داعش في المساجد وكتب المدارس

الإثنين 09 شباط 2015
isis-in-jordan-schools

يوم 26 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، بعد يوم من عيد الميلاد، خصص الشيخ في أحد المساجد القريبة من منزلي خطبة الجمعة لمهاجمة المسلمين الذين «تشبّهوا بالكفار»، واحتفلوا في اليوم السابق مع المسيحيين بعيدهم. وكان مما قاله بالحرف الواحد، مشيرًا إلى المسيحيين:«إن علينا أن نكره هؤلاء القوم، وأن نكره دينهم وكتابهم المحرّفين».

تساءلت وقتها، عندما كان صوته، بفضل الميكروفون، في قلب المنازل المغلقة النوافذ، إن كان هناك شيخ آخر، في أحد المساجد المجاورة لحارة تسكنها أغلبية مسيحية، ولا تبعد عنّا أكثر من 500 متر، قد عنّ له أن يخوض في المسألة نفسها.

تشنّ وزارة الأوقاف منذ أشهر حملة على خطباء المساجد المناصرين لداعش، ولا أعرف إن كان هناك إجراء مشابه للمحرضين ضد المسيحيين، لكن إذا كان هناك شيء كهذا، فإنه وحده لن يُحدث أي فرق حقيقي، لأن جوهر المشكلة ليس في التعبير عن الأفكار المتطرفة، بل في الإيمان بها، وما دامت جهود محاربة التطرف لا تتواجه بوضوح مع هذا الإيمان، فإن الحرب على التطرف ستظل حربًا على رأس جبل الجليد.

جوهر المشكلة ليس في التعبير عن الأفكار المتطرفة، بل في الإيمان بها، وما دامت جهود محاربة التطرف لا تتواجه بوضوح مع هذا الإيمان، فإن الحرب على التطرف ستظل حربا على رأس جبل الجليد.

في كل حادثة إرهابية، فإن الفكرة الأساسية التي يرتكز إليها الخطاب الإعلامي المستنكر لها، هي أن ما حدث لا يمثل «الإسلام الحقيقي»، لكن أحدًا لا يخبرنا ما هو «الإسلام الحقيقي». لا أحد يحدد لنا هذا الإسلام الواحد المُتوافَق عليه، الذي يخرج الإرهابيون عنه. وهذا الضخ الإعلامي الهائل، الذي يخرج مستنكرًا كل حادثة إرهاب، مؤكدًا على أن هذا ليس الإسلام الحقيقي، ليس على الأغلب أكثر من إنشاء لغوي عاطفي.

جزء كبير من هذا الضخ الإعلامي رسمي، لهذا سأفترض منطقيًا أن «الإسلام الحقيقي» من وجهة نظر الحكومة، هو الإسلام الذي تدرّسه للتلاميذ في المدارس.

قبل ستة أشهر تقريبًا، أُثيرت ضجة كبيرة على خبر افتتاح داعش سوقًا للرقيق في محافظة نينوى العراقية، عُرضت للبيع فيه، نساء مسيحيات ويزيديات، اختطفهن التنظيم خلال عملياته العسكرية، وتعامل معهن كـ«سبايا» حرب. وتداول الناس على نطاق واسع، عبر الإنترنت، مقطع فيديو يظهر مجموعة رجال، قيل إنهم من مقاتلي داعش، كانوا يتحدثون بمرح عن سوق الجواري المقرر انعقاده ذلك اليوم، وعن مواصفات الجواري المفضلة لهم.

وقتها قيل إن هذا ليس «الإسلام الحقيقي»، لكن كتاب التاريخ للصف التاسع1، يدرّس التلاميذ أن العبيد والجواري، كانوا من مكونات المجتمع الإسلامي في الماضي، ويعلق قائلًا إن «الدين الإسلامي لم يلغِ الرق، إلا أنه أوصى بحسن معاملة الرقيق، وحثّ على تحريرهم بطرق متعددة». أي أن التلاميذ يتعلمون أن الرّق ممارسة ما زالت إسلاميًا مشروعة، لكن سيكون من باب مكارم الأخلاق أن يتفضّل المسلم فيحرر ما لديه من عبيد من دون مقابل مالي، أو يمكن له استيفاء هذا المقابل من العبد نفسه، أو يمكن استخدام إطلاق سراح العبد للتكفير عن ذنب.

الصورة من كتاب "تاريح الحضارة العربية والإسلامية"، الصف التاسع
الصورة من كتاب «تاريخ الحضارة العربية والإسلامية»، الصف التاسع.

تُستنكر أخبار الإعدامات التي يقوم بها داعش في حق من يسميهم بالـ«مرتدين عن الإسلام»،  ويُقال إن «الإسلام الحقيقي»، يتسامح مع حرية الاعتقاد، لكن في كتاب التربية الإسلامية للصف التاسع2، يتعلم التلاميذ وجوب «قتال المرتدين»، فبحسب الكتاب، فإن اتفاق أصحاب الرسول عليه السلام على قتال المرتدين عن الإسلام، هو أحد الأمثلة على «الإجماع»، الذي يُعدّ في في الفقه الإسلامي أحد مصادر التشريع، بعد القرآن والسنة النبوية. ووفق الكتاب أيضًا، فإن كل ما هو محل إجماع «يجب العمل به (…) ولا تجوز مخالفته».

تُنتقد عقوبات مثل الرجم بالحجارة والجلد، وهي عقوبات تقيمها داعش في حق مرتكبي «الزنا»،  لكن في كتاب الثقافة الإسلامية، للصف الأول الثانوي3، يتعلم التلاميذ أن العقوبة الشرعية لمرتكب الزنا المحصن (المتزوج) هي «الرجم حدّ الموت»، ولغير المحصن «مئة جلدة أمام الناس دون شفقة ، أو تخفيف في الضرب، أو نقص في العدد».

.الصورة من كتاب «التربية الإسلامية»، الجزء الأول، الصف التاسع
.الصورة من كتاب «التربية الإسلامية»، الجزء الأول، الصف التاسع

ما سبق، هو مجرد أمثلة، هي وغيرها، تُدرّس للتلاميذ، لا بوصفها «تاريخًا»، أي ممارسات مرتبطة بسياق تاريخي محدد، يُقال للتلاميذ إننا نعيش في غيره، بل تُدرّس بوصفها الرؤية الإسلامية للحاضر، التي هي في الكتب المدرسية، الرؤية الوحيدة المتاحة للتلاميذ. ففي هذه الكتب، كل ما له طابع فكري أو اجتماعي، يفسَّر ويُنظّر له من منظور أوحد، هو المنظور الديني الإسلامي، في تجاهل تام، للتنوع الديني والفكري في الأردن والعالم.

مثلا، في كتاب التربية الوطنية والمدنية للصف السابع4، هناك مجموعة دروس، يبدأ فيها التلميذ بشكل منهجي تعلّم مفهوم الأسرة، وتركيبتها في المجتمع الأردني، والعلاقات الأسرية، وحقوق المرأة، وغيرها. وفي وقت يُتوقع فيه أن يقدم الكتاب، بحسب اسمه تربية «مدنية»، فإن التعاطي مع المفردات السابقة، بالكلام والصور، تمّ من منظور ديني إسلامي خالص، جعل «الأسرة الأردنية» في الكتاب تعني عمليا «الأسرة المسلمة»، ولا يمكن نهائيًا لأحد من خارج المشهد، أن يحزر بعد مطالعته لهذه الدروس، أن في المجتمع الأردني أحدًا غير المسلمين. في الحقيقة، لا يمكن لأحد أن يحزر أن في المجتمع الأردني غير مسلمين، لدى مطالعته لأي كتاب مدرسي.

وفي هذا الدروس، فإن تجاهل التنوع ليس فقط في ما يتعلق بالأديان المختلفة، بل هناك تجاهل للتنوع داخل الدين الإسلامي ذاته، من خلال فرض وجهات نظر محددة، في قضايا تعددت فيها وجهات النظر، حتى بين المسلمين أنفسهم، كأن يتعلم التلاميذ في الكتاب السابق أن «تحديد» النسل حرام شرعًا بشكل مطلق، وأن ما على الأسر أن تفعله هو «المباعدة بين الأحمال»، وهي قضية فيها اجتهادات.

ينشأ التطرف عندما تعلن أي جماعة أنها تحتكر الحقيقة، لأنها ستبدأ بعدها بالنظر إلى الآخرين ممن يتبنون «حقائق» مغايرة، لا بوصفهم نظراء مكافئين، يمتلكون مثلها الحق في الوجود والتعبير، بل بوصفهم كائنات ضالة.

هل نريد مواصلة إنتاج أجيال يُقال لها إن كل من ليس مسلمًا سيذهب إلى النار؟

وبسبب ذلك، سيكون الآخرون المختلفون دينيًا، كما في كتاب الثقافة الإسلامية، للثاني الثانوي5،«أهل ذمة»، يحظون بـ«التسامح»، ولهم حق ممارسة شعائر دينهم «دون تحدٍ لمشاعر المسلمين»، ولهم حق تولي المناصب العامة «إلا رئاسة الدولة وقيادة الجيش».

أما المختلفون فكريًا، فإنهم سيكونون أحد أسباب «تراجع» الأمة، إذ يتعلم التلاميذ في كتاب الثقافة الإسلامية، للأول ثانوي6، أن من أسباب تراجع الأمة هو اتجاه «كثير من أبنائها إلى تبني كثير من الأفكار والعادات والقيم الدخيلة على الأمة المسلمة، والمستمدة من أفكار الأمم الأخرى وقيمها»، واعتماد هؤلاء على «ثقافة مستوردة لا تتناسب وقيمنا وسلوكنا».

قبل خمس سنوات، عندما كان ابني في الصف الرابع، كان في صفه تلميذ مسيحي، يخرج، كما هو معتاد، في حصة الدين إلى المكتبة. وفي أحد الأيام، قالت معلمة الدين للتلاميذ إن المسيحيين سيذهبون جميعا إلى النار، ثم علّقت على زميلهم المسيحي قائلة «جورج لو مات الآن، سيذهب إلى الجنة لأنه ما زال طفلًا، لكنه إذا كبر مسيحيًا فسوف يذهب إلى النار».

لم تكن هذه المرة الأولى ولا الأخيرة التي قال فيها معلمو مدارس لأولادي، ولأولاد عائلات أخرى، إن غير المسلمين سيذهبون إلى جهنم، فقط لأنهم غير مسلمين، لكنها كانت الأكثر بشاعة. والسنة الماضية، عندما ذكرت معلمة الصف العاشر في مدرسة ابني الآخر المقولة نفسها، محددة المسيحيين بالذات، سألها تلميذ «هل سيرسل الله إلى النار حتى المسيحيين الجيدين؟»، فأجابته بنعم، لأنه، كما فسّرت له: أي «عاقل» يتأمل في الكون من حوله، سيهتدي بالضرورة إلى الإسلام، وأكملت قائلة «الحق عليهم، ليش ما يشغّلوا عقولهم؟».

فلنبدأ من هنا، هل نريد مواصلة إنتاج أجيال يُقال لها إن كل من ليس مسلمًا سيذهب إلى النار؟ لأن كتب المدارس، وإن لم تتبنَّ المقولة السابقة صراحة، إلا أنها تفعل ذلك ضمناً، عندما تنغلق على رؤية وحيدة للعالم، وتحكم بالضلال على كل ما عداها، حتى من دون عرضه.

 


 

1 «تاريخ الحضارة العربية الإسلامية»، الصف التاسع، ص 80، طبعة 2014.
2 «التربية الإسلامية»، الجزء الأول، الصف التاسع، ص 115، طبعة 2014.
3  «الثقافة الإسلامية»، المستوى الأول، المرحلة الثانوية، ص 32، طبعة 2011.
4 «التربية الوطنية والمدنية»، الصف السابع، ص 11-35، طبعة 2011.
5 «الثقافة الإسلامية»، المستوى الثالث، المرحلة الثانوية، ص 180 و181، طبعة 2014.
6  «الثقافة الإسلامية»، المستوى الأول، المرحلة الثانوية، ص 161، طبعة 2011.