشريعات بحيث تفرض تقسيم الإجازة بالتساوي بين الأم والأب أو على الأقل ترفع الحد الأدنى لفترة إجازة الأب قد يجعل أصحاب العمل أقل تفضيلًا للرجال”.

الأمر ذاته ينطبق على الإجازات التي يسمح لأحد الوالدين أن يأخذها للاعتناء بأطفالهما المرضى، إذ عادة ما تأخذ الأمهات معظم هذه الإجازات.

مع ذلك، تظل هذه المشكلة محدودة في ظل توفر أساسيات تسهل تقدم الصحفيات في أعمالهن. تقول لانغوادت إن الوصول إلى موقع متقدم في مكان عملها في إكسترا بلادت لم يكن صعبًا، رغم أن معظم العاملين في الصحيفة -ومعظم قرائها- لا يزالون رجالًا. “الآن لدينا رئيس ورئيسة تحرير يتشاركان الموقع ذاته. هذه أول رئيسة تحرير للصحيفة في تاريخها، لكن إجمالًا كانت هناك نساء في الإدارة على الدوام”.

وتعزيزًا لهذا الحضور، تنشط لانغوادت مع عدد من زميلاتها في وسائل إعلام خاصة أخرى في مجموعة لدعم وصول النساء إلى إدارات التحرير في هذه المؤسسات “لأنه لا يزال هناك رجال أكثر”.