حين يزأر الفأر: دور الأردن في الحلف ضد داعش

الأربعاء 17 أيلول 2014

(نشر هذا المقال بالإنجليزية على مجلة فورن بوليسي في 19 أيلول)

بقلم شاين هاريس

أعلنت إدارة أوباما بأن أكثر من ستة وثلاثين دولة تعهدت بالانضمام إلى جانبها في معركتها الجديدة ضد الدولة الاسلامية، من السعودية إحدى أغنى دول المنطقة، إلى مصر إحدى أكبر هذه الدول وأفضلها تسليحًا. لكن المساعدة الأهم قد تأتي من الأردن، واحدة من أصغر الدول في الشرق الأوسط. ما ستوفره الأردن ليس جنودًا على الأرض، بل المعلومات الاستخبارية المستقاة من شبكة من المخبرين والجواسيس ممن كانوا قد ساعدوا الأمريكيين على قنص بعض أسوأ أعدائهم، وتأمل واشنطن أن يساعدوها مجددًا.

بحسب مصادر رسمية أردنية وأمريكية، لعبت الأردن دورًا أساسيًا في مساعدة الاستخبارات الأمريكية في الوصول إلى زعيم القاعدة الأسبق أبي مصعب الزرقاوي وقتله. وتعتبر المخابرات الأردنية الجهاز الأكثر فعالية وصاحبة العلاقات الأقرب مع الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية في المنطقة (باستثناء إسرائيل)، كما أن العديد من موظفيها من أصحاب الخبرة تدربوا في وكالة الاستخبارات الأمريكية، السي آي إيه، وذلك بحسب مسؤولين أمريكيين سابقين. زاد ذلك من قدرة الأردن، بالرغم من حجمها الصغير، على بناء جهاز مخابرات قادر على تحقيق انتصارات مثل الوصول للزرقاوي ومساعدة الأمريكيين على قمع حركات التمرد السنية في العراق عام 2006.

لكن المخابرات الأردنية لديها بعض الإخفاقات أيضًا، أبرزها عندما أوصت السي آي آيه بالعمل مع الطبيب الأردني همام خليل البلوي، الذي تبين أنه كان عميل مزدوج يعمل مع القاعدة. في 30 كانون الأول 2009 فجر البلوي نفسه في القاعدة الأمريكية في خوست في أفغانستان، وقتل تسعة أشخاص بينهم سبعة ضباط ومقاولين للسي آي إيه، إضافةً إلى ضابط مخابرات أردني. كانت حصيلة الهجوم أكبر عدد من القتلى من رجال السي آي إيه منذ تفجير السفارة الأمريكية في بيروت عام 1983. تعرض الأردن أيضًا إلى إتهامات بتعذيب متهمين بإلارهاب والتغاضي عن أساليب تحقيق قاسية تبرأت منها الولايات المتحدة.

تعتبر المخابرات الأردنية الجهاز الأكثر فعالية وصاحبة العلاقات الأقرب مع الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية في المنطقة (باستثناء إسرائيل).

بغض النظر عن الفشل الاستخباري الضخم الذي أدى إلى عملية خوست يقول مسؤولون أن التحالف الأردني الأمريكي قوي ومثمر. “لدى الأردن جهاز مخابرات قوي جدًا. وقد اخترق [الدولة الإسلامية] في السابق”، يقول مروان المعشر، وزير خارجية الأردن السابق بين 2002 و2004 ونائب رئيس الوزراء حتى عام2005.

ينسب مسؤول استخباري أمريكي سابق للأردن الفضل بالمساعدة على العثور على أبي مصعب الزرقاوي ويقول إن دائرة المخابرات العامة في الأردن أصبحت شريكًا مقربًا من السي آي إيه منذ هجمات 9/11 الإرهابية. “من منظور استخباري، لدى الأردن الأفضلية الجغرافية لجمع المعلومات”، يقول المصدر في إشارة إلى موقع الأردن المركزي والحدود مع العراق وسوريا. “جزء كبير مما ستقدمه الأردن للولايات المتحدة سيكون جمع المعلومات الاستخبارية”، بما في ذلك إدارة شبكات من الجواسيس وتجنيد العملاء في العراق وسوريا للوصول إلى أعضاء الدولة الاسلامية، ولفهم البنية التنظيمية والتراتبية للمجموعة. منذ أن بدأ التنظيم بالسيطرة على مدن عراقية هامة والاستيلاء على مساحة واسعة من الأراضي هذا الصيف، وأجهزة الاستخبارات الأمريكية تحاول فهم طريقة عمله.

“من المعروف أن الاستخبارات الأردنية لديها شبكات في العراق منذ عام 2003 [عام غزو العراق]”، يقول روبرت بليتشر مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية. “الأردنيون لديهم مصادر جيدة، وقد استغلوها في السابق” يضيف بليتشر، وعليهم أن يفعلوا ذلك مجددًا.

لكن الولايات المتحدة تحتاج لأكثر من براعة الأردن التجسسية. الاستخبارات الأردنية لديها أيضًا “اختراقات” في داخل القبائل السنية العراقية المتحالفة مع الدولة الاسلامية. نجحت الولايات المتحدة في وضع هذه القبائل بمواجهة القاعدة أثناء حرب العراق وحاربت القبائل إلى جانب الأمريكيين، مما شكل ركيزة هامة في الاستراتيجية التي ساعدت بالمحصلة على هزيمة المجموعة الإرهابية، وإن كان مؤقتًا. يقول المعشر بأن هذه العلاقات الأردنية مع شيوخ القبائل السنية يمكنها الآن “أن تلعب دورًا كبيرًا في إبعادهم عن” الدولة الإسلامية. في تموز من هذا العام، التقى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بشيوخ العشائر السنية في عمّان، وحثّهم على الوقوف ضد المجموعة المسلحة.

سيزود الأردنيون في الغالب الدعم اللوجستي أيضًا للحملة الجوية الأمريكية، التي قامت حتى الآن بشن 150غارة ضد مقاتلي ومركبات ومعدات الدولة الإسلامية باستخدم الطائرات التقليدية أو الطائرات بدون طيار. (تقدر السي آي إيه أعداد المقاتلين مع الدولة الاسلامية الآن بحوالي 31,500 مقارنة بالتقدير الأولي الذي كان 10,000 مقاتل). يقول بليتشر إن الأردن كان قد سمح للجيش الأمريكي باستخدام قواعده الجوية طوال العقد السابق، لكن المسؤولين الأردنيين يترددون بالاعتراف بذلك. يرى المعشر بأن الأردن سيقوم على الأغلب بتقديم دعم لوجستي ولكنه لا يرى دورًا في العمليات العسكرية المباشرة. “هذا على الأغلب ليس من الخيارات” يقول المعشر، ” يجب أن تكون الولايات المتحدة على رأس الجهود العسكرية”.

في هذه الأثناء تبذل الولايات المتحدة جهودًا محمومة لحشد تحالف دولي من الدول الراغبة بقتال الدولة الإسلامية، لكن على الأغلب، لن يكون هذا التحالف بالحجم أو بالأهمية التي تمناها المسؤولون الأمريكيون. فتركيا لم تسمح بعد للطائرات الأمريكية المشاركة بالضربات بالانطلاق من أراضيها، وكندا التي كانت قد أرسلت قوات خاصة إلى العراق أعلنت بأنها لن ترسل قوات أرضية تقليدية، وألمانيا أعلنت بأنها لن تشارك بأي ضربات عسكرية ضد الدولة الإسلامية.

تدرّب السي آي إيه ثوارًا سوريين في الأردن، لكنها ما زالت مترددة في تسليحهم خوفًا من أن تقع الأسلحة الأمريكية بأيدي مقاتلين قد ينضموا للدولة الإسلامية. إلا أن السي آي إيه تتفحص مجموعات مختلفة من الثوار السوريين منذ عدة أشهر بإشراف مباشر من مدير الوكالة جون برنان، وقد كانت هذه الجهود، بحسب مسؤول في الإدارة الأمريكية، مثمرة. “لدينا ثقة أكبر بكثير في من نتعامل معهم”.
الآن، ترغب إدارة اوباما بتكثيف العمليات بحيث تقوم وزارة الدفاع الأمريكية بتدريب وتسليح هذه المجموعات من الثوار السوريين، وقد وافقت العربية السعودية على استضافة المرافق لهذا المشروع.

لا يقتصر الدافع الأردني للتعاون على التحالف طويل الأمد مع الولايات المتحدة فحسب، فالدولة الإسلامية تشكل تهديدًا جديًا داخل الأردن. فالمجموعة السنية المسلحة تتطلع للتوسع أبعد من العراق وسوريا. يقول الخبراء إن مقاتلي الدولة الإسلامية يمكنهم التسلل إلى الأردن عن طريق التخفي بين ملايين اللاجئين الذين تدفقوا نحو الأردن من سوريا هربًا من الحرب الأهلية الوحشية.

لا يقتصر الدافع الأردني للتعاون على التحالف طويل الأمد مع الولايات المتحدة فحسب، فالدولة الإسلامية تشكل تهديدًا جديًا داخل الأردن. 

تقدر الحكومة الأردنية عدد اللاجئين السوريين في البلاد بأكثر من 1.3 مليونًا، وبأن 200-300 لاجئ سوري يمرون عبر الحدود يوميًا. “أعتقد بأن هناك قلق بأن تكون داعش تعمل بالفعل في أوساط هذا التجمع السكاني، وبأنها قادرة على الاختراق نحو الأردن من خلاله”، يقول بليز ميتزال مدير السياسات الدولية في معهد بايبارتزان للدراسات في واشنطن. تقوم دول الخليج بتمرير عشرات المليارات من الدولارات كمساعدات مباشرة إلى عمّان خوفًا من انهيار النظام الملكي تحت ضغط أزمة اللاجئين.

يشعر القادة الأردنيون على أعلى المستويات بالقلق من تهديد الدولة الإسلامية. يقول الملك عبد الله الثاني في أعقاب احتلال الدولة الإسلامية للموصل، ثاني أكبر مدن العراق: “لقد أظهرت الأزمة السورية بأن الإرهابيين الانتقاليين ليس لديهم أي اعتبار للحدود… إضافة إلى التحدي الذي نواجهه عندما يعود هؤلاء المتطرفون والمجموعات الارهابية إلى البلدان التي تستضيفهم”.

يقدر الخبراء عدد الأردنيين الذين يقاتلون في صفوف الدولة الإسلامية بحوالي 700 أردني، إضافةً إلى الآلاف ممن غادروا البلاد للقتال في سوريا إلى جانب جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة. (قطعت الدولة الإسلامية علاقتها مع القاعدة رسميًا بعد أن فشل قادة القاعدة بالتوسط لإنهاء الخلاف بين المجموعة وجبهة النصرة. أعلنت الدولة إقامة الخلافة في العراق والشام في حزيران).

يقوم المسؤولون في إدارة اوباما برحلات مكوكية حول الشرق الأوسط منذ أسبوع لتأمين مشاركة الدول في التحالف ضد الدولة الإسلامية، لكن الإدارة كانت قد سمعت من عمّان عن الخطر المتزايد للمجموعة المسلحة منذ أشهر.

يقول أحد المسؤولين في الإدارة الأمريكية ممن قضوا فترة في المنطقة: “لدينا رؤية مشتركة إزاء هذا التهديد، وهذا واضح من خلال المحادثات التي أجريناها مع الحكومات في المنطقة، خاصةً مع السعوديين والأردنيين. الأردنيون يمرون بتأثيرات تهدد الاستقرار جراء اللجوء، ولديهم قلق حقيقي” من أن الدولة الاسلامية لن تقتصر طموحها المناطقي على العراق وسوريا.

يقول بليتشر، من مجموعة الأزمات الدولية، إنه أثناء زياراته إلى الأردن، أطلعه مسؤولون على خرائط تظهر شكل المنطقة بحسب توقعاتهم ما لم يتم وضع حد للحرب الأهلية في سوريا وللعنف الطائفي في العراق؛ تظهر هذه الخرائط العراق وسوريا مقسمتين إلى دويلات بحكم الأمر الواقع على طريقة البلقان، وتقع دولة الخلافة بينهما. “لطالما خشوا تحقق ذلك. وعندما تم الإعلان عن الدولة الإسلامية، شعروا بأنهم ينظرون إلى هذه الخريطة تتشكل أمام أعينهم”.

الآن ومع التحالف الذي تبنته الولايات المتحدة لمواجهة الدولة الإسلامية يشعر الأردن بأن العالم إلى جانبه. لكن على الملك عبد الله الثاني أن يسير على خيط رفيع بين الاصطفاف مع حلفائه وبين إنعاش اقتصاد متعثر ومرهق بعبء اللاجئين. “يشعر الأردن بأنه يتحمل عبء هذه النزاعات”، تقول داليا دس كاي، مديرة معهد راند لسياسات الشرق الأوسط. “وهناك قلق دائم بأن دخول الأردن بنزاعات في المنطقة سيؤدي إلى المزيد من الشكوك وعدم الاستقرار محليًا. سيكون على الملك عبد الله أن يسير بصعوبة على حبل مشدود”.

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية